العالم العربي يفقد أمله في اميركا بعد احداث تونس

الأحد ٢٣ يناير ٢٠١١
٠٣:٥٩ بتوقيت غرينتش
تخشى واشنطن أن يؤدي دعم الإصلاحات في منطقة الشرق الأوسط إلى وصول الحركات الإسلامية إلى السلطة، فمن دون إفساح المجال أمام نشوء الحركات السياسية المنبثقة عن الشعب، سيكون للحركات الاسلامية من أمثال "الإخوان المسلمين" في مصر النفوذ الأكبر بفضل شبكات الخدمات الاجتماعية التي يديرونها، وستحقق هذه الجماعات الفوز في أي استحقاق انتخابي حر، لذا يضطر الحكام الاستبداديون إلى ابتكار حيلة مناسبة لتجنب الانتخابات. يشعر العالم العربي بالفخر تجاه الانتفاضة الشعبية التي حصلت في تونس، ما دفع الرئيس زين العابدين بن علي إلى الهروب من البلاد في الأسبوع الماضي، بعد 23 عاماً على وجوده في الحك

تخشى واشنطن أن يؤدي دعم الإصلاحات في منطقة الشرق الأوسط إلى وصول الحركات الإسلامية إلى السلطة، فمن دون إفساح المجال أمام نشوء الحركات السياسية المنبثقة عن الشعب، سيكون للحركات الاسلامية من أمثال "الإخوان المسلمين" في مصر النفوذ الأكبر بفضل شبكات الخدمات الاجتماعية التي يديرونها، وستحقق هذه الجماعات الفوز في أي استحقاق انتخابي حر، لذا يضطر الحكام الاستبداديون إلى ابتكار حيلة مناسبة لتجنب الانتخابات.

 

يشعر العالم العربي بالفخر تجاه الانتفاضة الشعبية التي حصلت في تونس، ما دفع الرئيس زين العابدين بن علي إلى الهروب من البلاد في الأسبوع الماضي، بعد 23 عاماً على وجوده في الحكم.

 

ويتساءل الجميع الآن عما إذا كانت مبادرة التونسيين ستصبح مثالاً يُحتذى به للإطاحة بحكام دكتاتوريين آخرين في الشرق الأوسط.

في الأسابيع الأخيرة، انتشرت احتجاجات محدودة في الجزائر والأردن ومصر، حيث سئم الناس من ارتفاع أسعار الغذاء واستفحال البطالة والفساد الحكومي، لكن في حال استمرت الاحتجاجات في تلك البلدان، فستلجأ القوى الأمنية على الأرجح إلى أعمال عنف أكبر مما شاهدناه في تونس لقمع حركة التمرد.

 

لم يتضح بعد أيضاً نوع النظام السياسي الذي سينشأ نتيجة الثورة التي حصلت في تونس، ففي حال تولت شخصية عسكرية نافذة زمام الأمور باعتبارها "المنقذ" الذي سيعيد إرساء الأمن، أو في حال نجح عملاء بن علي في التمسك بالسلطة بعد زوال حالة الفوضى، عندها سيصبح احتمال حصول تغيير ثوري أقل جاذبية بالنسبة إلى العرب الآخرين.

 

لكن ما يتضح جلياً من "المثال التونسي" هو أن الشعب في الشرق الأوسط فقد كل أمل في أن تكون الولايات المتحدة قوة دافعة نحو إحداث تغيير ديمقراطي، فبعد نشوء الانتفاضة في تونس، التزمت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما الصمت حتى اليوم الذي هرب فيه بن علي من البلاد. عندها أدلى أوباما بتصريح يدين فيه استعمال أساليب العنف ضد المحتجين السلميين وهنأ التونسيين على "شجاعتهم وكرامتهم"، لكن كان الأوان قد فات على فعل ذلك: فقد كان الدكتاتور المدعوم من الولايات المتحدة قد رحل أصلاً، وهكذا ترسخت قناعة العالم العربي بأن واشنطن تفضل الاستقرار على الديمقراطية.

