كان البيت الأبيض يأمل قضاء نهاية هذا الأسبوع في رسم السياسة الاقتصادية الجديدة. وبدلا من ذلك تطلبت وحشية جريمة أريزونا كل انتباهه. إن المضامين السياسية للجرائم ليست واضحة، وكان يمكن أن تتحرك البلاد على نحو عاطفي خلال أيام قليلة.
غير أنه بعد إطلاق النار مباشرة، بدت الانقسامات السياسية الأميركية قادرة على أن تصبح أشد غصبا مما كانت عليه. ومن المتوقع أن ذلك يمكن أن يعقد التعديل الذي يدرسه أوباما لاتجاه رئاسته. بلغ أوباما وحزبه نقطة حرجة، وإذا لم يخطط للتعيينات التي أعلنها أوباما في الأسبوع الماضي لعدد من كبار موظفي البيت الأبيض، بأن تكون إهانة للديمقراطيين التقدميين، فإنها بالفعل كذلك. ولدى وليم دالي الذي خلف رام إيمانويل كبيرا لموظفي البيت الأبيض، وجين سبيرلنج التي خلف لاري سومرز كرئيس للمجلس الاقتصادي الوطني، من المؤهلات بما يكفي لإثارة الاشمئزاز من جانب أي شخص له ميول يسارية. إن المعينين الجدد ليسوا جمهوريين، وذلك كل ما يمكن لتقدمي أن يقوله دفاعا عنهم.
سبق لدالي أن كان وزيرا للتجارة أيام كلينتون، وكان بطل اتفاقية التجارة الحرة الأميركية الشمالية، وأما خلال الفترة الأخيرة، فكان عضوا في جماعة الطريق الثالث التي هي جماعة وسطية ديمقراطية تسببت في مزيد من حالات الغضب. وأما سبيرلنج، فكان مهندس سياسة التثليث الكلينتونية – وتعني الخيانة – كما أنه صقر مالي معروف؛ ولإكمال سيرة حياة لديمقراطيين جدد، فقد سبق توظيف الرجلين من جانب البنوك برواتب مرتفعة. لذلك، نجد إحدى النظريات بأن الرئيس كان يعكس هزيمة الديمقراطيين في انتخابات منتصف الفترة، حيث قرر في النهاية تقليد بيل كلينتون، وتوقف عن الاهتمام بما يفكره به اليسار، كما أنه سيدخل حالة من السلام مع شركات الولايات المتحدة، ويعقد الصفقات مع الجمهوريين، ويكثف الدعاية لإعادة انتخابه في 2012، ويتوجه إلى أميركا الوسطية. قد يمثل هذا الأمر خطة ممتازة، لكنه لغاية الآن ما زال مجرد نظرية.
لنتذكر أن إيمانويل كان خائنا في نظر التقدميين، حيث نصح ضد برنامج الرعاية الصحية، بينما كان الاقتصاد ضعيفا. وأما سومرز، فكان محافظا ماليا، وكان يؤيد اتفاقية التجارة الحرة الأميركية الشمالية، وكان وزير خزانة سابقا أيام كلينتون، كما أنه خريج المدرسة الفكرية لوول ستريت. وبالتالي، فإن الفريق الجديد، من بعض النواحي، لا يختلف كثيرا عن الفريق القديم. إذا نحينا الجانب الأيديولوجي، فقد كانت هنالك أسباب أخرى لاختيار دالي وسبيرلنج، حيث إنهما مديران سياسيان فعالان. وهما كذلك ذكيان، ومنخرطان في عملهما، ومحبوبان. ويضاف إلى ذلك أن علاقتيهما جيدة مع الصحافة. وهذا يعني أن هذه الخصائص قيمة بخصوص أي اتجاه يريد أن يتجه إليه أوباما.
