كشفت التجاذبات والصراعات الحزبية داخل "الليكود " النقاب عن جوهر المحددات الإستراتيجية لكل الأحزاب التي تعاقبت على رئاسة الكيان الصهيوني منذ أكثر من ستين عاما .
حيث تكمن هذه المحددات الإستراتيجية بالحفاظ على عقيدة الاستيطان الصهيونية والتي تعتبرها إسرائيل خطا احمرا ومقياسا حساسا لطبيعة سلوكيات الدولة العبرية داخليا وخارجيا ، إذ أن علاقات إسرائيل الداخلية والخارجية تتحد وفقا لطبيعة الاستيطان المرحلية وحجمها ونسقها.
وضمن هذا الثابت الاستراتيجي الصهيوني أقر مركز حزب "الليكود" (25/6/2010) بالإجماع مواصلة الاستيطان في الضفة الفلسطينية بعد انتهاء فترة التجميد الجزئي والمحدود والمؤقت في السادس والعشرين من أيلول (سبتمبر) المقبل.
وجاء هذا الإقرار قبيل توجه رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو إلى الولايات المتحدة مطلع الشهر المقبل للقاء الرئيس الأميركي باراك اوباما.
وذلك في إشارة واضحة إلى الإدارة الأميركية بأن الاستيطان خط أحمر ولا يجوز مناقشته بالنسبة لإسرائيل ، وأنها عازمة على المضي قدما في تحقيق المخططات الاستيطانية كما أنها رسالة واضحة إلى أميركا والغرب بأنه في حال تحقق أي أفق لمشروع ما يسمى دولة فلسطينية فإن المشاريع الاستيطانية لن تتوقف مها كانت حجم الوعود التي أطلقها أو سيطلقها مسؤولون اميركييون واروبييون .
وفيما كانت مصادر سياسية مطلعة تتحدث عن نية الرئيس الأميركي باراك اوباما الطلب من نتنياهو تمديد فترة "تعليق البناء" في المستوطنات، أقرت الحكومة الإسرائيلية في خطوة لافتة بناء 1600 وحدة استيطانية شمال مدينة القدس هي نفسها التي تم الإعلان عنها سابقا وأدت إلى تجاذبات حادة بين واشنطن وتل أبيب مما يجعلنا نتساءل فيما إذا كان نتنياهو على وشك إعادة الأحداث إلى خط البداية مجددا.
وأوضح بيان رسمي صادر عن الحزب أن مركز الليكود، الذي يمثل المؤسسة القيادية العليا ويبلغ عدد أعضائه 2500 شخص، "يؤيد مواصلة البناء في كل أنحاء أرض إسرائيل"، وخصوصاً في النقب والجليل والقدس الكبرى والضفة الغربية.
وفي سياق متصل، أعلنت حركة "السلام الآن" الإسرائيلية في تقرير لها،صدر في (17/6/2010)، أن الحظر الجزئي المفروض على البناء في المستوطنات الإسرائيلية بالضفة الفلسطينية لن يكون فعالاً ما لم تمدد مهلته إلى ما بعد أيلول(سبتمبر).
وأوضح التقرير أنه "على الرغم من عدم منح أي ترخيص رسمي جديد فإن البناء ما زال ساريا، سواء من دون ترخيص أو في مشاريع انطلقت قبل إقرار التجميد في تشرين الثاني(نوفمبر)" ، محذرا من أنه "في حال لم يتم تمديد تجميد البناء في المستوطنات لما بعد أيلول(سبتمبر)، فسيكون غير فعال على الأرض".
وتابع التقرير أن "حركة «السلام الآن" أحصت عشرات المباني الجديدة التي بدأ بناؤها بعد الإعلان عن قرار التجميد.
مؤكدا أن الإحصاءات الرسمية تظهر ارتفاعاً بنسبة 33% في عدد الورش في المستوطنات في الفصل الرابع من العام 2009 مقارنة بالفصل الثالث منه (من 447 إلى 593).
وفي السياق ذاته، صادقت لجنة التخطيط والبناء التابعة لبلدية الاحتلال في (21/6/2010)، على خطة "حديقة الملك" التلمودية في حي البستان بسلوان في القدس المحتلة والتي تقضي بهدم 22 منزلا لمواطنين فلسطينيين في المنطقة لصالح إقامة هذه الحديقة، وسط نداءات دول غربية في مقدمها أميركا بعدم تنفيذ عمليات الهدم.
و تنص الخطة على الطلب من أصحاب المنازل المنوي هدمها هدم منازلهم بأيديهم مع إمكانية إضافة المزيد من المنازل في المنطقة الشرقية من الحي. وأكدت مصادر إسرائيلية أن خطط البناء الحالية تنسجم مع سياسات إسرائيل. مضيفة أن "موقف إسرائيل من القدس ثابت ولم يتغير.
