حين تعم المظاهرات كل المحافظات المصرية، وتستمر الاحتجاجات والمطالبات لعدة أيام فإن أحداً لا يمكن أن يصف الأمر بمجرد هبة شبابية غير مسيسة، أو أن المسألة مجرد حالة غضب يتم تنفيسها بهذه الطريقة، كما أن الشعارات والمطالب التي يرفعها الجميع لا تقتصر على المطالب الاقتصادية، بل تطول النظام الحاكم برمته، وقد استمعنا للمتظاهرين يطلبون رحيل النظام.
وفي سياق البحث عن سمات محددة لهذه الثورة، إن جاز لنا تسميتها بذلك، سنجد أنها للمرة الأولى تشمل معظم الأحياء في العاصمة المصرية، الفقيرة منها والغنية، كما يشارك فيها فئات اجتماعية مختلفة كالفنانين والصحفيين والمحامين، ناهيك عن الطلاب والعمال والموظفين والعاطلين عن العمل بكل مستوياتهم التعليمية، كما تشارك فيها المرأة على نطاق واسع.
الاتساع الكبير والسريع لرقعة المظاهرات، مترافقاً مع التطور المثير للشعارات التي بدأت بمطالب اقتصادية وديمقراطية لتصل بسرعة لشعار إسقاط النظام، يمثل تطوراً نوعياً في الحياة السياسية المصرية رغم أن شعار إسقاط النظام رفعته سابقاً قوى وأحزاب سياسية كثيرة بمصر، غير أن هناك فرقاً بين شعار يرفعه حزب سياسي صغير أو حركة صغيرة ولا تعمل من أجل تحقيقه وبين شعار ترفعه جماهير غفيرة على مستوى مصر كلها، تتمترس في الشارع ومستعدة للموت من أجل تحقيقه.
السمة الجديدة والنوعية كذلك أن أحزاب وحركات المعارضة على اختلاف توجهاتها تشارك في هذه الانتفاضة، وتجتهد في اللحاق بحركة الشباب التي انتظمت عبر وسائل الاتصال الحديثة. الجديد هنا أن هذه الأحزاب لم تُجمِع سابقاً على تكتيك واحد أو حتى شعار واحد، بينما نراها اليوم تتفق على تبني كل مطالب الثورة دون تعديل؛ وفي سياق هذه الظاهرة برزت ظاهرة أخرى أكثر دلالة وتحمل مضامين عديدة باتجاه تفهم مطالب الناس إن لم نقل تبنيها، هذه الظاهرة ترتبط بحديث مسؤولين في الحزب الحاكم عن ضرورة الموافقة على مطالب المتظاهرين وتلبية احتياجاتهم، حيث استمعنا لصفوت الشريف أمين عام الحزب يقول: "مطالب هؤلاء الشباب نضعها فوق رؤوسنا"؛ أما التصريح الأهم لأحد قيادات الحزب فقد أتى على لسان مصطفى الفقي الذي طالب الرئيس حسني مبارك بالتدخل العاجل لمخاطبة الشعب والقبول بتغييرات نوعية غير مسبوقة في النظام وليس مجرد إصلاحات سياسية أو تلبية مطالب اقتصادية.
النظام المصري يتعامل حتى اللحظة مع هذه الحالة بمنطق الاستخفاف والمعالجة الأمنية دون أن يرى فيها خطراً عليه، ولا نعرف مصدر وخلفية إحساس النظام بالطمأنينة كي لا يخرج الرئيس أو من يمثل الحكومة ليقدم للناس معالجات شافية لمطالب الثائرين الغاضبين. كما أن انخفاض مستوى العنف في هذه التظاهرات لا يمكن أن يشي بالقادم منها حيث المقدمات والخلفية التي نعرفها عن هذه الحالة تقول بأن المسألة مخيفة ولا تدعو للارتياح أو الطمأنينة.
منذ مدة طويلة تعاني جماهير الشعب المصري من عدة أزمات ومشاكل ترتبط بكل مناحي حياتها، ففي الجانب المعيشي الذي عادة ما يكون الشرارة التي تشعل الغضب نجد كماً هائلاً من الضغط الذي يتحمله المواطن المصري وخاصة من الفئات الدنيا التي تشكل ما نسبته 25% من مجموع الناس على الصعيد الوطني العام.