من المؤكد أن الرئيس اقتنع بفكرة أنه حتى يفوز في انتخابات عام 2012، فإن عليه أن يتوقف عن الارتجاف، والتوجه نحو اليسار. ولكن الأمر الرئيس هو أن هذه التعيينات لن يكون بإمكانها، وحدها، إصلاح الخطأ الذي وقع فيه الرئيس لغاية الآن: محاولة الفوز بكل شيء. والحقيقة هي أن هذه التعيينات الجديدة قد تكون أمثلة إضافية على تلك المتلازمة. لقد جعلت استراتيجية أوباما لغاية الآن، الحصول على أقل مما أراده، فضيلة. كان يأمل بأن يحترم أنصار اليسار مبادئه، وأن يحب المعتدلون جانبه العملي. غير أنه تبين أن أنصار اليسار يحتقرون جانبه العملي، بينما يخاف المعتدلون من مبادئه. وبدلا من أن يكون وسطيا مترددا، فإنه في حاجة إلى أن يكون وسطيا من خلال الإقناع، وإذا لم يكن يعني ذلك، فإن من الأفضل له تزييفه. إن هذا الأمر ليس مجرد ضرورة تكتيكية لانتخابات 2012. وبما أن الجمهوريين يسيطرون في الوقت الراهن على مجلس النواب، فإن إعادة الاقتصاد الأميركي إلى مساره الصحيح – وهو أمر لا يمكنه الانتظار لفترة عامين – يتطلب النهج ذاته.
ولا يستطيع الرئيس أوباما انتظار الآخرين لكي يواجهوا التحدي المالي طويل الأجل الذي تعيشه البلاد، وعليه أن يعمل مع فريقه على إعداد خطة، لترويجها لاحقا. إذا كان الرئيس يأمل بأن اقتصادا متحسنا يمكن أن يمنحه فسحة للتنفس، فقد يكون في حاجة إلى إعادة التفكير بالأمر. كانت أرقام البطالة في الأسبوع الماضي سيئة. وامتدح أوباما تراجع معدل البطالة الرئيس من 9.8 في المائة إلى 9.4 في المائة. ولكن تقف تحت ذلك زيادة في عدد العمال المحبطين خارج نطاق القوى العاملة، ويعمل الاقتصاد على توفير الوظائف بوتيرة بطيئة للغاية لمواكبة النمو السكاني، ناهيك عن محاولة استعادة التشغيل الكامل. قال بن برنانكي، رئيس الاحتياطي، للكونجرس: إن الأمر قد يستغرق خمس سنوات لكي تعود سوق العمل إلى وضعها الطبيعي. إن مسألة النمو الراكد تعقد المشكلة التي تخيم على السياسة الاقتصادية: إنها تزيد من الحاجة إلى راحة مالية قصيرة الأجل، بينما تعمل على زيادة وضع الصورة طويلة الأجل، سوءا.
يعد أوباما وفريقه بالتركيز على الاقتصاد، حيث إن علاقات أفضل مع النشاطات العملية تعتبر أولوية واضحة. وأما على صعيد توليد الوظائف، فإن الأمر لا يرقى إلى الكثير من الإنجازات، باستثناء مبادرات صغيرة. إن القضية الفعلية والأشد صعوبة هي الاستراتيجية المالية. المحافظة على انسجام مالي في هذه السنة، والسنة المقبلة يتطلب التزاما ذا صدقية بالتشدد الإنفاقي لاحقا، ومن السهل تصور ذلك. غير أن من الصعب للغاية فعله. وأيا كان معنى التركيز الجديد على الاقتصاد، فإنه ليس بالأمر الكافي. الأمر كالتالي: هل سيجرؤ أوباما وفريقه، على أن يكونوا شجعان؟ وهل سيقترحون في خطاب حالة الأمة، في أواخر الشهر الحالي، ثم عند الموازنة، تعاونا شاملا وضروريا بين الحزبين بخصوص الإصلاح الضريبي ومخصصات التخويل، كما أوصت بذلك لجنة باولز – سمبسون المالية؟ إنني متأكد من أن دالي وسبيرلنج يريان الكثير مما يحبانه في الاستنتاجات التي توصلت إليها لجنة طعام القطة، كما يسميها التقدميون. ومن الجانب الآخر، نجد أن أوباما يرى شرخا دائما، وغير قابل للإصلاح في علاقته مع من كانوا في يوم من الأيام أصدقاءه وحلفاءه.
* فاينانشال تايمز- كلايف كروك