عاجل:

12/2/2011 د. محمد إبراهيم المدهون cct.gaza@gmail.com

السبت ١٢ فبراير ٢٠١١
١٢:٥٥ بتوقيت غرينتش
عــدوى الثــورة وعــدوى الفهــم في محاضرة حول افتتاح العام الجديد 2011م تحدثت عن "عام مضى وأمنيات عام جديد".

عــدوى الثــورة وعــدوى الفهــم

في محاضرة حول افتتاح العام الجديد 2011م تحدثت عن "عام مضى وأمنيات عام جديد". أحد مفردات جرد الحساب للعام الماضي أن الاستبداد في الأنظمة العربية غدا مفضوحاً وعنوانه استبداد العائلة الحاكمة الدكتاتورية والتوريث الفج، والملفات الخطرة التي على الطاولة ومنها الملف الإيراني ومشاريع تقسيم المنطقة بدءاً بالسودان واستفتائها، ومصر وفتنتها الطائفية المتزايدة، ومخاطر تقسيم العراق طائفياً، واليمن كذلك معرض للإنهاك والانتهاك ومشروع التقسيم الطائفي للسعودية، وفي المغرب العربي هناك فتيل الصحراء الكبرى، وفي لبنان إرهاصات اللعب بالنار في فتنة طائفية مقيتة جديدة، وليس أخيراً الصومال المنسية، فوق كل ذلك جرت في 2010م انتخابات مزيفة " على عينك يا تاجر" في ترسيخ فج للعائلة الحاكمة المالكة. وفلسطين 2010م تتم تصفيتها جغرافياً وتاريخياً وبشرياً في ظل صمت عربي مطبق وتقاعس فلسطيني رسمي كشفت مستوره الجزيرة. وما تمنيناه في العام 2011م أن تتوقف مشاريع التقسيم للمقسم، وأن تلتئم وحدة الأمة على قواعد الحرية والمواطنة والحقوق الإنسانية والديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، وأن يتم استنهاض المشروع الكبير لتحرير فلسطين القضية المركزية للأمة. وأن الأمل في عام 2011م يتحقق في انتفاضة الجماهير العربية على قاعدة " إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ "

ريـــاح التغييـــر..

أيام قليلة في مطلع العام الجديد كانت كافية لسقوط حاكمة قرطاج وزوجها في مشهد درامتيكي، حلم بدأ بصفعة من شرطي متجبر وغير حكيم على وجه مواطن مستضعف وغير كريم عند زمرة الإستبداد، وأن أيام قليلة فقط ليمتد لهيب النار إلى أكبر دولة عربية وخلال يوم جمعة الغضب وما تلاه تلتهب مصر وعنوانها "سقوط النظام".

 

بوعزيزي يحرق نفسه ليوقع بدمه وروحه ورائحة لحمه المشوي أعمق بيان سياسي في التاريخ ليكون بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، واستجابت الجماهير النابضة في تونس الخضراء ولاحقاً في مصر أكثر قطر عربي مستهدف أمنياً ومخابراتياً من أمريكا وإسرائيل، وفي أكثر موقع حساسية ومُسيطر عليه أمنياً في شمال أفريقيا " فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا " [الحشر: 2]، وفي العواصم العربية المُشبعة بالنضال في سنوات طوال عجاف في ظل حكم الاستبداد المفرط بثورة لتقول الجماهير الحية لبوعزيزي "لا تحرق نفسك وسنحرق الطغاة"، سنحرق حكم الأسر المستبدة من وراء قناع اسمه " الحكم الجمهوري" وزيف مسرحيات الانتخابات المفضوحة والمزيفة والشعارات البرَّاقة التي يكشف زيفها اليوم أصغر شبل عربي في أكثر منطقة عربية نائية بفضل التجربة التراكمية طوال عقود مضت، وبفضل الإعلام الجديد (الجزيرة نموذجاً) وثورة التويتر والفيس بوك، والفضائيات وعصر العولمة، ونهضة المعرفة والمعلوماتية الموثقة بالصوت والصورة والهمسة وإلهام انتفاضات الشعب الفلسطيني، ومثلت غزة النموذج في صمودها محركاً لمفاعيل الكرامة والعزة العربية، ولم يعد المستبد أياً كان قادراً على منع وصولها لتحقق الصورة استمرار النبض في شرايين الحرية المتقدة في عزة العربي المرتقب لحظة الوثب منهياً مرحلة الاستبداد الأسري والتوريث والملكية المطلقة للشعوب والثروات والخيرات، ومبشراً بانتهاء حقبة "الحكم الجبري" التي بشَّر بها رسول الله e .

