عاجل:

2/2/2011بقلم علي بدوانbdwan60@scs-net.org

السبت ٠٥ فبراير ٢٠١١
١٢:٢٩ بتوقيت غرينتش
ثورة الإعلام الجديد وانتفاضة تونسإن من سمات الانتفاضة التونسية الأخيرة، أنها جاءت عفوية دون تحريض شعاراتي، ومن الشارع مباشرة دون تدخل من القوى الحزبية والسياسية، ودون تأثير من النخب السياسية والفكرية، ودون إذن مسبق من أي طرف داخلي، وحتى دون أي تأثير خارجي. بل تفاجأ بها الخارج في الولايات المتحدة وفرنسا اللتين كانتا تراقبان الوضع هناك عن كثب وتمعن شديدين.

ثورة الإعلام الجديد وانتفاضة تونس

 

إن من سمات الانتفاضة التونسية الأخيرة، أنها جاءت عفوية دون تحريض شعاراتي، ومن الشارع مباشرة دون تدخل من القوى الحزبية والسياسية، ودون تأثير من النخب السياسية والفكرية، ودون إذن مسبق من أي طرف داخلي، وحتى دون أي تأثير خارجي. بل تفاجأ بها الخارج في الولايات المتحدة وفرنسا اللتين كانتا تراقبان الوضع هناك عن كثب وتمعن شديدين.

كما جاءت الانتفاضة التونسية نتاج عمليات احتقان متواصلة، كانت تراكماتها قد اختزنت رويداً رويداً في صفوف عامة الناس في تونس، طوال سنوات القمع وسيادة القبضة الحديدية التي حكمت تونس، خصوصاً في العقدين الأخيرين، في زمن الرئيس المخلوع والفار والمطلوب للانتربول الدولي (زين العابدين بن علي).

ولكن، هل كانت تلك النار التي أوقدها الشهيد الشاب محمد بوعزيزي في جسده الغض، وشرارتها المنبعثة منه، كافية لإطلاق تلك الثورة الهائلة التي هزت تونس من أقصاها الى أقصاها، وأطاحت بنظام الديكتاتور (بن علي) دون أسانيد وروافع مؤثرة...؟

الجواب، بالتأكيد لا، فثورة وانتفاضة الجياع والغلابة في تونس ومدنها كافة وأريافها وتخومها، وثورة مثقفيها ومؤسسات المجتمع المدني فيها، كانت بحاجة ماسة لعوامل وأسانيد وروافع نوعية حتى تمكنها من شق طريقها، وتجاوز مرحلة القتل والسحق التي طالما مرت بها انتفاضات وهبات وتحركات العديد من شعوب العالم، على يد الطغم المتسلطة في تلك البلدان، والتي كان باستطاعتها أن تعمل وأن تفعل ما تشاء في ظل سيطرتها الكاملة والتامة على وسائل الاعلام، ومساربه، وعلى تقنياته، وفي ظل إمساكها على المسارب التي يتدفق منها الخبر المنقول وضبطه عند الحدود الضيقة.

ففي العديد من بلدان العالم، كم من الانتفاضات والهبات الشعبية وحتى داخل الحزب الواحد، أجهضت وقتلت، وسحقت بالدبابات في الشوارع، ولم تصل أخبارها الى المناطق البعيدة في البلد نفسه، أو الى العالم الخارجي بشكل عام إلا بعد أيام، وبعد أن تكون الأمور قد سويت تماماً وأنهيت وتم وأدها بقوة الحديد والنار. هذا ما حدث في الاتحاد السوفياتي السابق عندما سحق جوزيف ستالين عشرات الآلاف من خلال عمليات النفي والإعدام في سيبيريا، ولم يعلم بهم أحد إلا بعد سنوات طويلة من تلك الفعلة الأثمة التي اصطبغ بها عهد ستالين أثناء بسطه لقبضته الحديدية التي حكمت الاتحاد السوفياتي. كذلك في تشيلي على يد أوغيستو بينوشيه، وفي الأرجنتين، وموبوتو الكونغو، وسوهارتو اندونيسيا، وليبيريا، وإيران (محمد مصدق)، وسودان جعفر النميري .... وعشرات البلدان في العالم. وهو ما حصل ايضاً في المجر عام 1956 عندما أجهضت حركة التصحيح داخل هيئات ومنظمات الحزب الشيوعي هناك التي حاولت التمرد على المركز السوفياتي والتي قادها (ايمرجي ناجي)، وهو ما تكرر في ربيع براغ عام 1968عندما تم إجهاض حركة التصحيح التي دعت إليها بعض قطاعات الناس وبعض قيادات الحزب في براغ، فكان أن دخلت سريعاً دبابات حلف فرصوفيا وقد أطبقت على البلد بشكل كامل، فيما قامت طائرة هيلوكبتر سوفياتية باقتياد قيادة المطالبين بالتصحيح وعلى رأسهم الأمين العام للحزب (الكسندر دوتشيك) واحتجازهم في موسكو، فيما كان العالم بأسره بعيداً عن الخبر والحدث لعدة أيام.