 

لقد ورثت إدارة أوباما عقوداً من السياسة الأميركية الداعمة للأنظمة الاستبدادية مقابل الخضوع السياسي، إذ تعتمد معظم الحكومات في الشرق الأوسط على وكالات سرية تابعة للشرطة للبقاء في الحكم، وهي تستعمل "الحرب على الإرهاب" كذريعة لإسكات المعارضة، تماماً كما فعل الرئيس التونسي الأسبق بن علي، وتوفر تلك الأنظمة غطاءً من الاستقرار الظاهري لمصلحة الغرب، بينما تكون أنظمتها السياسة هشة وفاسدة ومتحجرة.

 

في 13 يناير، أي قبل يوم من سقوط بن علي، ألقت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون محاضرة أمام مجموعة من القادة العرب الذين اجتمعوا في قطر لمناقشة ما تواجهه بلدانهم من خطر الانزلاق إلى متاهات مُهلِكة ما لم يُقدموا على إصلاح أنظمتهم السياسية والاقتصادية، فقالت كلينتون: "قد يتمكن كل من يتمسك بالوضع الراهن من كبح الآثار التي تعكسها مشاكل بلدانهم لفترة قصيرة، لكنهم لن ينجحوا في ذلك إلى الأبد... إذا لم يقدم القادة رؤية إيجابية ويمنحوا الشباب فرصاً مهمة للمشاركة فيها، فإن أطرافا أخرى ستأتي لسد هذا الفراغ".

 

سرعان ما ثبتت صحة كلمات كلينتون في اليوم التالي، ولكنها أغفلت عن ذكر أن معظم هؤلاء القادة كانوا حلفاء للولايات المتحدة، وسبق أن سمعوا الانتقادات عينها من المسؤولين الأميركيين مراراً وتكراراً.

 

في يونيو 2005، أعلنت وزيرة الخارجية الأميركية حينها كوندوليزا رايس أمام العالم أن الولايات المتحدة ستتوقف عن دعم الأنظمة القمعية باسم النفعية السياسية، فقالت في الجامعة الأميركية في القاهرة: "طوال 60 عاماً، لطالما سعت بلادي، الولايات المتحدة، إلى إرساء الاستقرار على حساب الديمقراطية في هذه المنطقة، لكننا لم نحقق أياً من الهدفين... ها نحن الآن نتخذ مساراً مختلفاً، نحن ندعم الطموحات الديمقراطية عند جميع الشعوب".

 

كانت هذه التناقضات الفادحة بين خطاب الولايات المتحدة وأفعالها هي التي قادت الشعوب في الشرق الأوسط إلى فقدان ثقتها بالولايات المتحدة وابتكار نظرية المؤامرة للتشكيك بنواياها. عندما تتابع الولايات المتحدة دعم الحكام الاستبداديين- مثلما هي الحال في مصر- ضد إرادة شعوبهم، عندها ستخسر واشنطن معظم نفوذها عند المطالبة بالإصلاح في أنظمة قمعية أخرى مثل إيران وسورية، كما أن تفضيل الاستقرار على القيم الديمقراطية سيعود ليطارد الولايات المتحدة على المدى الطويل.

 

إذا كان لدى الولايات المتحدة أي أمل في تعزيز النضج السياسي في العالم العربي، فعليها أن تدعم قيام نظام قضائي مستقل وصحافة حرة، وهما المؤسستان اللتان تعززان ازدهار الديمقراطية. قالت رايس نفسها في الخطاب الذي ألقته في عام 2005: "سيأتي اليوم الذي سيحلّ فيه حكم القانون مكان قوانين الطوارئ، وستُستبدل العدالة التعسفية بالقضاء المستقل. يجب أن تحصل جماعات المعارضة على حرية التجمع والمشاركة والتحدث في وسائل الإعلام". لكن لم تحصل أي خطوة عملية بعد ذلك الخطاب.

 

تبنى أوباما نفسه مقاربة ترويج الديمقراطية في خطابه الشهير الذي وجهه إلى العالم الإسلامي، في يونيو 2009، غير أن أوباما اختار إلقاء خطابه في مصر التي يحكمها أحد أبرز الأنظمة القمعية في الشرق الأوسط. تولّى مبارك الحكم منذ عام 1981 بموجب قانون الطوارئ الذي سمح له بسجن آلاف المعارضين من دون اتهامهم أو محاكمتهم، وبقمع النشاطات السياسية السلمية. يتلقّى نظام مبارك ما يقارب 1.8 مليار دولار سنوياً على شكل مساعدات أميركية، ما يجعله ثاني أهم مستفيد من المساعدات الخارجية الأميركية بعد إسرائيل (من دون احتساب الإنفاق الأميركي على حربي العراق وأفغانستان).

