عاجل:

الحكم مدى الحياة بحيل دستورية ومصائر الرؤساء

الخميس ٢٠ يناير ٢٠١١
٠٩:٤٤ بتوقيت غرينتش
فى آخر خطاب له وجهه لشعبه بصفته رئيسا للبلاد أجهش الرئيس البرازيلى السابق لولا دا سيلفا بالبكاء ثلاث مرات. لم يكن بكاؤه حزنا على فراق السلطة، فقد كان يستطيع بآليات دستورية بسيطة أن يمد ولايته إلى أمد غير معلوم معتمدا على شعبيته الجارفة.

فى آخر خطاب له وجهه لشعبه بصفته رئيسا للبلاد أجهش الرئيس البرازيلى السابق لولا دا سيلفا بالبكاء ثلاث مرات. لم يكن بكاؤه حزنا على فراق السلطة، فقد كان يستطيع بآليات دستورية بسيطة أن يمد ولايته إلى أمد غير معلوم معتمدا على شعبيته الجارفة.

 

لكنه آمن بالدستور والمؤسسات المنبثقة عنه، ورشح خليفة له من حزبه فازت بمقعد الرئاسة. فيم كان بكاء الرئيس إذن؟ بكى مرة وهو يستحضر ذكريات نشأته طفلا فقيرا، ثم بكى ثانية عندما عبر شاعر من سكان المنطقة التى كان يلقى فيها خطابه عن عرفانه بجميل «رئيس الأراضى البرازيلية الذى حظى بأكبر قدر من المحبة». أخيرا بكى لولا دا سيلفا حينما استحضر ذكرى فوزه فى الانتخابات الرئاسية عام2002 بعد ثلاث هزائم متتالية فى 1989 و1994 و1998.

 

قال دا سيلفا فى هذا الصدد: «خسرت لأن جزءا من الفقراء لم تكن لديهم ثقة فىّ»، وحكى كيف أن امرأة فقيرة قالت له يوما «لم أصوّت لك لأنك ستأخذ كل ما أملك»، وكيف أنه أخبر زوجته بأنه خائف لأن الناس الذين يريد مساعدتهم يخافون منه، فنصحته بتكرار المحاولة لأنه محقق غايته يوما، وقد كان. ختم دا سيلفا خطابه بأحلى القول: «أنا أغادر الرئاسة، لكن لا تعتقدوا أنكم ستتخلصون منى، لأننى سأكون فى شوارع هذا البلد للمساعدة فى حل مشكلات البرازيل».

 

فى الدول الليبرالية الحقة حيث تسود المؤسسية وثقافة الديمقراطية وتنطق الدساتير بهذا كله يجلس الرئيس على مقعد السلطة وهو يعلم أنه لابد تاركه بعد عدد معين من السنوات، وقد يدخل السلطة شابا ويتركها وهو فى ذروة العطاء.

 

لا يهم. فالعطاء ليس فقط أن تحكم بلدك، وإنما أن تسخر لها كل طاقاتك، وهذا هو المعنى الذى قصده دا سيلفا، والذى نراه مجسدا فى نشاط رئيسين سابقين للولايات المتحدة هما جيمى كارتر وبيل كلينتون، والبقية تأتى. بل إنه حتى فى دولة ناقصة الديمقراطية مثل روسيا فإن رئيسها السابق فلاديمير بوتين لم يحاول ــ على الرغم من أنه كان يمتلك المساندة الشعبية ــ أن يتلاعب بنص الدستور لتمديد رئاسته، وإنما فضّل أن يبحث عن «محلل» يعود بعده إلى السلطة، ووجد ضالته فى تولى منصب رئاسة الوزراء طيلة مدة حكم خليفته ميدفيديف.

 

لكن الصورة فى العالم الثالث تختلف إلى حد بغيض، فعديد من رؤساء البلدان التى تنتمى إلى هذا العالم تتملك منه شهوة السلطة والبقاء فيها، ولا يدرى المرء أيرجع ذلك إلى «اعتبارات نفسية» تجعل ممارسة السلطة أمرا أثيرا؟ أم أنها تعود إلى أن السلطة خير سنارة لاصطياد الثروة؟ أم أن الدائرة الضيقة التى تحيط بالرؤساء هى التى تزين لهم ذلك حفاظا على مصالح اكتسبتها؟ أم أن الأمر يمكن أن يكون مزيجا من هذا كله أو بعضه؟ لكن النتيجة واحدة: ضرورة الحفاظ على السلطة بأى ثمن.

 

تتعدد آليات الحفاظ على السلطة من بلد لآخر، غير أنه من الممكن تصنيفها فى شرائح. هناك أولا من يلجأ إلى إجراء التعديلات الدستورية والتشريعية اللازمة لبقاء الرئيس فى السلطة مدى الحياة، ولنتصور أن يكون رئيس أحد البلاد من المعمرين حتى يقترب عمره من المائة عام أو يتجاوزها، فكيف يكون الوضع إذن؟ تبدو تونس مثالا واضحا عندما أعطت مؤسسات الحكم القائمة آنذاك الحبيب بورقيبة ــ بطل التحرير التونسى ــ حق البقاء فى السلطة مدى الحياة، وظل الرجل يحكم ولو صوريا إلى أن تقدمت به السن إلى الحد الذى بات غير قادر معه على توقيع وثيقة إلا بشق الأنفس، وعاجزا عن السير إلا محمولا إلى أن ظهر رئيس وزرائه زين العابدين بن على الذى حصل على تقرير طبى يفيد بعجز بورقيبة عن ممارسة مهامه، وأزاحه عن السلطة ليحل هو محله فى إثبات ظاهر لعقم فكرة الحكم مدى الحياة. وظن الكثيرون حينذاك أن الرئيس الجديد سوف يتعلم الدرس، لكن شهوة السلطة استمرت.