ثورة الإعلام والتغلب على مشكلة الفوات الزمني

وعليه، فإن ثورة الاعلام الجديد، وثورة الانترنت، بتقنياته المتطورة وبالسماء المفتوحة أمامه، كسرت الحواجز، وتغلبت على (عامل التأخر والفوات) الزمني في نقل الخبر والحدث، من خلال سرعة الوصول والانتقال المذهل للخبر المتكامل، وكسرت قيود واحتكار تدفق المعلومة الموثقة بالكلمة والصوت والصورة، فكانت السلاح الأساسي، والرافعة الكبرى التي ساعدت على انتصار ثورة وانتفاضة الشعب التونسي التي تسجل له بكل فخر واعتزاز.

فعالم الإعلام اليوم لم يعد كتاباً ولا مكتبة ولا صحيفة ولا مجلة فقط (مع أهمية تلك الوسائط ودورها المتجدد والمستمر وضرورة بقائها وإدامتها وتطويرها) وإنما شاشة ضوئية رقمية أو تماثلية بأحجام ومسطحات منها الكبيرة ومنها الصغيرة جداً (الزهيدة الثمن والسهلة النقل والتحريك كالهاتف الجوال وتقنيته بالتصوير وإرسال الصورة والكلمة وحتى الصوت)، وهي تخضع بدورها للتطور اليومي المفتوح الآفاق.

لقد كسرت ثورة الاعلام الجديد، كل القيود تقريباً، وساعدت على تفجر انتفاضة شعب تونس، منذ اللحظة التي سرب بها موقع (ويكيليكس) الالكتروني الرسالة الشهيرة من السفير الأميركي في تونس الى إدارته ووزارة خارجيته، وفيها وصف الدبلوماسي الأميركي بالتفصيل وبلغة تصويرية ما قال عنه بأنه نوع من (المافيا) التي أقامتها عائلة الرئيس المطاح به، ولا سيما أقرباء زوجته ليلى طرابلسي، فكان في مضمون ومحتوى تلك (الرسالة/الوثيقة) المتسربة ما يكفي لشحذ وتحشيد طاقات الشعب التونسي وفقرائه والغلابة والجياع وسائر المثقفين هناك. حيث تشير بعض المصادر الى أن تلك الوثيقة تمت قراءتها من قبل أكثر (170) ألف متصفح تونسي داخل تونس يوم تسريبها.

لقد ترافقت التحركات اليومية للانتفاضة التونسية التي تمددت من مدينة الى مدينة ومن بلدة الى بلدة، بالاستثمار العالي وبكفاءة متقنة، لأسلحة الاعلام المتطور، فقد كانت تقنيات الـ (الهاتف النقال) والـ (فيسبوك) والـ (تويتر) والـ (الماسنجر) والـ (يوتوب) و(الشبكات الاجتماعية) حاضرة بقوة في سياق التحركات الشعبية، في التواصل بين الناس، وكسر قيود الرقابة، وفي نقل الصورة من مكان الى مكان داخل تونس، وفي نقل شرارات الغضب الشعبي التي باتت محمولة على التقنيات المتطورة مباشرة من جسد محمد بوعزيزي الى كل مواطن تونسي. فحتى لحظة سقوط نظام (زين العابدين بن علي) في الرابع عشر من يناير، كانت معظم القنوات الفضائية تستقي معلوماتها وصورها من (موقع فيسبوك) الذي ايقظ الضمائر وسهل انتقال المعلومات.

