الإرادة الشعبية المصرية تنتصر والطغيان والتآمر يندحر
فاجأ الشعب المصري العالم بانتفاضته العظيمة من حيث قوة الإرادة والإصرار على التغيير، وسقف المطالب المشروعة، والزخم الشعبي الكبير، تماماً كما فاجأت العالم الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وثورة الياسمين التونسية، والثورة الرومانية التي أطاحت بالدكتاتور نيكولاي شاوشسكو، وغيرها من الثورات العفوية التي كان الغضب الشعبي فيها هو محركها الرئيس.
عبرت تلك الثورات الشعبية عن مدى صلابة الإرادة الشعبية وعن إصرار الشعب على التحرر والتغيير. وقد أكدت هذه الثورات أن الشعب دائماً يتقدم قادة الأحزاب والقوى السياسية في المبادرة وفي الميدان، وأنه يضعهم في بؤرة الحراك السياسي ويفتح لهم آفاقاً واسعة لتحقيق مطالب الشعب وإنجاز التغيير المنشود. وهذا يستوجب على قادة الأحزاب والقوى السياسية مواكبة حركة الشعب، وتوظيفها في تحقيق طموحاته، وسد الفراغ الناجم عن خلخلة النظام وأجهزة أمنه. وبغير هذه المواكبة الواعية الحكيمة لحركة الجماهير، فإن القوى المعادية والقوى الاستعمارية لن تدخر جهداً لاستغلال حالة الفراغ في حماية نفوذها، وذلك عبر ترميم الأنظمة الموالية لها، أو إعادة صياغتها، لضمان تبعيتها وولائها الشامل، ولمنع القوى الحرة والشريفة عن الإمساك بزمام السلطة.
أبدى كثير من المراقبين لتطورات الانتفاضة المصرية تخوفاً كبيراً من نجاح الولايات المتحدة في استغلال الفراغ الذي تعيشه مصر اليوم وحشد قوتها وقوة حلفائها السياسية وعملائها في المنطقة لترميم نفوذها الذي يتعرض لعملية استئصال، أو خلط الأوراق وإذكاء الصراعات الداخلية المصرية، أو إشعال الفوضى الهدامة في مصر الثائرة، أو دفع الجيش لاستخدام العنف ضد الشعب الثائر. كما ذهب بعض السلبيين إلى أن ما يدور في مصر وتونس ما هو إلا مؤامرة أمريكية لإزالة حالة الاحتقان الشعبي وتنفيس الانفعالات الشعبية واستباق رغبة الشعب في التغيير من أجل إحداث تغيير يخدم مصالح الاستعمار الغربي. وقد بدد الشعب المصري كل هذه المخاوف والتوجسات، وأثبت أنه على درجة عالية من الوعي والحكمة، وأنا ماض في مسيرته العظيمة حتى إزاحة كابوس النظام الحاكم والتخلص من التبعية الأمريكية.
لقد أسقط الجيش المصري رهان الكيان الصهيوني والإدارة الأمريكية على قمع الانتفاضة بالعنف والقوة. وأسقط الشعب المصري الرهان الأمريكي على ثني الشعب المصري عن مواصلة ثورته أو حرفها عن مسارها الصحيح أو توسيد السلطة لعملاء الولايات المتحدة. فقد أعلن الجيش المصري موقفه المؤيد لمطالب الشعب بوضوح تام، كما أظهر الشعب المصري وقادته الأحرار والشرفاء إرادة صلبة لا تلين، وأظهر أنه على أهبة عالية من الاستعداد لمواجهة كل طارئ ولمواجهة التحديات والمؤامرات.
نحن نعول على وعي الشعب المصري العظيم وحكمته في قطع الخيوط الخفية التي تحيكها الولايات المتحدة وحلفاؤها في الخفاء وتحاول استخدامها لتحريك الأزمة الناجمة عن حالة الفراغ، وتحاول استخدام خيوطها الواهنة في التحكم في الأحداث التي تجري في مصر من وراء الكواليس. فالشعب المصري يزداد إصراراً كل يوم على تحقيق مطالبه كاملة، وعلى رفض خفض سقف هذه المطالب رغم مساومة نظام مبارك وتقديمه تنازلات شكلية ترقيعية، وعلى تصعيد فعالياته الميدانية وسيطرته على الشارع في كل المدن والأحياء، وعلى قطع الطريق أمام نظام مبارك وأسياده على نشر الفوضى والانفلات في الشارع المصري. تؤكد همة الجماهير المصرية الكبيرة وتصاعد فعاليتها ضد النظام المحتضر أن الشعب المصري لن يحبط، ولن يكل أو يمل حتى تحقيق أهداف انتفاضته كاملة، وأنه لا تثنيه قوة ولا مؤامرة عن مواصلة مسيرته نحو التحرر والتغيير والإصلاح. وقد انعكس كل ذلك على مواقف البيت الأبيض الأمريكي، التي تؤكد على يأس الولايات المتحدة من إنقاذ نظام مبارك بالعنف والتآمر والالتفاف على مطالب الشعب، وعلى أن التهديد بتعليق المساعدات الأمريكية المسيسة لمصر.
وربما لا يعرف كثير من الناس أن الفساد يلتهم سنوياً نحو 70 مليار جنيه مصري، ولهذا فالشعب المصري ليس بحاجة إلى الأموال المسيسة التي تقدمها الولايات المتحدة للحكومة المصرية، والتي تصل إلى 1.5 مليار دولار أمريكي في السنة، وهذه الأموال على الحقيقة هي مجرد مساعدات وهمية، ولكن مجال الحديث عن طبيعة هذه المساعدات يحتاج إلى مقال خاص به.