عاجل:

9/2/2011 سليمان تقي الدين daralameer@daralameer.com

الأربعاء ٠٩ فبراير ٢٠١١
١٢:٢٩ بتوقيت غرينتش
ثورة مصر وثقافة التغيير شق التغيير طريقه إلى دنيا العرب. المسألة أن الشعب نزل إلى الميدان وهو الذي يقول ما يريد من سياسات بلاده. لا أحد يمكن له أن ينكر ما يمثل الجمهور الغاضب وما يطمح إليه خلافاً لكل شرعية سلطوية أخرى مزوّرة. هذا هو التغيير الأول والأهم الذي سيطبع مرحلة كاملة من تاريخ العرب المعاصر. هناك ظاهرة جديدة، من تونس إلى مصر، هي أن الشعب الذي يشترك في المعاناة الإنسانية والوطنية، يمكنه أن يعبّر عن نفسه من دون حاجة إلى تأطير حزبي تقليدي. أصالة ثورتي تونس ومصر، أنهما ثورتان شعبيتان بكل ما للكلمة من معنى.

ثورة مصر وثقافة التغيير

 

شق التغيير طريقه إلى دنيا العرب. المسألة أن الشعب نزل إلى الميدان وهو الذي يقول ما يريد من سياسات بلاده. لا أحد يمكن له أن ينكر ما يمثل الجمهور الغاضب وما يطمح إليه خلافاً لكل شرعية سلطوية أخرى مزوّرة. هذا هو التغيير الأول والأهم الذي سيطبع مرحلة كاملة من تاريخ العرب المعاصر. هناك ظاهرة جديدة، من تونس إلى مصر، هي أن الشعب الذي يشترك في المعاناة الإنسانية والوطنية، يمكنه أن يعبّر عن نفسه من دون حاجة إلى تأطير حزبي تقليدي.

أصالة ثورتي تونس ومصر، أنهما ثورتان شعبيتان بكل ما للكلمة من معنى. سيبقى لشباب تونس الفضل في تقديم النموذج الأول الذي ألهم شباب مصر أو شجّعهم على تجربة مماثلة. لكن مصر هي مصر، القاطرة الكبرى التي يهتز لحركتها العالم كله، وقد اهتز فعلاً بهذا الحجم الهائل من الاهتمام الدولي. ما يقلق له الغرب من ثورة شعب مصر، ليس الإصلاحات السياسية والاجتماعية، إلا بوصفها مدخلاً لخيار وطني آخر.

هو يدرك أن الشعب، إذا صارت كلمته مسموعة فاعلة، فسيختار نهجاً آخر ضد التبعية والهيمنة والتخاذل. في واقع الأمر لم تخرج مصر من المواجهة مع إسرائيل فقط، بل غرقت في سياسات الخضوع لإملاءات غربية، من السياسة إلى الاقتصاد، وفي الفساد والتشوّه الاقتصادي والنهب، حتى اجتمعت في سلطتها الحاكمة المستبدة معاني الانحطاط كلها. ما عبّرت عنه الملايين لم يكن مطالب فئوية اجتماعية أو سياسية، بل عبّرت عن رفضها نظاما يهين الكرامة الوطنية والإنسانية.

لقد حصل التغيير عندما قرّر الشعب أن يحاصر النظام وأن يُسقط شرعيته السياسية والوطنية والأخلاقية. هناك نموذجان تجلّيا في ميدان التحرير: الشعب المسالم المنضبط الحريص على مقدرات مصر، وعصابات النظام التي عاثت بالأمن، واعتدت بهمجية على الجمهور، وأظهرت وجه القمع الوحشي لدى الفريق الحاكم. طبعاً، يحاول النظام أن ينقذ نفسه بأقل التنازلات، غير أنه لا مفر من إجراءات باتت حتمية تتصل بحد من المشاركة الشعبية تقطع الطريق على تجديد الدكتاتورية الحامية للفساد وللسياسات التبعية. لم تنشأ تلك السياسات وتستمر إلا لأنها ألغت وجود الشعب وفعله من المعادلة بالاستبداد.

ما تغيّر اليوم، هو أن الشعب، بمعزل عن مستوى حركاته الحزبية وتياراته السياسية، فرض نفسه نقيضاً صريحاً لمسرحية الانتخابات المزوّرة، ولكل ادعاء عن تأطيره في حركات حزبية معينة.

هناك إنجاز مهم هو أن حركة الشارع حظيت بحجم هائل من الاقتناع الوطني، عجزت عن مقاومته وسائل السلطة وأدواتها وقواها. منذ اللحظة الأولى، كان النظام نفسه وأصدقاؤه في الخارج يعترفون بأن للناس حقوقاً مهدورة، وبأن النظام يستحيل أن يتابع سيطرته مع هذا المستوى من الظلم والاستهانة بمطالب الناس. لم تجرؤ مؤسسة من مؤسسات النظام، باستثناء البوليس، الأداة الوسخة، على أن تواجه الجمهور. لا مجلس الشعب ولا الشورى ولا الجيش ولا قيادة الحزب الحاكم، استطاع أحدها أن يواجه أو يدافع عن النظام بالحجة السياسية. وحدها القبضة الأمنية تحمي رموز السلطة وتعطيها فرصة المراوغة والمناورة باسم الحفاظ على الدستور والمؤسسات والاستقرار والأمن.

