علي بدوان : زيارة الرئيس هوجينتاو الى واشنطن اسـتمرار سـخونة الملفات العالقة
شكّلت الزيارة الأخيرة للرئيس الصيني هوجينتاو الى الولايات المتحدة الأميركية نقلة هامة على صعيد العلاقات الساخنة تحت الرماد بين بكين وواشنطن. فقد جاءت زيارة الرئيس هوجينتاو التاريخية لواشنطن والتي أحيطت بعناية استثنائية من قبل البيت الأبيض، بعد فترة من الغليان والتسخين بين البلدين، على خلفية الافتراق المتزايد في عدد من المواضيع ذات الطبيعة الاستراتيجية وحتى الكونية.
فالبلدان ليسا حليفين لصيقين أو حتى حليفين متقاطعين على مساحات مشتركة، ولا أعداء أيضاً، لكنهما يعيشان حالة من التنافس والافتراق المضمر على أكثر من صعيد، حيث لاتريد الولايات المتحدة التنازل عن تفوقها العالمي أو حتى قبول منافسين لها ولو بحدود معينة وبمجالات محددة، بينما تريد الصين أن تُعامل كما يليق بها كقوة بحجمها الحقيقي كما هي على أرض الواقع، حيث تبني وتشق الصين طريق نفوذها حول العالم بثبات، وتعمل على توسيع تجارتها على امتداد المعمورة، واقتصاد يتمدد سنوياً بتسارع ملحوظ، وبنمو قومي بات يصل الى نحو (14%) سنوياً، وهو أمر يزعج واشنطن ولايريحها، وقد أدى فيما أدى اليه الى انعدام الثقة بين الولايات المتحدة والصين بصورة متبادلة.
الملف الاقتصادي وقيمة العملة المحلية «اليوان»
ويلحظ المتابع لملف العلاقات الدولية الخارجية للصين، وتحديداً لملف علاقاتها مع الولايات المتحدة، أن بكين دأبت دوماً على تجنب الدخول في مواجهات سياسية مفتوحة ومباشرة على مع أي من الأطراف الفاعلة على المسرح الدولي، وكانت ومازالت حريصة كل الحرص على إبقاء مسار التعاون متواصلاً بأشكاله المختلفة مع الولايات المتحدة الأميركية، وإجراءات بناء الثقة وخلق المنافع المتبادلة. ومع هذا فان التباينات التي أبرزتها الوقائع جعلت من ذلك المسار يسير نحو الانجراف في الهبوط التدريجي في العلاقات المشتركة في ظل حالة من عدم الثقة والصراع.
ومن هنا، فان زيارة الرئيس الصيني هوجينتاو الى واشنطن تكتسب أهمية استثنائية منذ إقامة العلاقات الرسمية بين البلدين عام 1975، عندما زار بكين الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون بعيد انتهاء الحرب الفيتنامية واندحار القوات الأميركية وإعادة توحيد فيتنام في انتصار كانت الصين والكتلة السوفياتية السابقة وراءه.
وفي حقيقة الأمر، ان الولايات المتحدة تعمل بالفعل على وقف أو كبح صعود الصين في ميدان الاقتصاد والتجارة العالميين، مستخدمة لتحقيق ذلك الغرض كل الوسائل الممكنة، وخصوصاً منها افتعال واختلاق العديد من الأزمات في هذا الميدان لدفع الصين نحو الاستجابة لرغباتها، ومن تلك الأزمات قضايا البيئة، وقضايا انبعاث غاز الكربون، وقضايا التسلح للجيش الصيني، إضافة للتدخل في قضايا الصين الداخلية في التيبت ومناطق الايغور، وقضايا حقوق الإنسان.
