ففي ليلة جمعة الغضب الثانية وبينما إنشغلت قوى الثورة المصرية في الحشد لهذا اليوم التاريخي "الثورة الثانية"، بدأ على الجانب الأخر من البحر المتوسط أول الخطوات الجادة من قادة اكبر الدول الرأسمالية في العالم للسيطرة على مسار الثورات العربية التي فاجأت وأربكت هؤلاء القادة الذين كانوا أنفسهم الأصدقاء الداعمين لنظامي مبارك وبن علي في الماضي القريب فبدأوا سريعا في وضع خططهم لضمان إستمرار الإستعمار الإقتصادي وحماية مصالحهم في المنطقة.
وقمة الثمانية هي تجمع يضم حكومات ثماني دول إقتصادية عظمى هي فرنسا وإيطاليا وألمانيا وإنجلترا واليابان وأمريكا وكندا وروسيا بالإضافة للإتحاد الأوروبي يلتقي قادتها كل عام في أحد دولها بشكل دوري وتقرر تلك الدول مسار الإقتصاد العالمي عبر سياسات الإقراض والتجارة لمختلف دول العالم.
وقد إحتفل الإعلام الرسمي وشبه الرسمي بإعلان البيان الختامي للقمة عن دعم مصر وتونس ب 40 مليار دولار خلال العامين أو الثلاثة القادمين مقسمين كالتالي: نصف المبلغ 20 مليار قروض من بنوك تنموية والنصف الأخر تتكفل دول القمة الثماني بثمانية مليارات والباقي تقدمه دول مجلس التعاون في الخليج الفارسي!!!.
وهكذا تظهر فجأه ثورية البنك الدولي ومجلس التعاون وأوباما وساركوزي وبيرلسكوني ورفاقهم وهم يحيطون بعصام شرف وعمرو موسى في مشهد قدمه الإعلام المصري بإعتباره إنتصار للثورة وليس سرقة لها.
فهؤلاء السادة الذين أجتمعوا في مدينة هي بالصدفة عاصمة القمار في أوروبا قرروا أن يرهنوا مستقبل الشعب المصري بقروض غير حسنة النية تهدف لتعميق تبعية الإقتصاد المصري للرأسمالية العالمية عبر الإلتزام بتوصيات البنك الدولي التي كان الإسراع في تنفيذها ونتائجها سببا مباشرا في معاناة المصريين الإقتصادية والإجتماعية والثورة على نظام مبارك.
فقد أدى تطبيق تلك التوصيات في مصر إلى فوضى الخصخصة وبيع القطاع العام ونهبه وتقديم تنازلات مهينة للمستثمرين المصريين والأجانب وكذلك قطع أرزاق ملايين العاملين إما بتمثيلية المعاش المبكر أو بتصفية العمالة المؤقتة وزيادة معدلات البطالة التي تعتبرها الرأسمالية ضرورة للسيطرة على سوق العمل والتنازل عن حقوق العمال مما أدى لموجة الإحتجاجات العمالية الأعظم في تاريخ مصر والتي بدأت من .2006
يتحدث قادة الدول العظمى - أو بمعنى أدق قوى الإستعمار الجديد - عن دعم التحول الديمقراطي في مصر وتونس بعد الثورة ولكن تفضحهم تصريحات توني بلير رئيس وزراء بريطانيا السابق على هامش المؤتمر حين أوصى بضرورة أن يكون "التحول الديمقراطي مسيطرا عليه وخادما للمصالح الغربية لا متصادما معها" كما أكد نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن إنه "أكثر قلقا بشأن مصر ويتعلق القلق هنا بإسرائيل والخوف من احتمال أن تقدم حكومة ديمقراطية خارجة عن نطاق السيطرة علي الغاء معاهدة السلام"
لقد علمتنا سنوات التبعية للنظام العالمي الجديد أن تلك القروض يتم الإنفاق منها على كل ما لا يسمح بالإستقلال الاقتصادي والانفصال عن التبعية للرأسمالية العالمية وما نأخذه باليمين نسدد أضعافه من دمائنا باليسار فالهدف أيها المهللين للقروض ليس إلا إحكام السيطرة على الثورة وضمان سيرها في الإطار المحدد والتلويح لكل الثورات العربية بالجزرة أو العصا.
ولدينا ثلاثة أسئلة أخيرة: الأول للقادة الاعظم للإقتصاد العالمي، لماذا لا تعيدوا لمصر الأموال والأصول والصناديق السيادية المجمدة لديكم والمقدرة بالمليارات والتي تخص مبارك وأسرته ورموز نظامه الفاسد إذا كنتم تدعمون الديمقراطية بحق.
والثاني للسادة عصام شرف وعمرو موسى، إذا كان الأول رئيسا لحكومة إنتقالية "تصريف أعمال" لن يطول عمرها أكثر من عدة شهور والثاني مرشح محتمل للرئاسة فمن أعطاهم الحق لعقد إتفاقات للشراكة طويلة الأمد وقبول قروض بهذا الحجم تثقل كاهل الأجيال القادمة وذلك دون أي تفويض شعبي ودون مناقشة العديد من خيارات التنمية المستقلة الرافضة للتبعية.
والثالث لكل من ثار أو حتى ساند الثورة، هل كانت دماء الشهداء والجرحى ثمنا للإستقلال الوطني والعدالة الإجتماعية أم لمزيد من القروض والتبعية والركوع للغرب؟
*خالد عبد الشهيد