29/1/2011 د. إبراهيم علوش ssaleh65@comcast.net

السبت ٢٩ يناير ٢٠١١
٠٢:٤٤ بتوقيت غرينتش
ثورة ياسمين "ديموقراطية" أم انتفاضة شعبية؟ لقد فاجأتنا الانتفاضة الشعبية في تونس أجمل مفاجأة، لعل أجمل ما فيها أنها أعادت الحراك الشعبي العربي إلى مركز الفعل في صنع الأحداث، بعدما راح كثيرون ينعون الشارع العربي والجماهير العربية التي اتهموها بأنها نائمة، بينما كانت النخب والقوى السياسية هي النائمة.

ثورة ياسمين "ديموقراطية" أم انتفاضة شعبية؟

 

 

لقد فاجأتنا الانتفاضة الشعبية في تونس أجمل مفاجأة، لعل أجمل ما فيها أنها أعادت الحراك الشعبي العربي إلى مركز الفعل في صنع الأحداث، بعدما راح كثيرون ينعون الشارع العربي والجماهير العربية التي اتهموها بأنها نائمة، بينما كانت النخب والقوى السياسية هي النائمة. وبغض النظر إذا انتقلت العدوى الثورية للانتفاضة التونسية أم لا، فإن المؤكد أنها تمثل مرحلة فاصلة في التاريخ المعاصر للعرب في القرن الحادي والعشرين، يستعيد فيها المواطن العربي حراكه ووزنه ووجوده السياسي.

 

لكن الخطر على الانتفاضة الشعبية التونسية يأتي من محاولة إعادة طلائها بلون الثورات الملونة في اوروبا الشرقية، البرتقالية والأرجوانية وأخواتها، كثورة الزنبق في قيرغيزيا، التي تتبنى "الإصلاح السياسي" على النمط الأمريكي، أي تأسيس "ديموقراطية" تابعة للخارج ومرتبطة بمراكز العولمة، يختار فيها الناخب بين مرشحين (من جيبي الأيمن إلى جيبي الأيسر) يصبون كلهم في نفس المشروع في النهاية.

 

كلنا يحب الياسمين، وعلى الأرجح قصد خيراً ذلك المدون التونسي الذي أطلق تعبير "ثورة الياسمين" على الانتفاضة الشعبية في مدونته على الإنترنت... لكن ذلك المصطلح قدح فكرة جهنمية في ذهن صناع الرأي العام العالميين على ما يبدو، إذ تذكروا زنبق قيرغيزستان، فراحت بعض أهم وكالات الأنباء العالمية تتناقل مقالته المدفونة في مدونة غير معروفة لتعممها على أوسع نطاق، لتُنشر بعد ذلك في مواقع بارزة في الصحف العربية، وما هي إلا محاولة لإعادة تأويل الهبة الشعبية التونسية أمريكياً وتقديمها إعلامياً وتوجيهها سياسياً بعيداً عن سياقها الثوري نحو مسارات تقضي عليها في المهد.

 

فهنالك فرق كبير جداً بين "ثورة ملونة"، في تونس أو غير تونس، تستبدل حكم الفرد بحكم طبقة لا تقل تبعيةً عن ذلك الفرد لقوى الهيمنة الخارجية، وبين انتفاضة شعبية تعصف بالفرد والطبقة الذين تقوم التبعية للخارج على أكتافهما.

 

وهنالك بون شاسع بين "ديموقراطية" الكمبرادور، أي تأسيس قواعد مستقرة ومتعارف عليها لتداول السلطة سلمياً بين أفراد الشريحة الاجتماعية الوسيطة بيننا وبين قوى الهيمنة الخارجية، وبين حكم الشعب لنفسه بنفسه، من خلال لجان الأحياء والمناطق التي ابتدعها الشعب التونسي مثلاً، وهي من أرقى أشكال الديموقراطية... بعيداً عن شريحة الوسطاء والمتعهدين الاقتصاديين والسياسيين والثقافيين للهيمنة الأجنبية المباشرة أو غير المباشرة، وهي الشريحة المقصودة في الاقتصاد السياسي بتعبير "الكمبرادور".

