سارعت فرنسا التي وجدت نفسها في موقف حرج لحماية وضعها بوصفها القوة الغربية المهيمنة في منطقة المغرب العربي بعد أن تخلت في اللحظة الأخيرة عن الرئيس التونسي زين العابدين بن علي الذي حكم تونس بقبضة من حديد تمتع خلالها بمساندة باريس.
وفوجئت باريس بالسرعة التي تنامت بها الاحتجاجات التي أسقطت بن علي حليفها لأسباب اقتصادية ولأن قمعه للإسلاميين المتشددين وفر لفرنسا ما اعتبرته حائط صد ضد الأصولية.
وفور ان رأت الجيش التونسي والمؤسسات تأخذ صف الشعب ضد الرئيس تخلت فرنسا عن بن علي فجأة حفاظا على مصالحها الاقتصادية في مستعمرتها السابقة ولقلقها من قيام التونسيين الذين يعيشون فيها برد فعل عنيف اذا استقبلته كلاجيء.
لكن تعاملها مع الأزمة الذي افتقر الى البراعة ووقوفها وراء بن علي حتى اللحظة الأخيرة ثم تخليها عنه فجأة يثير تساؤلات حول مدى معرفة الرئيس نيكولا ساركوزي وبقية النخبة السياسية بالمزاج الشعبي في المستعمرات الفرنسية السابقة.
وحمل مشارك في احدى المسيرات في شارع بباريس مطلع هذا الأسبوع لافتة كتب عليها "بن علي قاتل... ساركوزي شريك."
ولخص سعد جبار وهو محام ومحلل سياسي جزائري يعيش في لندن التحدي الذي يواجه فرنسا الآن والتي خاضت حربين ضد استقلال تونس والجزائر وكانت الأخيرة صراعا مريرا دام ثمانية أعوام ولا تزال تعكر صفو العلاقات الثنائية.
وقال جبار "رسالتنا لفرنسا هي أنكم جعلتم الأجيال القديمة في المغرب (العربي) تكرهكم لأنكم قاومتم استقلالهم. لا تسمحوا للجيل الجديد أن يكرهكم بالوقوف ضد حريته الآن."
وقال كريم اميل بيطار الباحث في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية والاستراتيجية إن فرنسا لم يكن امامها خيار سوى التخلي عن بن علي لأنها أدركت أن قاعدة دعمه انهارت وأضاف "إنه الجدل القديم بين الواقعية السياسية وحقوق الانسان."
ويقول محللون إن أفضل ما تفعله فرنسا وغيرها من القوى الغربية هو أن تعيد النظر في الدعم للحكام العرب المستبدين لأن الشبان العرب العاطلين المتعطشين لأن يسمع أحد أصواتهم سيحاولون محاكاة المتظاهرين التونسيين.
وقال بيطار "من المرجح أن تحث فرنسا الآن كل هذه الأنظمة على بدء تطبيق الإصلاحات التقدمية التي يطالب بها الناس وتحذرها من أنها اذا لم تفعل فهي تجازف بأن يتم الإطاحة بها ايضا."
وقال اكسل بونياتوفسكي عضو حزب الاتحاد من أجل الحركة الشعبية الحاكم ورئيس لجنة الشؤون الخارجية في الجمعية الوطنية " حدث تحول... منذ انتخاب بن علي لولاية جديدة في المرة الأخيرة وهو ما لم تقدره فرنسا بشكل كامل على الأرجح."
وتقول فرنسا انها جلست في مقاعد المتفرجين في الوقت الذي اكتسبت فيه احتجاجات تونس زخما حتى لا تتهم بالتدخل لكن عرض وزيرة الخارجية ميشيل اليو ماري في الأسبوع الماضي مساعدة تونس في أساليب السيطرة على الحشود أثار عاصفة من الاحتجاجات في البرلمان الفرنسي.
وبعد ذلك بيومين ومتى أقلعت طائرة بن علي أعلنت فرنسا بوضوح أنها لا ترحب به على أراضيها.
وقال المحلل السياسي كريستيان بوكيه خبير شؤون شمال افريقيا واستاذ الجغرافيا السياسية بجامعة بوردو "فجأة حين أقلت الطائرة بن علي غيرنا اتجاهنا."
وأضاف "بلا شك كان هناك إدراك قوي لمسألة أن موقف فرنسا الأول سيضعها في مأزق كبير."
ووقعت فرنسا لفترة طويلة تحت ضغط لتبتعد عن ماض دعمت فيه الحكام المستبدين في مستعمراتها السابقة لتحمي مصالحها المالية ونفوذها.
غير أن دعم فرنسا لم يتذبذب مع تونس العلمانية واستمر موقف بن علي المناهض للإسلاميين في زيادة معجبيه في باريس على الرغم من أنه موقف مضلل لأنه كان يضع الإسلاميين التونسيين المعتدلين ومتشددي القاعدة الذين يتبنون العنف في كفة واحدة.
وكانت مواصلة الدعم والسماح له بدخول فرنسا ستكون كارثة ليس بالنسبة لمستقبل تدفق رأس المال بين البلدين وحسب بل ايضا بالنسبة لاستقرار فرنسا.
وقال بيطار "التونسيون في فرنسا كانوا غاضبين بالفعل... ما كانوا سيقبلون بوجوده هنا. كانوا سيحتجون امام مقر إقامته".