قلنا دائما إن التجميد ينطبق فقط على الضفة الفلسطينية وليس على القدس، وكنا شفافين بالنسبة لهذه القضية".
بدورها، شرعت آليات و بلدوزرات الاحتلال، (21/6/2010)، بأعمال تجريف واسعة النطاق، في مساحات واسعة من أراضي فلسطينيين واقعة بين مستوطنتي (نيفي يعقوب وبسغات زئيف)شمال شرقي مدينة القدس المحتلة، تعود لسكان أحياء بيت حنينا وشعفاط وحزما.
وكانت سلطات الاحتلال الإسرائيلي أعلنت، قبل نحو العام، عن نيتها ربط المستوطنتين من خلال بناء 600 وحدة استيطانية جديدة، وبدأت الآن بالعمل في البنية التحتية لهذا المشروع.
في محاولة للتغطية على عقدة الاستيطان العنصرية الاحتلالية التي ينتهجها الكيان الصهيوني مع الفلسطينيين عامة والمقدسيين خاصة، أعلن وزير الأمن الداخلي يتسحاق اهارونوفيتش، أن تدمير المنازل غير القانونية سيشمل "عرباً ويهوداً على حد سواء"، مؤكداً الاستعداد لمواجهة أي احتجاجات فلسطينية على تنفيذ القرار.
وأكد اهارونوفيتش أن توقيت هذا القرار مرتبط بمجموعة عوامل "عملانية وأخرى سياسية"، إضافة إلى كونه متصلاً بتقدير وضع محلي تجري دراسته يومياً وبحساسية.
من جهة أخرى، أعلن عضو الكنيست عن كتلة الاتحاد القومي اليميني المتطرف، أوري أريئيل أن المستوطنين في حي سلوان في القدس المحتلة يعتزمون، حتى الرابع من تموز المقبل، إخلاء 4 عائلات فلسطينية تسكن في منزل مجاور منذ أكثر من 50 عاماً، بزعم أنه يعود لملكية يهود هاجروا من اليمن منذ نهاية القرن التاسع عشر.
وفي قد أعربت وزارة الخارجية الروسية عن قلقها من نية السلطات الإسرائيلية هدم منازل للفلسطينيين في حي سلوان. ونقلت وكالة "نوفوستي" الروسية عن بيان للوزارة قوله إن "النوايا المعلنة لهدم عدد من المنازل في القدس الشرقية تحتاج إلى التصديق، لكن الأنباء عن هذا المخطط أثارت قلق موسكو، إذ إنه يمس بأحد المسائل الأكثر حساسية المتعلقة بالتسوية النهائية".
ومن جانب آخر، تواصل سلطات الاحتلال العمل لبناء المزيد من الوحدات الاستيطانية في منطقة رأس العامود، خاصة بعد إيلاء مقر الشرطة المركزي هناك إلى جمعيات استيطانية. ومن المتوقع إغلاق الشارع الرئيسي الذي يربط بين حي رأس العامود ومنطقة كفر قدوم والعديد من الأحياء المقدسية لصالح المشروع الاستيطاني.
ويُطل المشروع الاستيطاني في رأس العامود على البلدة القديمة من القدس المحتلة، ولا يبعد عن باب أسوار الأقصى هوائياً أكثر من 150 مترا.
وكانت إسرائيل طردت الآلاف من أهالي القدس إلى الضفة في السنوات الماضية لأسباب تصفها بـ "القانونية" مثل حصولهم على جنسية دولة أجنبية أو العيش في مناطق خارج المدينة، لكن هذه المرة الأولى التي يُبعد فيها أشخاص لأسباب سياسية.
ويخضع فلسطينيو القدس البالغ عددهم 270 ألفاً لنظام قانوني خاص يجعل منهم مقيمين في مدينتهم وليسوا مواطنين كاملي الحقوق مثل الساكن اليهودي.
وكانت إسرائيل أقرت هذا القانون الذي حمل اسم قانون الدخول إلى إسرائيل عام 1952، بعد أربعة أعوام من النكبة، بهدف التعامل مع المواطنين الفلسطينيين الذين يتمكنون من دخول الدولة العبرية لسبب أو لآخر.
ومنح القانون السلطات المختصة صلاحيات طرد أي شخص في حال قيامه بما سماه "تهديد الأمن" أو "انتقال مركز حياته" إلى الخارج.
ولجأت إسرائيل في سنوات السبعينيات والثمانينيات إلى هذا القانون لطرد عدد من القادة السياسيين في القدس إلى خارج البلاد مثل أمين القدس في السلطة روحي الخطيب، ورئيس الهيئة الإسلامية العليا في القدس الشيخ عبدالحميد السايح الذي ترأس لاحقاً المجلس الوطني الفلسطيني.