لا نعرف الآن حجم الإصلاحات وعمقها، ومضمون السياسات الداخلية والخارجية التي ستحصل. لكننا نعرف حقيقة أن دور مصر سيتبدل من حال الركود الداخلي لشعب مقموع، ومن حال الموقع السلبي في السياسات الإقليمية. لم يعد ممكناً لشعب مصر أن يقبل باستباحة حقوقه، ولم يعد ممكناً لمصر أن تكون في الجبهة المعادية لقضايا العرب. غير أن الأكثر راهنية هو التأثير المباشر لحركة التغيير في المناخ العربي كله. هذا الدرس المصري ألقى بثقله على كل النظام الرسمي العربي المتخلّف والمناقض لتطلعات الشعوب العربية وطموحاتها. هي ليست مسألة عدوى، بل مسألة ضرورة تعيشها الشعوب العربية في كل مجتمع ودولة. هناك إرث طويل من القطيعة بين النخب الحاكمة وشعوبها. هناك مهام وأولويات إنسانية لم يسبق لنظام عربي أن تعامل معها بالاهتمام اللازم. هناك ثقافة حرية وكرامة لا يحترمها أي نظام عربي. إذا كان لشعب مصر من فضل اليوم، فهو أنه قدّم نموذجاً عن حركة تغيير ليست مدموغة باحتمالات الانقسام الوطني الأهلي أو السياسي الحزبي، وليست محكومة بتداعيات العنف والفوضى. إنها حركة مدنية واعية عاقلة ديموقراطية وطنية شاملة. هذا النموذج لا يضيره وجود الأحزاب والتيارات السياسية المتعددة والمختلفة ما دامت تتفق على مبدأ الشراكة والتعاون والتنافس السلمي. من مصر التي شاهدنا بأم العين ثقافة شعبها ووعي شبابها وحرية أفكارهم لا نقلق من احتمالات ذهابها مجدداً في طريق فكر شمولي عقائدي مغلق.

لا شيء يغذي التعصب والتطرف مثل الاستبداد. ولا شيء يعالج ظواهر التخلّف مثل الحرية. هوية مصر العربية الحاضنة لجميع مكوّناتها، تجلّت بأبهى صورها في ميدان التحرير وهي ستحمل لنا ثقافة سياسية منفتحة تنقلنا من واقع الانقسامات الطائفية والجهوية والفئوية إلى مناخ جديد، هو الحاجة إلى بناء منظومة عربية قادرة على المشاركة في تحديات العصر. مصر جديدة تولد، وأفق عربي ينفتح، وتنتشر ثقافة التغيير.

كلمات دليلية
0% ...

آخرالاخبار

تصعيد إسرائيلي متسارع يخنق جنين ويشعل الضفة الغربية


بقائي: منع صحفيين إيرانيين من دخول الأمم المتحدة محاولة لإخفاء الحقيقة


عراقجي: حان الوقت لواشنطن أن تتحرر من أغلال اللوبي الصهيوني


هآرتس: في يوم الغفران.. على العالم ألا يطلب المغفرة من ضحايا "اسرائيل"


بقائي: الدولة التي كانت تتباهى ذات يوم بإسقاط "الستار الحديدي"، باتت اليوم عالقة خلف "ستار حديدي" داخل حدودها


غوتيريش: تتورط القوى العظمى في الصراعات، وفي بعض الحالات تتصرف بشكل يتعارض مع القانون الدولي


الأمين العام للأمم المتحدة أنطوني غوتيريش: نواجه فجوة جيوسياسية كبيرة تعيق عمل مجلس الأمن


يحيى سريع: 917 غارة وصاروخا إجمالي قصف العدوان السعودي على اليمن منذ بدء التصعيد


يحيى سريع: الغارات السعودية نُفّذت من طائراتها الحربية نوع "F-15"  و"تايفون أقلعت من قاعدتي خميس مشيط والطائف، والعدوان الصاروخي من نجران وجيزان


متحدث القوات المسلحة اليمنية يحيى سريع: في تصعيد كبير استهدف "العدو السعودي" محافظات الجوف وتعز وصعدة ومأرب بـ 157 غارة جوية وصاروخا  


الأكثر مشاهدة

نفاد الوقود يهدد مستشفيات غزة بالشلل ويهدد حياة المرضى


تقدم يمني متسارع يربك القوات المدعومة سعودياً في تعز ولحج


ترامب يصعّد ضد إيران و"إسرائيل"تترقّب ساعة المواجهة


اللواء رضائي: لا خيار أمام أمريكا سوى قبول شروط إيران


قوات الاحتلال تجري عمليات نسف في المناطق الشرقية لمدينة غزة


آليات الاحتلال تطلق النار شمال مدينة بيت لاهيا شمال غربي قطاع غزة


مصادر محلية: مستوطنون يقتحمون قرية "عورتا" جنوب نابلس، ويؤدون طقوساً تلمودية في مقام "العزير".


‏السفارة الأميركية في القدس المحتلة تحذّر مواطنيها في الكيان من احتمال إغلاق المجال الجوي، وفرض قيود، على خلفية تصاعد التوترات في المنطقة


مع اقتراب عيد "الغفران" اليهودي.. دعواتٌ فلسطينية للحشد والرباط في المسجد الأقصى المبارك، للتصدي لاقتحامات المستوطنين وإفشال مخططات الاحتلال


مصادر فلسطينية: قوات الاحتلال تقتحم بلدة قباطية جنوب جنين


الشيخ قاسم: الصمود في مواجهة الاحتلال ومنع تحقيق أهدافه هو انتصار