شاءت الأقدار أن يعيد التاريخ نفسه ، وأن تصبح هواجس الشعوب العربية والإسلامية واحدة ، وأن تتخذ حالات الاستبداد والفساد والتبعية أشكالا متعددة .. غير أن إرادة الشعوب لا تقهر ، مهما خادع الدكتاتور وناور وتلون في سباقه ضد الزمن وضد حركة التاريخ ، ومهما حاولت قوى الاستكبار والاستعمار الغربي من فرض الدمى التي تحركها عن بعد ، تأتمر بأوامرها ، وتضمن لـ " مافياتها " المتعددة الأهداف والعابرة للقارات أرضا بكرا لطحن الشعوب وإذلالها في خبزها وكرامتها وحاضر ومستقبل أجيالها .
ما ذا يعني أن تصمت جميع الدمى بقدرة قادر عن ثورة الأحرار بمصر ؟ ، وهي التي لا تفتأ تكذب على الشعوب كونها تستمد الشرعية منها ، والصائب أنها تستمد الشرعية من واشنطن ولندن وباريس وبرلين ، حيث تحدث الرئيس أوباما بأريحية لأن خلفه شعبا ورأي عام يستمد منه شرعيته ، وتحدثت ميركل لأنها شغلت ذلك المنصب بشرف ، وتحدث دبلوماسيون فرنسيون وبريطانيون لأنهم يدافعون عن مصالح بلدانهم لا مصالح غيرهم .. بينما صمتت الدمى العربية لأن لا أحد منها ولد من رحم الشعب .. بل هي دمى زنى ولدت من رحم الاستعمار والانقلابات العسكرية وتزوير إرادة الشعوب .
تمنيت لو قلنا للعالم إننا نحن المغاربة انتخبنا برلمانا بإرادتنا ، وأن الحكومة تعمل المستطاع من أجل تقدمنا ، وأن مسيري المجالس البلدية منا وإلينا ، وأن التلفزيون متحدث باسمنا ، وأن القضاء ينصف المظلوم ويقطع على يد الظالم ، وأن .. وأن .. لكن لا أحد يستطيع أن ينكر أن العكس هو الحاصل ، وأن البرلمان فصل على المقاس ، والحكومة تجمع أميين وتقنيين ، ومسيري المجالس البلدية لصوص ميزانيات ، والتلفزيون للدعاية والكذب ، والقضاء محاكم تعليمات .. لذلك صمت الجميع عندما طرد التونسيون بن علي ، كما سيصمتون عندما يطرد المصريون مبارك ..
ظل شرفاء المغرب ، يشخصون الداء لإيجاد الدواء الناجع للمعضلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تشهدها البلاد منذ جلاء قوات الاستعمار الفرنسي والإسباني من هذه البلاد ، ولا أحد قال للمغاربة إنكم سيدي قراركم ، هل اختار المغاربة أن تكون اللغة الفرنسية لغة الدواليب والدواوين والإدارة ؟ هل اختار المغاربة أن تطأ أقدام الصهاينة أرض هذه البلاد وأن يتم استقبالهم بالأحضان ؟ هل اختار المغاربة أن تصرف أموالهم على الحفلات الباذخة وكثير من بني جلدتهم يعيشون مرحلة القرون الوسطى وراء الجبال حيث لا ماء ولا كهرباء ولا تعليم .. متى سيقول صناع القرار بالبلد إننا منكم وإليكم ؟ .. والوقائع على الأرض تثبت أنهم ضد إرادة 90 بالمائة من مسحوقي الشعب المغربي .
نقول هذا الكلام وأيدينا على قلوبنا عندما نشاهد حالة الهستيريا تسود العواصم الغربية خوفا من أن يقلب الشعب المصري الطاولة على الجميع وأن يختار حكامه بنفسه ، مما يعني أن تلك العواصم هي التي تحدد مصير الشعوب المغلوبة على أمرها ، وأن المسألة تتجاوز الحديث الكلاسيكي عن قوى تقليدية ترغب في الحفاظ عن مصالحها في منطقة إستراتيجية كمنطقتنا العربية الإسلامية ، إلى صناعة الحكام وتزويدهم بآخر تقنيات القمع والكبت لضمان الاستغلال الدائم لخيرات الشعوب وسلخها عن شخصيتها الحضارية المستقلة بصنع نماذج ممسوخة لا هي شرقية أصيلة ولا هي غربية ذكية .
ثورة الشعب المصري ، ستحدد ملامح المنطقة برمتها ، لكون مصر إحدى الروافد الرئيسية للثقافة العربية – الإسلامية النهضوية ، فعندما يتمتع الشعب المصري بنظام ديمقراطي تعددي تتداول فيه السلطة بمنهجية سلمية ، ستلحق به شعوب المنطقة الأخرى لتشابه الخلفيات الدينية والثقافية والسياسية ، ولتشابه طبيعة النظم السياسية والتي تستمد شرعيتها من احتكار الثروة والسلطة من قبل مجموعة متنفذة ومغلقة .. نتمنى بصدق أن يقرأ صناع القرار بالرباط كتاب تونس ومصر المفتوحين هذه الأيام بصدق ، وأن يعبروا عن إرادة الشعب المغربي بصدق ، أما التمادي في الضحك على الذقون ، واستبلاد 30 مليون إنسان ، قد لا يجدي نفعا في زمن الثورات العربية .
*محمد داير