ان الأزمات الخافتة الفعلية بين البلدين تتمحور حول عدد من المواضيع، التي يقع على رأسها المسألة الاقتصادية، وماله علاقة بالأزمة الاقتصادية العالمية التي مابرحت تاركة آثارها الكبيرة على الاقتصاد العالمي، في وقت ترفع فيه واشنطن حدة صوتها مطالبة الصين برفع قيمة عملتها المحلية (اليوان)، حيث يزعم الأميركيون من أن بكين تنتهج سياسة واضحة في الحفاظ على خفض قيمة عملتها، مع ارتفاع القوة الاقتصادية للصين في ظل التشابك الاقتصادي بينهما والتنافس المحموم على
مناطق النفوذ التجاري والسوق العالمية.
ومقابل ذلك فان بكين ترفض بشدة الضغوط الأميركية والأوروبية لرفع قيمة عملتها (اليوان) ويرى الغرب أن إصرار الحكومة الصينية على فرض سعر منخفض لـ (اليوان) يجعل الصادرات الصينية أرخص بكثير من نظيرتها الأميركية أو الأوربية في أسواق العالم التي باتت تغرق في المنتوجات الصينية. ومن هنا فقد طالب عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي من الحزبين الديمقراطي والجمهوري بفرض عقوبات على الصين بسبب سياساتها النقدية إذا لم تسمح لعملتها المحلية (اليوان) بأن ترتفع أمام العملات الأخرى. ان تلك الهجمة الأميركية على الصين والمتعلقة بالموضوع الاقتصادي، ومطالبتها برفع قيمة (اليوان) قابلتها الصين بتأكيدها أنها منافساً عادلاً وملتزماً بقواعد القانون الدولي. كما قابلتها بتقديم إغراءات لواشنطن عبر القبول بشراء طائرات (بوينغ) وعدم الاقتصار على إبرام صفقات لشراء الطائرات من نوع (ايرباص) مع دول الاتحاد الأوربي المنتجة لها، بالإضافة للقبول باستيراد قطع غيار سيارات ومنتجات زراعية ولحوم أميركية في إطار صفقات تصل قيمتها إلى عشرات المليارات من الدولارات. وقد وقعت البعثة التجارية الصينية بالفعل ستة اتفاقات مع شركات أميركية في هيوستن بقيمة (600) مليون دولار بحسب ما ذكرت وسائل الإعلان الصينية ذاتها. ويشار في هذا الجانب الى أن حجم التبادل التجاري بين الولايات المتحدة والصين وصل إلى (400) مليار دولار سنوياً وهو رقم كبير بكل المقاييس.
من الأزمة الكورية والنووي الإيراني الى تايوان
وفي الجانب الثاني من الخلاف الأميركي الصيني، فالأمر يدور حول التباين بملف الأزمة الكورية الشمالية، وأزمة الملف النووي الإيراني، حيث تشكو واشنطن من أن بكين لا تبذل قصارى جهدها في الأطر والمؤسسات الدولية لتقييد البرامج النووية لإيران وكوريا الشمالية، فيما ترى بكين أنها ملتزمة بالقانون الدولي وبالقرارات الصادرة ذات الصلة، وبأن العقوبات المفروضة على إيران بحاجة لمراجعة دائمة من قبل مجلس الأمن، وبأن لإيران الحق في استخدام الطاقة النووية في المجالات السلمية.
وفي حقيقة الأمر، ان واشنطن تريد جر بكين الى مربع التذيل وراء موقفها المعلن بالنسبة للملف النووي الإيراني كما هو حال مواقف معظم دول أوروبا الغربية الملتحقة بالموقف الأميركي دون نقاش أو تأثير. كما تريد واشنطن من بكين تحجيم علاقاتها الاقتصادية المتبادلة مع إيران والإضرار بمصالحها هناك وهو ما ترفضه بكين بقوة منطلقة من حقها في الحفاظ على خارطة مصالحها الوطنية في كل مكان في العالم خصوصاً وان علاقاتها الاقتصادية واتفاقياتها المبرمة مع طهران لا تتعارض ولا تتناقض مع القرارات الدولية المتعلقة بالعقوبات المفروضة على طهران.