وجاء إبعاد تلك الشخصيات مماثلاً لإبعاد عشرات من قادة العمل الوطني في الضفة، لكن هذه المرة الأولى التي تلجأ فيها إسرائيل إلى طرد مقدسيين إلى الضفة الفلسطينية لأسباب سياسية أو "أمنية".
وقال مسؤول ملف القدس في حركة فتح حاتم عبدالقادر إن "هذا القانون يتعامل مع أهل القدس وكأنهم قاموا بالدخول إلى إسرائيل بصورة جماعية يوم احتلال المدينة في الخامس من حزيران (يونيو) 1967، وليس أن إسرائيل هي التي احتلت المدينة وضمتها".
وأضاف: "فرضت إسرائيل تطبيق هذا القانون على أهالي القدس كي تبقيهم مهددين بالطرد والإبعاد، فهم بموجب القانون مقيمون وليسوا مواطنين، وفي الوقت ذاته لا يُعتبرون فلسطينيين بهدف إبعاد اسم فلسطين عن القدس".
ولجأت إسرائيل إلى استغلال كل مناسبة للتخلص من أهالي القدس بهدف تقليص عدد سكانها الفلسطينيين مقابل الإسرائيليين الذين سهلت لهم كل سبل الانتقال للعيش في المدينة المحتلة.
ويقول الخبير في شؤون الاستيطان اليهودي في الأراضي الفلسطينية المحتلة خليل التوفكجي إن إسرائيل "صادرت بطاقات الهوية من 14 ألف مقدسي منذ عام 1967 حتى اليوم تحت ذريعة انتقال مراكز حياتهم إلى مناطق أخرى. وفقد كثيرون آخرون حق الإقامة في القدس بعد حصولهم على جنسيات أجنبية".
ويعد هذا القانون واحداً من أشد القوانين الإسرائيلية عنصرية لتمييزه بين الفلسطينيين واليهود، فاليهودي يتمتع بحق الإقامة والحصول على بطاقة الهوية ولا يفقدها تحت أي ظرف، بخلاف الفلسطيني المهدد بفقدان حقه في الإقامة في مدينته التي ولد ونشأ فيها بذرائع مختلفة.
ويثير قرار الإبعاد الأخير بحق أربعة أعضاء في المجلس التشريعي منتخبين من القدس قلق عشرات الناشطين في القدس، خصوصاً أنه تزامن مع إجراءات إسرائيلية جديدة في المدينة مثل إبعاد ناشطين من البلدة القديمة والحرم الشريف لفترات محددة، وتهديد شخصيات بالإبعاد بالطريقة نفسها في حال مواصلة نشاطها في القدس، وإقرار هدم أحياء سكانية بأكملها مثل حي البستان الذي يؤوي 1500 فلسطيني.
وفي موازاة ذلك ، قام شاب يهودي بالاعتداء بشكل وحشي ومفاجئ، (17/6/2010)، على الشاب المقدسي محمود علي سويلم من سكان حي شعفاط.
وأفاد سويلم "لقد قام شخص يهودي بالاعتداء علي أنا وزميلي، وذلك أثناء وجودنا في مكان عملنا في سوبر ماركت في حي "جفعات شاؤول"، مع العلم أنه لا توجد أية معرفة مسبقة بيننا، كما لا يوجد أي سبب يذكر لهذا الاعتداء".
وأضاف سويلم "لقد وقع الاعتداء عندما خرجت مع زميلي لشرب القهوة خلال فترة الاستراحة، لقد تلفظ ذلك الشخص بكلمات نابية ضد العرب، كما قام بذلك آخرون تواجدوا بالمنطقة بمحاولة المشاركة بالاعتداء بدلا من إيقافه".
وفي نابلس، شنت قوات الاحتلال الإسرائيلي،(20/6/2010)، حملة اعتقالات واسعة وعنيفة، تركزت في البلدة القديمة والجبل الجنوبي للمدينة. واعتقلت خلالها خمسة فتية.
وأكد شهود عيان، أن الآليات العسكرية اقتحمت أحياء شارع التعاون وخلة العامود والبلدة القديمة، وحاصرت عدة منازل وأجبرت ساكنيها على الخروج منها.
واعتقلت قوات الاحتلال كلاً من: زياد الباشا وطارق أبو غوش وعماد مراحيل ورائد حمدان ونضال الزاغة، وجميعهم دون العشرين من أعمارهم.
وكانت قوات الاحتلال قامت بتفجير بوابة منزل المواطن أحمد الزاغة وتحطيم نوافذه والأثاث، كما اعتدى الجنود بالضرب على رجال مسنين وأجبروهم على خلع ملابسهم، وقيدوا الشباب المتواجدين في المنزل وأجبروهم على خلع ملابسهم أيضا.
