الفوضى الخلاّقة هي الخيار الذي بقي أمامنا... صحيح أن هذا الخيار له سلبياته حيث ستواجه مصداقية الولايات المتحدة أزمة كبرى وستنتشر أعمال العنف نتيجةً لذلك، لكننا إذا لم نحرز أي تقدم، فعلى الأقل لن نتراجع إلى الوراء، فيما سيؤدي الإسراع نحو تحقيق إنجاز من دون التهيئة له بالشكل المناسب إلى النتائج نفسها التي حققتها قمة «كامب ديفيد» الفاشلة في عام 2000.
تتأرجح الخيارات المطروحة أمام إدارة أوباما بشأن عملية السلام العربية الإسرائيلية، إحدى أبرز مسائل السياسة الخارجية، من سيئ إلى أسوأ. وتعكس تلك الخيارات الاقتراحات التي تضمنتها مذكرة وزارة الخارجية شبه الأسطورية التي تحيا في قلوب جميع من خدموا مصالح الجمهورية هناك... الخيار الأول: تحقيق الإنجاز؛ الخيار الثاني: الانسحاب من القضية؛ والخيار الثالث المشين: الفوضى الخلاّقة.
إذا ما نظرنا إلى واقع الأمور على الساحة العربية الإسرائيلية وإلى البدايات الخاطئة التي أطلقتها إدارة أوباما خلال الأشهر العشرين الأخيرة، فسيتضح للجميع أن خيار تحقيق الإنجازات سيفشل على الأرجح في الوقت الراهن، كما أن الانسحاب من القضية ليس أمراً ممكناً أو مرغوباً فيه.
لم يَبْقَ أمامنا إذن إلا الخيار الثالث: الفوضى الخلاّقة... صحيح أن هذا الخيار له سلبياته- ستواجه مصداقية الولايات المتحدة أزمة كبرى وستنتشر أعمال العنف نتيجةً لذلك- لكننا إذا لم نحرز أي تقدم، فعلى الأقل لن نتراجع إلى الوراء، وسيؤدي الإسراع نحو تحقيق إنجاز من دون التهيئة له بالشكل المناسب- كتطبيق خطة أميركية مثلاً- إلى النتائج نفسها التي حققتها قمة «كامب ديفيد» الفاشلة في عام 2000.
تقضي أذكى الطرق لإنفاق الأموال في إدارة أوباما بنشر الفوضى الخلاقة، وذلك للأسباب الآتية:
- أولاً، لم تنضج عملية السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين بعد، حتى في ظل أفضل الظروف، ولا يضمن أيٌّ من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الفلسطيني محمود عباس نجاح العملية. فلم تتوافر بعد الضمانات الكافية، أي الحاجة إلى اتخاذ القرارات الحاسمة لأنّ المآسي واحتمالات تحقيق مكاسب أكبر تمنع حصول ذلك.
صحيح أن المراوحة في إطار الوضع القائم أمر سيئ، وتحديداً على الفلسطينيين، لكن ذلك لا يعني أن مخاطر تغيير الوضع- وبالتالي اتخاذ قرارات كبرى حول قضايا وجودية حساسة مثل القدس والحدود واللاجئين- لا تشكل تهديداً أكبر على عدد من السياسيين الذين سيخضعون على الأرجح للمساءلة في حال قدموا أو طلبوا الكثير.
ثانياً، يدرك أصحاب العقول المنفتحة في إدارة أوباما هذا الواقع، وتحديداً وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون ومستشار الأمن القومي توم دونيلون. ما لم يطرأ حدث معين لتغيير الحسابات المحلية، وإثبات أن واشنطن تجازف بالكثير، فستفشل هذه المقاربة. صحيح أن الرئيس بيل كلينتون أخبرنا قبل فترة وجيزة من قمة «كامب ديفيد» بأن المحاولة والفشل هما أفضل من عدم المحاولة مطلقاً، لكن تتحلى وزيرة الخارجية الراهنة بذكاء أكبر من ذلك بكثير، وذلك نظراً إلى ارتفاع احتمال أن تواجه الفشل بنفسها.