فالصين ومعها روسيا تفضلان ترك الأبواب مفتوحة على مصاريعها أمام الحلول السياسية، وهو ما دفع بالرئيس الأميركي باراك أوباما في الفترات الأخيرة، لتفضيل الخيارات الدبلوماسية بصورة واضحة، وتركيز مبادراته الجديدة على العمل مع حلفائه من أجل اتخاذ إجراءات ما بحق إيران كبديل عن استخدام القوة، في رؤية لا يستطيع من خلالها تجاهل الدورين الروسي الصيني في معالجة الموضوع الإيراني. أما في الموضوع المتعلق بدولة تايوان (أو ما يعرف بجمهورية الصين الوطنية) فان الولايات المتحدة تستخدم تلك المشكلة المستعصية في توليد الإزعاج المتواصل لبكين، عبر قيامها بإغداق المساعدات العسكرية وتقديمها إليها، عبر صفقات من الأسلحة المتطورة خصوصاً منها الصواريخ، ورفع منسوب التسلح في منطقة شرق آسيا، وهو ما دفع بالصين للقيام بجهد دبلوماسي في هذا المضمار عبر إدانة تسليح تايوان وتعرية هذا الموضوع في إطار المؤسسات الدولية، واستعراض بكين لقوتها العسكرية وإنتاجها مقاتلة (شبح) متطورة، وعرض حشدها العسكري في المحيط الهادئ الذي طالما كان يعتبر من وجهة واشنطن «بحيرة أميركية صرفة منذ انتهاء الحرب الكونية الثانية نهاية العام 1945».
ان الصين تخوض صراعاً سياسيا قوياً مع الولايات المتحدة بعد قيام الأخيرة ببيع مجموعة من الأسلحة المتطورة ومنها طائرات حديثة وصواريخ بعيدة المدى لتايوان (الصين الوطنية) في تحد واضح للمطالب الوطنية لجمهورية الصين الشعبية التي مازالت تعتبر تايوان جزءاً لا يتجزأ من الوطن الصيني.
ومن بين قضايا الخلاف البارزة بين بكين وواشنطن، أن الأخيرة تعمل من حين لآخر على الاستثمار السياسي لملف ما تسميه الولايات المتحدة بملف (حقوق الإنسان في الصين)، وهي قضية كثيرا ما شابها اللغط والالتباس، وكثيراً ما يثيرها نواب الكونغرس الأميركي مطالبين بمزيد من الضغوط على بكين في هذا المجال، فيما تصمت واشنطن صمت القبور تجاه حقوق الإنسان في أكثر من مكان في العالم بدءاً من فلسطين وصولاً الى التستر على النظم الفاشية والديكتاتورية وممارساتها القمعية بحق شعوبها في بلدان وبقاع مختلفة فوق المعمورة.
ان تحريك مسألة الأقليات الدينية والعرقية (مسلمو شنيانغ وبوذيو التيبت)...والتلويح بإغلاق مضيق ملقا (عبره تعبر غالبية التجارة الآسيوية)، وتكبير الحجر الهندي ليكون مصدر تهديد للصين، وتعزيز الحضور الأميركي في إفريقيا لوقف وحسر التمدد الصيني هناك هي أسلحة أميركية جديدة تشحذ من حين لآخر بوجه بكين. فيما تواجه بكين تلك العمليات الأميركية الخفية بطريقة حاذقة بإفشال محاولات التلاعب بالداخل العرقي والديني، بالتنمية وبتطوير المناطق المختلفة من الصين خصوصاً منها المناطق الرخوة التي تحاول واشنطن النفاذ عبر إثارة الفتن العرقية والدينية فيها.
كما بالسعي لإيجاد بدائل أرضية لمضيق (ملقا) عبر توصيلٍ سلسٍ ومأمون لواردات الطاقة عبر باكستان وبورما، وبناء قوة بحرية قادرة على الدفاع النشط والمكافئ،
أخيراً، وكما كان متوقعا، لم يتم التوصل إلى قرارات هامة على صعيد العلاقة الثنائية بين البلدين عقب انتهاء زيارة الرئيس هوجينتاو الى بكين، فالرئيس هوجينتاو ليس حذرا من الأميركيين وسياساتهم الابتلاعية فقط، إنما هو نفسه متحفظ بالفطرة