 

أمام ثورة تونس الخضراء ومصر الكنانة يتوقف استعلاء الاستبداد والأمن التونسي والمصري الرسمي، وانهارت بنية حزب الاستبداد الذي غدا في لحظة سراباً، ورغم مسيرة من الإرهاب الممنهج في تونس ومصر عبر سنوات عجاف تم فيها محاصرة الصوت والصورة وملاحقة الهمسة والكلمة والفكرة، علاوة على الحصار السياسي والملاحقة الدؤؤب لكل صوت مخالف، ولا أقول معارض، ورغم تفشي الظلم الاجتماعي وسيطرة القطط السمان وأحلافهم على المشاريع والأموال والاقتصاد، علاوة على الإرتهان الأمني المطلق، وأذكركم باغتيال خليل الوزير في حمام الشط في عام 1988م، وأن تونس ومصر على يد الطغاة مثلت موطئ قدم استراتيجي أمنياً وعسكرياً لأمريكا وفرنسا وإسرائيل في شمال افريقيا ومصر، ويمكن الانتباه كذلك إلى خبر عودة السياح الإسرائيليين من تونس بسبب الثورة والالتفات إلى قول يديعوت " فقدنا صديق سري رسمي لإسرائيل ودولة مؤيدة لإسرائيل، وكانت تعتبر محطة سياحية إسرائيلية ونخشى صعود إسلاميين"، بينما قال سيلفان شالوم " أدعو الجهات الدولية لمنع الإسلاميين من السيطرة على الحكم في تونس". وعلاوة على كل ما سلف ذكره فقد سبق ونشرت ويكيليكس مئات الوثائق حول واقع تونس وتستعد لنشر وثائق حول مصر.

 

صنــع في تونـــــس ومن ثم مصر:

 

ما جرى في تونس الخضراء وامتد إلى مصر الكنانة كان سريعاً ومفاجئاً واستراتيجياً إلى حد أنه محطة تاريخية فاصلة، حيث أنه لأول مرة تحدث ثورة جماهيرية عربياً وبعد ثورات على غرار إيران والفلبين قد تؤسس هذه لمنظومة عربية جديدة على أساس من العدالة والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان. وأهمية ما جرى كذلك تتمثل عربياً في الخروج عن ثقافة "إنه قدر" وفلسفتها المهزومة في التغير في مواجهة الاستبداد " وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ " [العنكبوت : 69].

 

وهي كذلك إبراز للقوة الشعبية والجماهيرية والشبابية والمطلوب تجاهها اليوم توظيف أمثل عبر التأطير والتحشيد لصالح الشعوب وحريتها وكرامتها. ومن هنا يمكن المبادرة عربياً وشبابياً على وجه التحديد إلى إطلاق أكبر حملة معارضة مجتمعية في الشارع العربي وعلى أساس من القضايا المجتمعية للمواطن العربي كي يتجسد مجدداً في أكثر من قطر ملامح النموذج العربي الجديد للانتصار الشعبي والثورة، وهذه ليست دعوة لتقليد الحرق الذاتي كما يحدث في أكثر من مدينة عربية وإنما دعوة لبناء مجتمعي عربي رصين على أساس من حرية المواطن وكرامته وحقه في الحياة والرأي والعطاء لدينه ووطنه وشعبه.