ثالثاً، يتعلق نظام الحكم بالاختيار. يحتاج الرئيس الراهن إلى انتقاء القضايا التي تستلزم الحلّ والمحاربة في سبيلها بحذر، ويجب ألا يفعل ذلك حصراً لأن اسمه سيكون مطروحاً في الانتخابات المرتقبة خلال 20 شهراً، بل لأنه أمام أولويات كثيرة، على الصعيدين المحلي والخارجي. ولن تساعده الاقتراحات التي ترتفع فيها المجازفة بأي شكل.
إذا جهد أوباما لتحقيق إنجاز يرتفع فيه حجم المجازفة في المسألة الإسرائيلية الفلسطينية، فهو لن يجازف بالفشل فحسب، بل سيجد نفسه على الأرجح في مواجهة مكلفة مع الجمهوريين في مجلس النواب والجماعات الأميركية المؤيدة لإسرائيل.
لكن لماذا سيتكبّد هذا العناء كله؟ هل من أجل اتفاق لن ينجح بإبرامه على الأرجح؟ يشعر هؤلاء الناخبون أصلاً بأنه ليس صديقاً لإسرائيل كما يدّعي، وبالتالي، من المستبعد أن يمنحوه مجالاً للتحرك.
عادةً ما يظهر خيار الفوضى الخلاقة بصورة سلبية، وتحديداً من جانب المسؤولين الدبلوماسيين الأميركيين الذين يريدون التواصل وحل المشاكل، لكن في ظل الظروف الراهنة، قد لا يكون هذا الخيار فكرة سيئة.
على إدارة أوباما أن تتوقف عن لوم نفسها بسبب غياب الصفقات الكبرى والإنجازات العظيمة والتحرك في أربعة اتجاهات مختلفة، لكنها متكاملة، تحت إشراف وزارة الخارجية:
أولاً، يجب عدم نقل القضية إلى الأمم المتحدة. ولا يجب تشجيع الفلسطينيين على التفكير بأن الولايات المتحدة ستصوّت، أو تمتنع عن التصويت، على القرارات التي تنتقد الإسرائيليين بسبب استمرارهم في بناء المستوطنات، أو دعم الجهود التي تعترف بدولة فلسطينية. الأمر أشبه بمفتاح حل لقضية خاسرة. لا يمكن التوصل إلى ذلك إلا عبر المفاوضات والوساطة الأميركية في المنطقة، لا في نيويورك.
ثانياً، يجب دعم مساعي بناء المؤسسات التي يبذلها رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض في الضفة الغربية، وتحديداً على المستويين الاقتصادي والأمني.
ثالثاً، يجب استغلال غياب المحادثات المباشرة، التي نادراً ما أنتجت إنجازات دائمة في مطلق الأحوال، من أجل تشديد الضغط على الطرفين بشكل منفصل، لمعرفة موقفهما الفعلي من القضايا الجوهرية. يجب تطبيق هذه المقاربة طوال ثلاثة أشهر لرصد الثغرات القائمة وتقييم الفرص المتاحة لسدها.
رابعاً، يجب البحث عن أي مؤشر حياة في المحادثات الإسرائيلية السورية. على الورق، تُعتبر المفاوضات بشأن هضبة الجولان أسهل من غيرها وهي أكثر تماشياً مع استراتيجية الإدارة لاحتواء السلوك الإيراني وتغيير مساره.
والأهمّ من ذلك كله، يجب إحياء اللعبة السياسية دوماً وتعزيز الوهم (حتى هذه اللحظة) بأن واشنطن قادرة على إيجاد حل. قد يحصل الرئيس على ولايتين رئاسيتين، لذا لا يجب التسرع في إطلاق الأحكام حول قضية لم تنضج بعد، وبالتالي الكشف عن عيوب المقاربة الأميركية.
هذا الحل ليس جميلاً لكنه ضروري، بل قد يطرأ أمر معين يدفع الإسرائيليين والفلسطينيين إلى الالتزام جدياً بعملية السلام بين الطرفين، وقد يحصل الرئيس باراك أوباما على فرصة إثبات مدى استحقاقه لجائزة «نوبل» للسلام التي حازها.
* بليتيكو – آرون دافيد ميلر- مفاوض سابق في قضية الشرق الأوسط في الإدارتين الجمهورية والديمقراطية، وخبير في السياسة العامة في معهد وودرو ويلسون الدولي للباحثين.