أحيانا من الأفضل أن نحلم و لكن ,,,,,
يبدو أن ما قامت به قناة الجزيرة كان بمثابة قنبلة انشطارية انفجرت في الأوساط السياسية و الإعلامية , قنبلة تناثرت شظاياها في كل الاتجاهات و كل الأبعاد و الأعماق , قناة الجزيرة وصفت هذه القنبلة بأنها ( كشف للمستور ) و كل الأطراف الأخرى ذات العلاقة اتخذت الوصف الذي يتناسب مع توجهاتها و أهدافها و كل طرف حاول الاستغلال الأمثل للنتائج المترتبة عن هذه القنبلة التي تتوالي انفجاراتها .
الوثائق التي تم نشرها التي احتوت على محاضر اجتماعات و أطروحات و مقترحات إلى آخره .. تمت بين مفاوضي السلطة و الكيان الصهيوني و بمشاركة أمريكية في أحيان كثيرة , هذه الوثائق تجعلنا أمام أنفسنا و أمام حقائق عارية لا مجال لتجميلها أو إدعاء الحنكة و المراوغة في ملابساتها المخجلة , حقائق يجب علينا دراستها بعمق و وعي بدون تشنج و لا حماسة زائفة سرعان ما تزول بزوال المؤثر و الحدث .
لكي تكون الصورة أوضح و الأمور جلية لزاما علينا أن نذكر حقيقتين الأولى تقول أن مسار و نهج المفاوضات محكوم عليه بالفشل و أنه يعيد القضية الفلسطينية للوراء , فالكيان الصهيوني يمتلك نفسية الغاصب المتغطرس الذي يشعر بمدى قوته في مواجهة المفاوض الفلسطيني و الذي للأسف تخلى عن مبرر وجوده و قوته و نبذ نهج المقاومة المسلحة و التي هي الأساس لانتزاع الحق المغتصب .
و الثانية تقول أن الهوية الفلسطينية الحقيقية تتمثل في نهج المقاومة و هذا النهج هو الوحيد القادر على الصمود أمام الكيان الصهيوني و على مقارعته و انتزاع الحق من بين أنيابه , هاتان الحقيقتين هما الأهم في دائرة الصراع مع العدو الصهيوني و يجب عندما يتحدث أي إنسان عن القضية الفلسطينية أن تكون هذه الحقائق مصدر قوته و عمق صلابته و صموده .
نأتي لشأن آخر يتعلق بالأهداف الحقيقية لنشر هذه الوثائق , و بالطبع هناك أهداف معلنة و أخرى خفية , بالنسبة للأهداف المعلنة فهي إبراز دور السلطة في التفريط والتنازل عن الحقوق الفلسطينية سواء المتعلقة بالأرض أو الإنسان هذا الدور يتم إبرازه بكل تفرعاته و انعطافاته و تفاصيله , أما الأهداف الخفية فتخضع للإجابة على عدة أسئلة تتعلق بالتوقيت و لمصلحة من و استقراء ردود الأفعال الصادرة من كافة الأطراف المتشابكة في هذه القضية .
نتحدث أولا عن التوقيت و الذي لابد انه توقيت مدروس و منتقى بعناية , عملية المفاوضات مجمدة – نسجل هنا عدم القناعة من الأساس بهذه العملية – و تلفظ أنفاسها الأخيرة أو هي في موت سريري , فأمريكا تتعمد العجز في فرض ضغوطها على الكيان الصهيوني الذي يواصل تهويد المقدسات و ابتلاع المزيد من الأرض و يرفض مجرد تجميد الاستيطان و يفرض شروطه لمواصلة المفاوضات , يقابله موقف المفاوض الفلسطيني التائه الذي فرط بما يملك من الأدوات التي يمكن أن تشكل ضغطا على الصهاينة و أمريكا , و عربيا فالحالة أدهى و أمر فالسودان تم تقسيمه بمباركة عربية ووصاية دولية قاهرة , و الأزمات المتلاحقة تحيط بالأنظمة العربية وتنامي الشعور الشعبي بالقهر و انتفاضة تونس و أمور أخرى جعلت الموقف العربي يزاد ضعفا على ضعف وفلسطينيا لا يزال الانقسام ضاربا بجذوره في أعماق المشهد الفلسطيني بلا أمل ببارقة ضوء تنير النفق المظلم , هذا الانقسام الذي من شأنه إضعاف الموقف الفلسطيني بكافة أطرافه بحيث يكون المستفيد الوحيد هو الكيان الصهيوني .
نأتي لمصلحة من وهو السؤال المركزي و المحوري , من المؤكد أن لا خطوة تتم بدون هدف يحقق مصلحة للطرف صاحب هذه الخطوة , فهل كان نشر الوثائق الهدف منه تحقيق سبق إعلامي لقناة الجزيرة و تحقيق نسب مشاهدة أعلى , و طبعا هذا الهدف أشك فيه كثيرا و مستبعد نهائيا , إذن يمكن استنتاج الأهداف من خلال تحليل و استقراء ردود الأفعال الصادرة عن الأطراف فلسطينيا أعلنت السلطة أنها لا تخفي شيئا و أنها أودعت هذه الوثائق الجامعية العربية و بعض الدول العربية ليبرز سؤال أليس من حق الشعب الفلسطيني الذي يواجه المقصلة الصهيونية أن يكون أول من يطلع على هذه الوثائق ؟؟؟ مجرد سؤال اعتقد انه يستحق الإجابة الوافية الشافية .
عربيا المواقف مبهمة و غير مؤثرة كالعادة و أمريكيا فإنها أعلنت على لسان وزارة خارجيتها إنها ستدرس المشكلة و ستحاول المساعدة في الخروج من هذه المأزق و أما صهيونيا فالتصريحات متناقضة ما بين التكذيب و اتهامات و تهويل إلى آخره , لتأتي تصريحات من بعض قيادة الكيان الصهيوني و كان أبرزها تصريح رئيس جهاز الأمن العام الصهيوني الأسبق "عامي أيلون" الذي قال على أنه لولا التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية و الكيان الصهيوني لما تم إحباط عمليات "إرهابية". و أضاف: "لقد كان هناك تعاون استخباراتي وفي بعض الحالات تجاوز الأمر العمل ألاستخباري، بل وصل إلى حد التعاون في العمليات الميدانية".؟؟؟
إن هناك حلقة مفقودة من خلال ما سبق , هناك طرف اختلق هذه الأزمة ليزيح آخرين و لكن رغم ما سبق فإن هذا الوثائق قد تكون ذات فائدة عظيمة لمراجعة النفس و محاسبة المفرط و المساوم و إعادة بناء المرحلة بالتمسك بالثوابت و العودة لنهج المقاومة الذي لزاما أن يشكل رافعة و قاعدة لمصالحة وطنية حقيقة , ليعد الجميع لنهج المقاومة الذي يضمن مقارعة الكيان الصهيوني و انتزاع الحق ليقول الشعب الفلسطيني كلمته بأنه يدرك تماما و بدون وثائق أن نهج المقاومة هو طوق النجاة في الخروج من دائرة التيه و غياب الشخصية الفلسطينية بفعل فاعلون , وحتى و نحن قد لا نملك الكثير من الأدوات لتحقيق أهدافنا فعندها قد يكون من الأفضل أن نحلم و لكن لا نتراجع أو نسقط .