إن حالة الإفقار التي أنتجها النظام المصري عبر سياسات قصيرة النظر وترتهن لتعليمات صندوق النقد الدولي كما الإدارة الأميركية أدت لتحول قسم كبير من مثقفي البلد ومتعلميها إلى باحثين عن لقمة العيش في مجالات ليس لها علاقة بقدراتهم أو تخصصاتهم ومغمسة بالذل والمهانة.
إن دولة لا تحترم عقول أبنائها ومشاعرهم ستجد من الصعب عليها ترميم علاقة متردية وتخربت على مدار سنوات طويلة بعمر النظام، والحال أن الدولة في جمعها بين النخبة السياسية الحاكمة والنخبة المسيطرة اقتصادياً في توليفة لا توصف إلا بالفاشية أقصت كل من يمكنه خلق التوازن الضروري لبقاء النظام وتطور الدولة.
البطالة وانخفاض الأجور وغلاء الأسعار والاحتكار وغيرها هي ظواهر لأزمة مستفحلة امتدت لعقود حاولت فيها السلطة إظهار الجانب المضيء في إنجازات التحول الدراماتيكي للنظام الرأسمالي عبر بيع القطاع العام بأبخس الأسعار، وتجاهلت عن عمد أو عن جهل التغيرات السلبية في بنية المجتمع المصري وفي قيمه الجامعة التي دمرت بطريقة منهجية أوصلت البلد لحالة من الضياع والارتهان للطغمة الحاكمة، الأمر الذي تراكم لينتج حالة من الاحتقان والغضب نبه الكثير من المراقبين بأنها تقترب من الانفجار.
لقد سألني العديد من الأصدقاء حول الحالة في مصر سواء في غزة أو دمشق كوني مكثت فيها شهرين ونصف وقد أجبتهم بوضوح أنني أخشى على مصر من الانفجار القادم وأن هناك ناراً تتأجج تحت الرماد ستكون مدمرة إذا لم يتم تنفيسها بطريقة صحيحة وعادلة.
مصر هي مركز الشرق ودرته الأهم، وهي محط أنظارنا جميعاً، وبدون مصر قوية لا يمكن للأمة العربية أن تحقق أي نصر على العدو أو تتقدم للأمام، هذا الدور المنوط بمصر تاريخياً يجعلنا جميعاً ننظر باهتمام بالغ لما يجري في مصر وندعو الله أن لا تصل الأمور حد الاحتراب في الشارع أو اشتعال الحريق المدمر والذي كنا نخشاه وننبه له.
إن نظرة النظام الاستعلائية للحالة الراهنة لن تفيده أو تفيد مصر العربية، بل عليه أن يبادر اليوم لإجراء تغييرات واسعة في كل الجوانب وعلى رأسها الجانب السياسي المرتبط بدور مصر وموقعها العربي، وعلى رأس الخطوات فك الارتباط بالولايات المتحدة ومساعداتها، واستعادة الدور المصري في كل قضايا الأمة بالابتعاد عن إسرائيل، وإذا كانت اتفاقات كامب ديفيد تلزم مصر بعدم محاربة إسرائيل إلا أنها لا تلزمها بإبقاء السفارة المصرية بتل ابيب أو إبقاء السفارة الإسرائيلية بالقاهرة.
إن الشعور الوطني والقومي لدى المصريين قد تأذى كثيراً خلال الفترة السابقة ويشكل سبباً جوهرياً لانتفاضة الشعب المصري الراهنة وحان الوقت كي تستعيد مصر كل ما كانت تمثله بعد ثورة يوليو المجيدة وقبل اتفاقات كامب ديفيد المهينة.
لك الله يا مصر، وكل العرب معك على قلب واحد، يتمنون لك السلامة، والخير للشعب المصري الحر الأبي، ونرجو أن يجري التغيير في أرض الكنانة بالطرق السلمية، وأن ينتبه حكام مصر لمطالب ومشاعر الشعب المصري قبل فوات الأوان.
*زياد أبو شاويش