 

وهنالك فرق كبير بين احتفاليات وطقوس تداول السلطة، دون المساس بالخيارات الأساسية للدولة، وبين تغيير التوجهات الأساسية للدولة لمصلحة أوسع فئات الشعب. باختصار، هنالك فرق رهيب بين نظام الديموقراطية الأمريكية في الدول التابعة وشبه المستعمرة، الذي لا يمس بنية التبعية للخارج، ولا يمس مصالح وامتيازات الشريحة الاجتماعية المهيمنة، وبين تحرر الوطن والمواطن من التبعية للخارج ومن العبودية لأدوات الخارج.

 

وهذا الفرق لا يكمن أبداً بتغيير الوجوه، لا في تونس ولا في الأردن، ولا في أي مكان في الوطن العربي أو العالم الثالث! بل يكمن في الإجابة على السؤال التالي: من يملك زمام الثروة والسلطة؟ الكمبرادور، أم أوسع فئات الشعب من العاملين والعاطلين عن العمل؟ وإذا نسينا هذا الفرق، فإننا قد نحصل على "ديموقراطية" المتعهدين الأمنيين في السلطة الفلسطينيية مثلاً، أو على أي ديموقراطية في ظل احتلال أو شبه احتلال، ولا يمكن أن تنتج الديموقراطية الأمريكية كقاعدة عامةً إلا مثل تلك النتيجة لأن قوانين لعبتها فصلت لهذا الغرض.

 

لا بل أن حكم الفرد، بما يحويه عادة من فساد وبيروقراطية ومزاجية واعتباط قانوني، يصبح عائقاً أمام التبادل الحر للتجارة وتدفق الاستثمار على هوى الشركات متعدية الحدود، أي أنه بالتعبير الاقتصادي يرفع "كلفة المقايضات"، ومن هنا تصبح الديموقراطية والشفافية وحكم القانون مطلباً لقوى الهيمنة الخارجية نفسها، وللكمبرادور الذي يجد نفسه مضطراً لدفع الأتاوات أو الخضوع للقرارات الاعتباطية للفرد وحاشيته.

 

وعندما يقدم أفراد من عائلة الطرابلسي على مصادرة يخت فاخر لمليونير فرنسي، فإن ذلك لا يرضى حتى الكمبرادور ولا فرنسا ولا بقية قوى الهيمنة الخارجية ولا الشركات العالمية الكبرى. وعندما يفرض الفرد نفسه على كل الاستثمارات الكبيرة في دولته، فإنه يصبح مشكلة دولية توازي مشكلة "بلطجي الحارة" في الأفلام المصرية، ويصبح مفهوماً ركوب الجميع صهوة الاحتجاج الشعبي المشروع لتحويله باتجاه ثورة ملونة تنتج ديموقراطية التبعية، ويمكن رؤية البرادعي في مصر كبديل كمبرادوري "ديموقراطي" لنظام حكم الفرد المتعسف والبيروقراطي والفاسد وثقيل اليد.

 

أما تفاعل الشارع العربي الحماسي مع الانتفاضة الشعبية التونسية، فيدل أنه ما برح شارعاً عربياً واحداً، لا "شوارع"... فمن مسقط إلى نواكشوط كان للانتفاضة الشعبية التونسية أصداءٌ وترانيم لم يكن لها مثلها في أفريقيا أو آسيا خارج الوطن العربي. وقد باتت عربة خضار بوعزيزي رمزاً للكرامة الشعبية العربية جنباً إلى جنب مع حذاء منتظر الزيدي. وها هي القاهرة ومصر كلها ترجع أصداء تونس.

 

إن التفاعل مع شرارة تونس شأن عربي عام، لا محلي فحسب، لأن أنظمة التجزئة جزء من بنية واحدة وسلسلة واحدة، وتونس ليست معلقة في فراغ، بل هي جزء من وعاء إقليمي وجغرافيا سياسية متشابكة، وعروبة واحدة... كما أن النهج الاقتصادي لا يمكن فصله عن النهج السياسي لأنه يعبر عن مصالح نفس الشريحة الاجتماعية، وفاسدو السلطة الفلسطينية مثلاً، كما أظهرت تسريبات الجزيرة الأخيرة، هم أنفسهم المفرطون والمطبعون. ومن يبع الوطن سياسياً، يسرقه اقتصادياً.

