بتر الرأس أهون
لم يسعَ الشعب التونسي إلى الحوار الوطني او إلى الإصلاحات السياسية والإقتصادية ليتخلص من أزماته ، وهي قليلة لو قورنت بأزمات الشعب اليمني ، بل إقتلع الرأس أولاً حتى يتسنى له بعد ذلك إجراء ما شاء من الإصلاحات.
إقتلاع الرأس كان أسهل وأقوم من ما لو دخل في مغبة المهاترات السفسطائية التي لن تجديه نفعاً ولن تؤدي به إلى نهاية محددة أو معروفة كما هو الحال في اليمن الذي تقوم فيه المعارضة بدور السُلمّ أو المِصعد الذي يستخدمه الحاكم لإستفحال نفوذه وبسط هيمنته وتجميل صورته وتمديد عرشه في كل محطة سقوط يفترض بها قلعه وإبعاده.
مسلسلات الحوار الوطني أو الأزمات الإقتصادية والسياسية والإجتماعية وحتى الأمنية وغيرها ليس لها في واقع الأمر نقطة بداية أو نقطة نهاية في كل دول العالم بما فيها الدول المتقدمة ، لأن هذه القضايا مستمرة بإستمرار وجود الإنسان نفسه وإستمرار الضرورات الملحة لتطور وتقدم هذا الإنسان ، لذلك فهي غير مرتبطة أصلاً بوجود زيد أو عمرو من الناس على سدة الحكم ، خاصة إذا كان هذا الفرد هو الكابح الأساسي والسد المنيع أمام إزدهار وتنمية شعبه.
لم يُعد لدى أي يمني أدنى شك بأن الحاكم صالح هو المحور الرئيسي والسبب الأساسي في كل أزمات اليمن وكوارثه ، ومع ذلك ماتزال المعارضة تستجدي الحوار معه ، بل وتثبط الشارع الشعبي والقوى الحية ، التي تطالب وتتوق للتغيير ، وتحول دون أخذه زمام المبادرة للخروج إلى الشارع كما فعل أشقاؤنا في تونس.
وزد على ذلك بأن هذه المعارضة تروج أكثر من ما يروج الحاكم نفسه وإستخباراته المنتشرة حتى في صفوف الكتاب والصحافيين والنخبة المثقفة بأن التخلص من هذا الحاكم سيقود البلاد إلى الصوملة والعرقنة. وكأنه هو الذي يمنع البلاد الآن من إنزلاقها إلى مثل ذلك فيما لو كان هذا هو مصير اليمن بالفعل.
يتذرعون بأن أبناء الشعب اليمني مدجج بالسلاح!!! نعم هذا صحيح ولكن هل يعني هذا بأن السلطة الحالية هي من تردعه من أن يقاتل نفسه أم أن السلطة هي من تحرض على القتل حتى بين الأسرة الواحدة ناهيك عن بث الفتن بين القبائل والطوائف اليمنية وحتى بين الكيانات السياسية نفسها.
أقول للذين يتكلمون عن الصوملة والعرقنة : مالفرق بين اليمن والصومال الآن؟ ألا يُقدم أبناؤنا على الإنتحار بسبب كثرة معاناتهم؟ ألا توجد من الأسر من تبيع فلذات أكبادها مقابل وعود كاذبة أو في أحسن الأحوال مقابل الفتات الذي لا يسد الرمق؟ ألا يوجد الكثير من اليمنيين الذين يبيعون من أعضائهم لمساعدة أنفسهم على بعض الكفاف من العيش؟ ألا يهرب الكثير من أبنائنا ليتلقاهم الموت إما جوعاً وعطشاً أو حرقاً على الحدود؟؟؟؟؟؟ ألا توجد كثير من الأسر تمتهن الدعارة بعد أن سُدت في وجوهها كل سبل العيش الكريم؟؟؟؟؟؟؟؟
ثم ماذا بعد ...... ألا توجد حروب تقتل وتشرد بمئات الآلاف تندلع دون أسباب منطقية في كل أرجاء اليمن ضد أبناء هذا الشعب وبأيدي أمن السلطة نفسها وجيش الشعب نفسه الذي يفترض أن يدافع عنه أو على الأقل أن يقف في الحياد كما وقف الجيش التونسي من شعب تونس مما أضطر الرئيس المخلوع للهرب؟؟؟؟؟؟
إذاً ، أليس ما يحدث في اليمن الآن أسوأ من ما يحدث في الصومال وفي العراق مجتمعين ، الصومال الذي ينعم في أجزاء كثيرة منه بالحرية والعيش بكرامة وفي الأجزاء الأخرى بالحرية ولكن مع شظف العيش لأسباب الدفاع عن إرادته. أما في العراق فأسباب مايعاني منه معروفة للجميع ولا يمكن أن نقارنها بحالة اليمن الذي يصنع حاكمه مأساته كل يوم ومن خلال قبول الشعب المستسلم لأن يتجرع الذل وكؤؤس الحنظل فاقداً لذة الحياة بكرامةٍ وعزة.