 

منذ إلقاء ذلك الخطاب، امتنعت الإدارة الأميركية عن ذكر أي شيء بشأن نشر الديمقراطية وأبدت تردداً في انتقاد حلفاء الولايات المتحدة الذين يفتقرون إلى المثل العليا التي تحدث عنها أوباما ببلاغة شديدة. كذلك، أعاقت الإدارة الأميركية تهديدات الكونغرس بربط المساعدات الأميركية المستقبلية بالإصلاح الديمقراطي أو تحسن سجل مصر في مجال حقوق الإنسان.

 

مع نشوء الثورة التونسية، فوّت أوباما فرصة إثبات قدرته أمام العالم العربي على تحويل كلماته المتكلفة إلى إنجازات ملموسة. يجب أن يستغل الفرصة المقبلة لإظهار الولايات المتحدة بصورة القوة المتعاطفة، أو البلد الذي يدافع عن المستضعفين ولا يسامح أعمال القمع.

 

 

محمد البازي .. أستاذ في الصحافة في جامعة نيويورك ومساعد أحد كبار المسؤولين عن دراسات الشرق الأوسط في مجلس العلاقات الخارجية الاميركي.

كلمات دليلية
0% ...

آخرالاخبار

العميد فدوي: وحدة الكلمة سرّ صمود إيران في الحرب العسكرية والاقتصادية


بلومبرغ عن مارك روته الأمين العام للناتو: لا أعتقد أن يخرج أحد من الحرب الروسية الأوكرانية منتصرا


آيزنكوت يتفوق على نتنياهو بـ67 تزكية لتشكيل الحكومة


قوات الاحتلال تداهم منزلاً خلال اقتحام مخيم عسكر الجديد شرق نابلس


الاعلام السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في منطقة نجران للتحذير من خطر محتمل


الرئيس الصهیونی يحدد موعد الإعلان عن اسم الشخصية المكلّفة بتشكيل الحكومة المقبلة


وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو لنيويورك تايمز: لا أخطط لمغادرة منصبي في إدارة ترمب


"يونيفيل": نواصل مهامنا في جنوب لبنان حتى انتهاء ولايتنا بنهاية العام الجاري


رئيس المنظمة الايرانية للحج والزيارة يبدأ زيارة الى السعودية بدعوة من نظيره السعودي


إسلامي: تهديد ترامب بشن هجوم على جبل كلنج دليل على العجز


الأكثر مشاهدة

القناة 13 "الإسرائيلية": هزيمة تاريخية لترامب في انتخابات التجديد النصفي وتداعيات خطيرة على "إسرائيل"


مصادر إعلامية: صفقة ترامب مع روسيا بشأن وقود الديزل تتوقف بسبب انخفاض مخزونات الوقود الأمريكية إلى أدنى مستوى لها منذ 20 عامًا


اعلام ألماني: العثور على وزير الاقتصاد بافاريا أيفانغر ميتا في أحد فنادق برلين


مصادر لبنانية: غارة لطيران العدو الإسرائيلي تستهدف المنطقة الواقعة بين بلدتي مركبا وطلوسة في جنوب لبنان


عراقجي يؤكد على تعزيز العلاقات بين إيران وبولندا


أكسيوس: زعيم الديمقراطيين بمجلس النواب حكيم جيفريز يعلن ترشحه لرئاسة المجلس في رسالة وجهها إلى زملائه


وكالة أنباء كوريا الشمالية: تجربة إطلاق ناجحة لمنظومة صواريخ متطورة للدفاع الجوي


الصحة اليمنية: استشهاد 7 مدنيين بينهم طفلان وإصابة 6 أطفال بجراح من جراء استهداف الطائرات السعودية منزلا غربي تعز


بقائي يرد على تصريحات وزير الخارجية الألماني


مصادر فلسطينية: تجدد المواجهات في بلدة "سلواد" شمال شرق رام الله، والاحتلال يُطلق قنابل الغاز


زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ الأميركي شاك شومر: الحرب على إيران يجب أن تنتهي وسنحاصر ترمب تشريعيا إذا لم يمتثل لإرادة الشعب