تطورات مصر اذ تثير القلق الامني الاسرائيلي...!
المؤسسة الامنية الاسرائيلية تقلق اكثر ما تقلق مما يجري في مصر، بل ربما لا يثير القلق الاستراتيجي الاسرائيلي اي تغيير في المنطقة الشرق اوسطية كما تثيرها احتمالات التغيير السياسي لدى جارتها الجنوبية.
والعيون الاسرائيلية الامريكية المتابعة والمترصدة للداخل المصري والحريصة على الحفاظ على الوضع الراهن هناك، بمعنى ترسيخ وتثبيت النظام السياسي المصري، تتصل كذلك بالرؤية الاستراتيجية الاسرائيلية التي تعتبر ان مصر ما تزال تشكل بالنسبة لهم"تهديدا وخيارا هجوميا"في اي لحظة تغيير على الخارطة السياسية المصرية.
الجنرال احتياط شلومو غازيت / رئيس شعبة الاستخبارات الاسبق كان عبر عن القلق البالغ من احتمالية التغيير في مصر حينما كتب مبكرا في معاريف 12/1/2010 تحت عنوان" خروج مصر"قائلا:"بالفعل، النظام المعتدل لمبارك مهدد ومن شأنه ان ينهار في كل الاحوال ولكننا في اسرائيل ملزمون بان نفهم الخطر الاكبر الذي يحدق بالنظام، بالدولة المصرية وبالهدوء والاستقرار الاقليميين، وحذار علينا أن نجلب هذا الخطر على رأسنا".
كما ان آفي ديختر- رئيس الشاباك ووزير الامن الداخلي الاسرائيلي سابقا- كان اطر الرؤية الاستراتيجية الاسرائيلية تجاه مصر في محاضرة القاها فى 4 سبتمبر الماضى 2008 فى معهد ابحاث الامن القومى الاسرائيلى قائلا:
- ان انسحاب مصر من اتفاقية السلام وعودتها الى خط المواجهة خط احمر.
- من مصلحة اسرائيل بالتأكيد الحفاظ على الوضع الراهن فى مصر".
مؤكدا:" ان عيوننا وعيون الولايات المتحدة ترصد وتراقب بل وتتدخل من أجل كبح مثل هذه السيناريوهات" .
واستباعا، وفي ضوء التطورات الدراماتيكة الجارية في مصر، فقد بات واضحا ان كل عيون العالم، بما في ذلك عيون "اسرائيل"، تتابع بقلق المشهد المصري بقلق لأن مصر هي الدولة الكبيرة والقوية والهامة جدا،
وذات تأثير هائل في العالم العربي، وما يجري في مصر، بالتوازي مع ما يجري في لبنان وفي تونس، يثير القلق لدى الآخرين المتربصين اكثر من اي وقت مضى، فهذه هي المرة الاولى التي ينزل فيها الملايين من المواطنين ومنهم الشبان والفتيان الى الشارع في موجات وان بدأت عفوية الا انها تحولت الى منسقة عبر الشبكات الاجتماعية والانترنت"، وتعلق المصادر الصهيونية على ذلك:" ينبغي الانتظار لرؤية اذا ما كانت المظاهرات ستخبو في الايام القريبة المقبلة أم ستشتعل من جديد".
الى ذلك، حينما تقول الخارجية الاسرائيلية انها تتابع الاحداث بيقظة ودقة شديدة، وتقول مصادر اسرائيلية اخرى:"نتابع بتحفز الأوضاع في مصر و"نثق" بمبارك"، مضيفة:"إنها تقدر بأن سلطات القاهرة قوية بما فيه الكفاية كي تجتاز الهزة بسلام، وإن مصر ليست لبنان وليست تونس/معاريف 2011/1/26"، فان ذلك لا يعبر فقط عن موقف اسرائيلي روتيني تجاه الاحداث، وانما يعكس عمق القلق والتوتر والاستنفار الاسرائيلي من تداعياتها.
وحينما يعلق وزير الصناعة والتجارة الاسرائيلي الجنرال احتياط بنيامين بن إلعيزر بأن الأحداث الجارية في مصر لا تشكل تهديدا حقيقيا للنظام المصري بقيادة الرئيس مبارك"، و"ان لا خوف على استقرار النظام المصري، لأن النظام المصري قوي ويحكم سيطرته بقوة على البلاد"، فان هذا الجنرال انما يعرب عن رغبته وامنيته/كما المؤسسة الصهيونية برمتها/ في ان تنتهي الاحداث بالقمع المطلق والسيطرة المطلقة على هذه الاحداث التي يخشى من جهتهم ان تتحول الى تسونامي يقتلع النظام ومعاهداته وتحالفاته في المنطقة.
وفي هذا البعد الاستراتيجي الامني ورؤية المؤسسة الامنية الاسرائيلية لمصر باعتبارها تشكل تهديدا استراتيجيا محتملا بشكل عام، واكيدا اذا ما تغير النظام السياسي المصري، نستحضر ما كنا كتبناه قبل سنوات، من ان "اسرائيل" كانت تركز أنظارها على سيناء المصرية بينما كانت مصر تجري مناورة عسكرية مصرية ضخمة استغرقت خمسة أيام تدربت خلالها قوات برية وجوية من الجيش المصري على اجتياز قناة السويس مثلما في حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 ، واعتبرت وسائل الإعلام العبرية حينئذ ان هذا الموضوع يمؤشر الى أن مصر ما تزال تبقي على الخيار الهجومي وربما التهيؤ لاحتمال إلغاء معاهدة السلام في ظل تطورات إقليمية معينة، واعرب خبراء عن تقديرهم بأن الجيش المصري اجري مناوراته العسكرية وفق عدة سيناريوهات، أحدها إنهاء "السلام" مع "إسرائيل"، واجتياح متجدد من الجيش "الإسرائيلي" لسيناء في ظل الهجوم على أهداف في مصر.
لذلك نقول: لم تكن تلك التحذيرات التي اطلقها جنرالات الجيش الاسرائيلي آنذاك واعتبروا فيها " أن المناورات العسكرية التي أجراها الجيش المصري عند قناة السويس تشير إلى" أن مصر تحتفظ بخيار الحرب ضد إسرائيل"، الا تعبيرا عن الرؤية الاسرائيلية الجذرية لمكانة مصر ودورها المركزي السابق والمحتمل في الاطار العربي والشرق اوسطي، ولم تكن كذلك الا مؤشرا للاجندة الصهيونية الخفية تجاه مصر، فقد كان واردا في حساباتهم احتمال حدوث تغيرات دراماتيكية مثل استبدال النظام في مصر واستبداله بتظام اسلامي او قومي عروبي آخر.
وكأننا هنا امام سيناريوهات حربية بين دولتين متحاربتين وليس بين دولتين بينهما معاهدة سلام، كما ان جنرالات الجيش الصهيوني يحملوننا هنا عبر تلك التقديرات العسكرية الاستراتيجية الى ذلك العهد العدائي بين الدولتين..!