 

وفي النهاية، لا مشروع تغيير حقيقي في قطر عربي واحد، فإما أن تمتد ثورته عبر حدود التجزئة، وإما أن تختنق. لهذا، فإن التفاعل مع انتفاضة تونس في الأردن أو غيره لا يجوز مسخه أيضاً باتجاه إنتاج "إصلاح سياسي" على المقاس الأمريكي سواء بالتغيير السطحي للوجوه، أو من خلال مشروع "الملكية الدستورية" لتعزيز حكم الكمبرادور المحلي. فإما المطالبة بتغيير جذري للنهج وخيارات الدولة، بالحد الأدنى، وإما المطالبة بإسقاط حكم الكمبرادور...

 

أخيراً، وبمناسبة الحديث عن الجغرافيا السياسية، من البديهي أن يكون ثمن التغيير الجذري أكبر بكثير من مئة شهيد كلما اقتربنا من العدو الصهيوني أو منابع النفط أو الدول العربية المركزية، لكن التمرين الميداني التونسي يبقى درساً نموذجياً في هذه المرحلة من تاريخنا العربي المعاصر.

كلمات دليلية
0% ...

آخرالاخبار

الرئيس الصهیونی يحدد موعد الإعلان عن اسم الشخصية المكلّفة بتشكيل الحكومة المقبلة


وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو لنيويورك تايمز: لا أخطط لمغادرة منصبي في إدارة ترمب


"يونيفيل": نواصل مهامنا في جنوب لبنان حتى انتهاء ولايتنا بنهاية العام الجاري


رئيس المنظمة الايرانية للحج والزيارة يبدأ زيارة الى السعودية بدعوة من نظيره السعودي


إسلامي: تهديد ترامب بشن هجوم على جبل كلنج دليل على العجز


ترامب حول النزاع الأوكراني: أعتقد أننا سننهي الأمر قريبا جدا ربما قريبا جدا


البرلمان التركي يصدق على "اتفاقية مكة" للدفاع المشترك بين تركيا وباكستان والسعودية


السيطرة على سادس طائرة استطلاع أمريكية مسيّرة من طراز MQM-170 في سماء جزيرة قشم


الرئيس الصهيوني: سأعلن يوم الأحد اسم المكلف بتشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة


فرانس برس: ١.٦ مليون شخص في مختلف أنحاء فرنسا يشاركون في احتجاجات على على ارتفاع الأسعار


الأكثر مشاهدة

القناة 13 "الإسرائيلية": هزيمة تاريخية لترامب في انتخابات التجديد النصفي وتداعيات خطيرة على "إسرائيل"


مصادر إعلامية: صفقة ترامب مع روسيا بشأن وقود الديزل تتوقف بسبب انخفاض مخزونات الوقود الأمريكية إلى أدنى مستوى لها منذ 20 عامًا


اعلام ألماني: العثور على وزير الاقتصاد بافاريا أيفانغر ميتا في أحد فنادق برلين


مصادر لبنانية: غارة لطيران العدو الإسرائيلي تستهدف المنطقة الواقعة بين بلدتي مركبا وطلوسة في جنوب لبنان


عراقجي يؤكد على تعزيز العلاقات بين إيران وبولندا


أكسيوس: زعيم الديمقراطيين بمجلس النواب حكيم جيفريز يعلن ترشحه لرئاسة المجلس في رسالة وجهها إلى زملائه


وكالة أنباء كوريا الشمالية: تجربة إطلاق ناجحة لمنظومة صواريخ متطورة للدفاع الجوي


الصحة اليمنية: استشهاد 7 مدنيين بينهم طفلان وإصابة 6 أطفال بجراح من جراء استهداف الطائرات السعودية منزلا غربي تعز


بقائي يرد على تصريحات وزير الخارجية الألماني


مصادر فلسطينية: تجدد المواجهات في بلدة "سلواد" شمال شرق رام الله، والاحتلال يُطلق قنابل الغاز


زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ الأميركي شاك شومر: الحرب على إيران يجب أن تنتهي وسنحاصر ترمب تشريعيا إذا لم يمتثل لإرادة الشعب