 

تونس ومن ثم مصر بذلك قد قدمت النموذج الناجح الذي يمكن الاقتداء به والبناء عليه بعد كسر حاجز الخوف من نمور الورق المتهاوية. وثورة تونس ومصر إعلان سقوط وهم الانتظار من أجل أن تلحق عروش الارتزاق من السلطة بقضايا الأمة فلسطين والعراق، فقد صبرت الشعوب على الاستبداد على أمل منح الفرصة لمسيرة التحرير لفلسطين (قضية الأمة المركزية)، واكتشفت الجماهير أنها فقدت الحرية في مواطنها ولم يتحقق لها التحرير في قضيتها الكبرى، ومن هنا كانت ثورة تونس – مصر إعادة لترتيب الأولويات. فبوابة تحرير فلسطين هي الحرية للإنسان العربي في مواطنه واتخاذه القرار بالالتحاق بمسيرة التحرير لفلسطين والعراق، ولم تعد تنطلي على الشعوب العربية أن خياراتها محصورة بين الاستبداد أو الاحتلال ولا خيار ثالث لهما، ومن هنا فإن إعادة الترتيب هذا سيشكل حلقة استراتيجية في ملامح المرحلة العربية الجديدة من الحرية والتحرر في آن واحد.

 

تشكلت ملامح المرحلة العربية التي نحيا اليوم بعد سقوط وهم الانتخابات والشعارات والديمقراطية حتى سقطت لقمة العيش لصالح القطط السمان في جمهوريات وممالك الفساد والتوريث عبر أسرة حاكمة مالكة لكل شيء ومن حولها كما يقول الأخ عبد الحليم قنديل: "بطانة من مماليك البيزنس وجنرالات الأمن، وبلا قواعد اجتماعية ولا سياسية، وبأيديولوجية الشفط والنهب العام، واستناداً لعصا الكبت الأمني العام، فيما بدت الشعوب غائبة كلياً عن الصورة، وأقرب لغبار بشري يطحنه الغلاء والفقر والبطالة، تعيش محن الاقتصاد المنهوب الريعي الهش، وتمارس فقط بطولة و"أكروبات" البقاء على قيد الحياة، وتعاني السحق والتهميش الغالب في ممالك الصمت العائلي". ليتكرس عبر هذا النموذج شعبياً ترسيخ للاستبداد والفقر والفساد وانهيار مجتمع الانتاج وتكريس مجتمع الاستهلاك والتبعية، ومن هنا سقطت مشاريع النهضة العربية، وكذلك سقطت مشاريع التحرر والحرية، ولم يعد في القوس منزع إلا باستعادة الحرية من أجل التحرر والنهضة في آن واحد.

 

وعلى ذلك فقد قطعت تونس قول كل خطيب ومثلت ثورة تونس الخضراء ومن ثم مصر الكنانة منعطفاً هاماً في مسيرة استعادة بناء ملامح مرحلة عربية جديدة لتفخر تونس ومن ثم مصر بالقول "صنع في تونس ومن ثم مصر"، ولتمثل بذلك إيذاناً بفجر جديد يبزغ في العالم العربي لا تسيطر عليه أمريكا.

