الثورة والمستنقع ومثلث الرعب
فى مصر الآن ثورة تتجنب السقوط فى المستنقع وتحاول تكسير أضلاع مثلث الرعب.
أولا: الثورة هى ثورة شعبية فجرها الشباب فى 25 يناير 2011، هم جميعا وقودها وقياداتها، أفرزت مطالب ولم تفرز زعامة فردية تدير دفة السفينة. شباب يرابضون فى ميدان التحرير يرفضون التفاوض مع بقايا عصابة متحكمة، ويصرون على إزالته، يؤكدون عبر المنشورات والإعلام أنهم لم يوكلوا أحدا نيابة عنهم من النخب السياسة للتفاوض باسمهم، ويسخرون من كيفية تفاوض الضحية مع جلاده، وإن حدث فما يحصل عليه الضحية سوى تقليل جرعات التعذيب. يحددون هدفهم فى "إسقاط النظام" وعلى رأسه حسنى مبارك، واحلاله بنظام ديمقراطى، ويعرفون طريقهم للأمام ويقطعونه خلفهم كى لا تكون فرصة للتراجع، نفوسهم مفعم بأمل لا يعرف اليأس ولا المسكنات ولا المؤثرات العاطفية ووعود كاذبة من رئيس كاذب.
ثانيا: المستنقع ويمثل جماعات السطو ومحاولة أصحاب الياقات البيضاء امتطاء ثورة الشباب، وادعائهم كذبا بأنهم جماعات الحكمة والتفاوض باسم الثوار. وغنى عن البيان أن كل جماعة هى عبارة عن شلة اصدقاء تجتمع فى غرف مكيفة وتتفق على صيغة تخدم بها مصالحها فى صفقة مع بقايا العصابة المتحكمة. وهذه الجماعات المسماه باللجان هى لجان مجاملة تبدأ بالخمسة ثم العشرة وتمر بالخمسة عشرة وصولا للمائة لإرضاء كل الأحبة، لجان ذات وجهين الظاهر منها انحيازها لمطالب المتظاهرين والتمسك برحيل النظام قبل التفاوض، والباطن منها يعلن فى الغرف المغلقة بأن "النظام مازال قوى وكفايه كده ولازم نتفاوض"، ويطالب بالتفاوض والموافقة على استمرار مبارك واجراء تغييرات دستورية فى وجوده، يعنى الاستجابة لبقايا العصابة المتحكمة. آن الآوان لأن يكون المناضل واضحا ويتسق مع نفسه ومطالب شعبه. وإن حدث –لاقدرالله- من انكسار لهذه الثورة فكل مدعى نضال عليه أن يتحمل وزره وكل حكيم عليه أن يعترف بجريمته ولا أقول خيانته للشباب وانحيازه لمن خربوا الدولة. سؤال موجع: لماذا تتسابق النخب السياسية على إثبات دور مشرف هى بعيدة عنه، وتصر على وصاية على الشباب هى بحاجة لوصى عليها؟ ولماذا إصرارها على سرقة نضال غيرها وإجهاضه لصالح الفاسدين؟ كفى لعبا على الحبال ورقصا على أنغام بقايا العصابة الفاسدة المتحكمة. لا بأس على جيل أخذ فرصته وحاول ما استطاع، منه من ظل قابضا على جمر النضال ومنه من سقط فى مستنقع الفساد، جيل يكفيه شرف المحاولة ولايضيره عدم انجازه شيئا، اكتسى بعار مبارك، وعندما يمحو الشباب هذا العار، يحاول البعض سرقة ثورتهم وامتطائها، وليتهم يحافظون عليها بل يجهضونها. هل يثق أحد فى واحد من لجنة الحكماء يدعى على شاشات الفضائيات أنه مطمئن لديمقراطية هذا النظام؟ وكيف يطمئن بغير دستور مكتوب؟ قال هذا من قبل، واليوم يكرره بلاخجل.. إنها المصالح الشخصية.
ثالثا: مثلث الرعب، ضلعه الأول هوالقوة المهيمنة المتغطرسة ويمثلها اللواء عمر سليمان نائب رئيس الجمهورية، وتبدو واضحة فى لهجته المتجهمة فى التعامل، وفى تصريحه الجارح المستفز للشعب:"لن نقدم أكثر مما تعهد به الرئيس" يصر على موقف الرئيس، ويتصرف كما لو كان وكيلا عن صاحب عزبة وليس نائبا لرئيس جمهورية، يحافظ فيها على مصالح المالك، ويعرب فيه عن رد الجميل والوفاء لمن عينه فى هذا المنصب. تصرفاته بهذه الطريقة تقود البلاد إلى خراب أكثر مماحدث وإلى إراقة دماء أكثر مما أريقت، وعلي المفاوض أن يعرف الفرق بين إدارة الأزمة وإدارة العزبة. ونرى محاولة لإدارة الازمة بطريقة التفاوض بين السلطة الفلسطينينة والصهاينة لإملاء إرادة الطرف الأقوى على الأضعف وضياع الوقت، وإن كانت العصابة المتحكمة تشابه الكيان الصهيونى فالثوار ليسوا السلطة الفلسطينية لأنهم يبغون حرية الوطن وليس تحقيق مصالح شخصية. قد يخسر الثوار -لاقدر الله- جولة فى مبارة لكنهم سيكسبون المباراة فى النهاية وإن طال الزمن. الضلع الثانى فى المثلث هو الخديعة، ويمثله رئيس الوزراء صديق مبارك "الفريق أحمد شفيق" تارة بمعسول القول فى التعامل مع من يستدعيهم للتفاوض وزيادة الرواتب ونطلق عليه الترغيب الكاذب، وتارة أخرى بإطلاق طائرات إف 16 المقاتلة فوق رؤوس المتظاهرين لتخويفهم وهو نوع من الترهيب الكاذب. الضلع الثالث فى المثلث هو التضليل الإعلامى ويمثله وزير الإعلام "أنس الفقى"، كل دوره خدمة سيده وولى نعمته والتعتيم على بنى وطنه الذين يمنحونه راتبه الخرافى.
مثلث الرعب له تأثير سيء على الداخل والخارج، فى الداخل يحاصر الثورة، ويريد أن يبتلعها، وإن حدث -لاقدر الله- ستكون عسيرة الهضم، وتصيبه بمغص حاد يفجر بطنه ويخرج كل مافى جوفه، وتخرج ماردا يصعب السيطرة عليه بالقمع أو بالابتلاع. ويضرب مصالح الغرب فى مصر بعدم استقرار الدولة. وعلى المثلث أن يختار بين مصلحة من عينه ومصلحة الوطن، ومصلحة الوطن تتطلب المصداقية فى التعامل ورحيل مبارك أولا ثم تسليم الدولة لمجلس رئاسى مؤقت فى مرحلة انتقالية يتكون من اثنين مدنيين وعسكرى يخدم بالقوات المسلحة.
المشهد الحالى تبدو فيه الثورة الشعبية مهددة بمثلث الرعب وبمحاولة امتطائها من نخب سياسية فاشلة، وعلى النخب السياسية أن تبتعد وترفض الحوار والتفاوض مع بقايا العصابة المتحكمة، وتربأ بنفسها عن أن تكون سببا فى توجيه ضربة فى مقتل الثوار، وعلى كل سياسى أن يتحمل مسئولية فعله. والأمل معقود على استيقاظ الضمير الوطنى، والنصر حليف الثوار دعاة الحرية والعدالة الاجتماعية مهما تكالب عليهم الآفاقون وأصحاب المصالح الشخصية.
7فبراير 2011