وضمن السياق ، أعلن تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأراضي الفلسطينية (أوتشا)، (16/6/2010)، أن عدد الحواجز وغيرها من معيقات الحركة في الضفة الفلسطينية التي وثقها حتى أيار(مايو) من العام الحالي2010، بلغت 505 ما مثل انخفاضا بنسبة 19 % بالنسبة لـ 626 معيقا للحركة مسجلة حتى آذار (مارس)من العام الماضي 2009.
وأضاف التقرير" بالرغم من ذلك لم يطرأ أي تحسن ملموس على وصول الفلسطينيين إلى مناطق تقع خلف الجدار بما فيها القدس الشرقية.
وما زال وصول الفلسطينيين الذين يحملون بطاقات هوية الضفة الغربية، وحصلوا على تصريح دخول، إلى القدس الشرقية محصورا بثلاثة حواجز من مجمل الستة عشر حاجزا التي تقع على طول الجدار.
وكما هو الحال منذ عدة سنوات، يجعل الازدحام، وإجراءات التفتيش والإجراءات الأمنية المتعددة من الدخول إلى القدس الشرقية تجربة طويلة وصعبة".
وأشار التقرير إلى أنه " حتى نهاية الفترة التي شملها التقرير، اكتمل بناء ما يقارب 60% من الجدار؛ مع العلم أن 85% من مساره الكامل قائم على أراض داخل الضفة الفلسطينية، وهو مناقض للرأي الاستشاري الذي أصدرته محكمة العدل الدولية في تموز(يوليو) 2004"، مؤكدا توسيع نظام التصاريح المتعلق به والذي يقيد الوصول إلى المناطق المغلقة التي تقع خلف الجدار (منطقة التماس)، ما يصعب مهمة المزارعين في الوصول إلى المناطق الزراعية الواقعة خلف الجدار كما نوه إلى أنه " لم يلاحظ أي تحسن فيما يتعلق بالوصول إلى أراض زراعية أوسع بكثير في منطقة غور الأردن.
فالطرق المؤدية إلى غور الأردن ما زالت تحكمها أربعة حواجز دائمة تنفذ إجراءات رقابة مشددة، وتحظر وصول سيارات الفلسطينيين الخصوصية، باستثناء تلك التي تعود لسكان غور الأردن".
وكذلك الأمر لم يطرأ أي تحسن ـ أشار التقريرـ على الوصول إلى الأراضي الزراعية المجاورة للمستوطنات الإسرائيلية، وذلك نظرا للأسيجة التي نصبها المستوطنون حول تلك الأراضي، إضافة إلى عمليات التخويف التي ينفذها المستوطنون.
مؤكدا أنه "لا تزال المستوطنات الإسرائيلية وتوسعها المستمر أكثر العوامل تأثيراً في تشكيل نظام القيود المفروضة على إمكانية وصول وتنقل السكان الفلسطينيين".
وقدر التقرير بـ26% نسبة المناطق في الضفة الفلسطينية التي لا تسمح إسرائيل فيها لا بالتنمية ولا بالزراعة ولا بتربية المواشي لأسباب عسكرية أو لحماية الطبيعة.
واتى قرار الإعلان عن مواصلة الاستيطان في القدس والضفة في ظل تعثر سبل المفاوضات غير المباشرة بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل حيث كانت الفترة الوجيزة الماضية من عمر هذه المفاوضات حبلى بالاعتداءات الإسرائيلية بدءا من فرض قوانين عنصرية بحق الفلسطينيين مرورا بالاعتداءات المتكررة لجيش الاحتلال والمستوطنين وصولا إلى المجزرة الدموية بحق متضامني "أسطول الحرية"، والتي يسعى نتنياهو للهروب من تداعياتها تحت عنوان ما يسمى تخفيف الحصار عن قطاع غزة.
وعلى الأرجح إن نتنياهو سيضع ورقة الاستيطان وتداعياته أمام الرئيس الأميركي باراك أوباما في لقائهما المرتقب في السادس من الشهر القادم،ليحول أنظار الإدارة الأميركية بعيدا عن مسار المفاوضات غير المباشرة ، ولا شك بان نتنياهو يتقن فنون المواربة والمراوغة مع الإدارة الأميركية حيث اتضح ذلك بتأييد الإدارة الأميركية له عندما شكل لجنة "تيركل" للتحقيق حول مجزرة "أسطول الحرية" وكذلك ما سمي بإجراءات تخفيف الحصار عن قطاع غزة ، وبالتأكيد هذا يعبر عن عجز الإدارة الأميركية في كبح جماح الحكومة الإسرائيلية نحو مواصلة الاستيطان .
* اسلام تايمز- محمد ابوشريفه