لقد تميزت الانتفاضة التونسية بحضور عنصر الشباب بشكل ملفت للانتباه، في مجتمع غالبية شبانه تتقن التعامل مع ثورة الاعلام الجديد، وتملك مهارات تشغيل وسائطه المتطورة، والتعامل مع الحاسوب وتقنياته، وهو ما استولد ديناميكية وتواصل سريع بين الجميع من الشباب المنتفضين ومن عموم القوى والأحزاب التي سارت مع الانتفاضة بعيد انطلاقتها، كما استولد استجابة عالية من عموم الناس في الشارع التونسي.

وعليه، فقد لعب (شباب الفيسبوك) دوراً استراتيجياً في الانتفاضة التونسية، الذين كانوا جاهزين في كل لحظة لنقل الخبر ولتأجيج الحركة، ولإطلاع ووسائل الإعلام على تطورات الموقف.

الاعلام الجديد كأسراب القاذفات الإستراتيجية

وفي هذا المجال، شكّل وجود وحضور الفضائيات العربية والعالمية، وفي المقدمة منها قناة الجزيرة الفضائية، عامل دفع قويا لاستمرار وانتصار انتفاضة الشعب التونسي. فقد لعبت تقنيات الاعلام المتطورة واخبارها المتعلقة بانتفاضة الشعب التونسي دور (أسراب القاذفات الإستراتيجية) في الحروب الكونية الكبرى، من خلال متابعتها للخبر والحدث، ونقله مباشرة، وبالتالي في توفير عامل (التحفيز) على تنوير الناس في البلد ذاته، وإشعال فتائل الانتفاضة من مكان لآخر على امتداد الأرض التونسية، وفي توليد حملات التضامن الشعبية على مستوى العالم بأسره مع الشعب التونسي وانتفاضته.

وفي الخلاصات والاستنتاجات، نقول، ان العملية الإعلامية لم تعد بسيطة، ولم تبق كما كانت في أزمان سابقة، فقد دخلت بقوة عصر الثورة التكنولوجية، وطرأ عليها قفزة كبرى في تطور وسائلها وتقنياتها الاتصالية، حتى أمست العملية الإعلامية في مسار نوعي لم تكن البشرية تتوقع الوصول إليه بالسرعة التي تمت، في ثورة مستجدة قال عنها احدهم بأنها حضارة الموجة الثالثة، حضارة ثورة الاتصالات والمعلومات والتغيير المتسارع. ومن هنا تأتي أهمية الثورة الإعلامية في قوة حضورها وتأثيرها في مسار حركة الشعوب ونهوضها الوطني، وفي مسار التغلب على سطوة الطغم والنظم الديكتاتورية التي أحاطت بلادها وشعوبها بسياجات العزل والخنق.

 

 

كلمات دليلية
0% ...

آخرالاخبار

مصادر سورية: قوات الاحتلال الاسرائيلي تطلق قنابل مضيئة في سماء قرية عابدين بريف درعا الغربي


رويترز: تعليق الرحلات الجوية في مطار الرياض


مصادر لبنانية: جيش الاحتلال ينفذ تفجيرين في بلدة المنصوري، جنوب لبنان


مصادر يمنية: الطيران السعودي يشن 3 غارات على مديرية المخا في محافظة تعز


عراقجي يصل إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الأمم المتحدة


مصادر اعلامية: غارات العدو الإسرائيلي بالطيران الحربي والمسيّر لم تتوقف منذ قرابة الساعتين في المناطق الشرقية بمدينة غزة


صحيفة لا ريبوبليكا: اليمنيون أبلغوا روما خلال الساعات الأخيرة: "لسنا في حرب مع إيطاليا ولا نعتزم إقحام بلدكم فيها" لكننا نتساءل: ما الذي تفعله الطائرات الإيطالية في السعودية؟


صحيفة لا ريبوبليكا الإيطالية عن مصادر حكومية رفيعة: إيطاليا نقلت خلال الساعات الماضية بعض طائراتها العسكرية من قاعدة الطائف السعودية بسرية تامة وبسرعة بسبب المخاوف الأمنية


مصادر فلسطينية: قوات الاحتلال تداهم منزلاً خلال اقتحام قرية مركة جنوب غرب جنين


فلسطين المحتلة: آليات الاحتلال تطلق النار شرقي مخيم البريج وسط قطاع غزة