لمــــاذا تونـــــس ومصر؟

وللحرية الحمراء باب بكل يد مدرجة يدق" فالدماء التونسية والمصرية ثمن الحرية الغالية ولا ينبغي ضياعها عبر ما يجري من محاولة إنتاج لنظام بن علي ومبارك مرة أخرى بالتدليس وباختطاف ثمار الثورة عبر استثناء إرادة الجماهير، ومحاولة تزيين مخرجات الثورة زوراً وبهتاناً، أو باستثناء القوى والجماهير السياسية النابضة. والمشكلة الآن في افتقاد ثورات تونس - مصر لقيادة ظاهرة ورمزية تشكل المرجع والمحرك والوقود، ويأتي من هنا دور النخبة بتجدد دعوة المفكرين في تونس ومصر كي نسمع صوتهم عاليا عبر بوابة الجماهير مما قد يمثل رأساً للثورة وحماية المنجزات ودماء الأحرار، واستثمار للثورة بالتغير الشامل الحقيقي، وذلك سيكون مرتبطاً بدرجة وعي الشعب صاحب الخطاب المطلبي الواضح الذي أطلق الثورات ومستوى الثقة لديه الذي سيمنع خلط الانتهازية بالمبدئية وخاصة في مراحل التحول، ومن هنا فإن المتوقع حدوثه أن تدوم الثورة حتى يوقفها أحد ثلاث احتمالات, وقوع انقلاب عسكري يعيد السيطرة الأمنية على البلاد أو أن تقبض نُخب النظام القائم بدعم من الجيش على ناصية البلاد، أو اللجوء إلى عقد صفقة مع القوى السياسية الحية لتمرير المرحلة الانتقالية إلى الانتخابات، وهنا يكون قد تم التسليم للجماهير النابضة بالحرية لتونس ومصر، وعلى الجانب الآخر فإن قوى الظلم العالمية يمكن أن تحاول الرد على هذه الإهانة في تونس ومصر في موقع عربي آخر.

 

أخيراً امتد لهيب الثورة العربية الكبرى الحقيقية لتعلن أن العقد الثاني من القرن الحادي والعشرون يحمل ربيع الشعوب وليفهم بن علي سريعاً ماذا يريد الشعب التونسي، وأملنا أن تنتقل "عدوى الفهم" سريعاً إلى مبارك ومن ثم إلى الساحات العربية من المحيط إلى الخليج. وعلينا في عام جديد ونحن نرمق تونس الخضراء ومصر الكنانة وكشف المستور أن نستبشر بعام للتغيير الشامل لا الجزئي، والعميق لا السطحي، والجذري لا الفوقي، والمستقر لا الوقتي، والمنضبط لا الفوضوي، والمتدرج قطرياً إلى العالمية، تقود النخبة الشعوب ولا تنوب عنها، وذلك ليس بالوقوف على الأطلال واستدرار للدموع وإنما بالثقة بالله تبارك وتعالى والبحث عن الأمل والتشبث بصناعة الحياة والقضاء على الاستبداد، وأن نعمل على بناء أجيال شباب الأمة على الحرية حتى لا تنكسر ولا تتلوث وتمسك بزمام المبادرة لاستلام راية البناء وتصحيح المسار كي ترسو الأمة على شاطئ الحرية والكرامة والتحرير والحضارة.

كلمات دليلية
0% ...

آخرالاخبار

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يصل إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة


استطلاع رأي "رويترز ايبسوس": انخفاض معدل تأييد الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى 32%، وهو أدنى مستوى له في مسيرته السياسية


مصادر فلسطينية: جريحان نتيجة قصف طيران العدو منزلا في حي التفاح شرق مدينة غزة


الناطق باسم حركة حماس، حازم قاسم: ادعاءات الاحتلال بخرق عناصر من حماس اتفاق وقف إطلاق النار هي باطلة ولا أساس لها، وتهدف لايجاد تبريرات لانتهاكات الاحتلال وتصعيد عدوانه


اللواء إيزدي: إيران تعزز قدراتها في مجالات الصواريخ والطائرات المسيرة والأنظمة السيبرانية والحرب الإلكترونية والدفاع الجوي


نائب قائد حرس الثورة اللواء إيزدي: حضور الشعب في الساحات يُحبط مخططات العدو


حرس الثورة: أمريكا وكيان الاحتلال سيرضخان لواقع منطقة خالية من وجودهما


صنعاء تعلن عن عدوان سعودي كبير على محافظات يمنية وتؤكد أنه لن يمر دون رد


استطلاع رأي "رويترز ايبسوس": 17% فقط من الأميركيين يؤيدون طريقة تعامل ترامب مع تكاليف المعيشة


الخارجية القطرية: أي اتفاق بين واشنطن وطهران لن يكون نهائيا بل سيكون كافيا لبدء التفاوض