 

وهناك من الدول من يقترب من الآلية السابقة (الحكم مدى الحياة) ولكن بطريقة يطلق عليها المصريون مصطلح «الدلع الماسخ»، فكازاخستان التى انسلخت عن الاتحاد السوفييتى فى 1991 وتولى رئاستها منذ ذلك الوقت نزار باييف شهدت مؤخرا لعبة سخيفة مؤداها إجراء استفتاء وافق عليه البرلمان بالإجماع يلغى عمليتى الانتخابات الرئاسية المقررتين فى عامى 2012 و2017 بما يمدد سلطة باييف عمليا إلى عام 2020، ويسارع الرئيس «الديمقراطى» إلى الاعتراض رسميا على إجراء الاستفتاء، لكن البرلمان ــ الذى لا يعارض الرئيس أبدا ــ لا يتردد فى الاعتراض على اعتراضه، ويصدِّق مجددا على إجراء الاستفتاء.

 

لكن بعض نظم الحكم يريح نفسه من هذه المهاترات فتقرر مؤسساته بداية إلغاء أى قيود على المدد الرئاسية، فإذا كانت محددة فى الدستور بمدتين مثلا استبدل بهذا التحديد نص دستورى جديد يجيز تولى الرئاسة «لمدد أخرى»، ومن المؤسف أن بعض المثقفين لا يرى ضيرا فى هذا طالما أنه يتم وفق انتخابات «حرة»، وهذه هى المعضلة. ومن نظم الحكم فى هذه الشريحة من «يتفذلك» فى الأخذ بها، فتعمد مؤسساته إلى إجراء تعديل دستورى فى مدد الرئاسة أو زمن كل مدة وغير ذلك كلما شارفت مدة ولاية الرئيس على الانتهاء، بحيث نكون إزاء وضع دستورى جديد يمكن الرئيس من الاستمرار فى سلطته على أساس أننا نبدأ بداية جديدة.

 

غير أن أطرف الآليات فى هذا الصدد وأكثرها مأساوية أن تجرى الانتخابات الرئاسية ويتم تجاهل نتائجها كما حدث مؤخرا فى كوت ديفوار، فقد أعلنت اللجنة الانتخابية المستقلة فوز الحسن وتارا مرشح المعارضة فى الانتخابات الرئاسية بنسبة 54.1% من الأصوات فى حين أعلن المجلس الدستورى فوز الرئيس المنتهية ولايته لوران جباجبو بنسبة 51.45% من الأصوات، ومن ذلك الوقت رفض جباجبو مغادرة مقعد السلطة الذى يبدو أنه قد التصق به على الرغم من كل الوساطات الأفريقية والتهديدات الغربية والدولية.

 

يبقى أخيرا مثل الساعة من تونس، فقد كان الرئيس السابق زين العابدين بن على يحاول تخليد سلطته «بالقطارة»، وكانت كل المؤشرات تفيد بأنه سيكون المرشح الفائز فى الانتخابات الرئاسية 2014، وأن الجهود جارية لإزالة كل العقبات الدستورية التى يمكن أن تعترض هذا، لكن الرياح أتت بما لا تشتهى السفن، وتفجرت ثورة الشارع التونسى، واضطر بن على فى واحدة من أغرب محاولات رئيس تهدئة شعبه أن يعد بأنه لن يرشح نفسه فى انتخابات 2014، وكأنه يعترف ضمنا بأنه السبب الأصيل فى ثورة التونسيين الذين لم ينخدعوا، وواصلوا ثورتهم حتى غادر بن على البلاد على أمل أن يعود لاحقا وفقا للتكييف الدستورى الذى أعلن آنذاك، ومفاده أن الرئيس لا يتمكن «لاعتبارات وقتية» من ممارسة مهامه، وبالتالى فإن الوزير الأول سوف يتولى المنصب بصفة «وقتية»، غير أن الشعب التونسى ومن ورائه فقهاؤه الدستوريون أبطلوا هذا التكييف، فأعلن فى اليوم التالى شغور منصب الرئيس.

 

من الغريب أن تونس وحدها ــ ذلك البلد الصغير الجميل المضياف صاحب الحضارة ــ قد أسقطت أسلوبين من أساليب تخليد السلطة: الحكم مدى الحياة بقرار صريح أو بتحايلات دستورية: مرة بالعزل وأخرى بالهروب. فهل يتأمل الرؤساء المخلدون الآن مصائرهم يا ترى؟ أتراهم يفكرون فى الأمر بطريقة أكثر رشادة، أم أن شهوة السلطة سوف تغلبهم إلى أن يلاقوا المصير نفسه؟

*أحمد يوسف أحمد

كلمات دليلية
0% ...

آخرالاخبار

حرس الثورة: أمريكا وكيان الاحتلال سيرضخان لواقع منطقة خالية من وجودهما


صنعاء تعلن عن عدوان سعودي كبير على محافظات يمنية وتؤكد أنه لن يمر دون رد


استطلاع رأي "رويترز ايبسوس": 17% فقط من الأميركيين يؤيدون طريقة تعامل ترامب مع تكاليف المعيشة


الخارجية القطرية: أي اتفاق بين واشنطن وطهران لن يكون نهائيا بل سيكون كافيا لبدء التفاوض


المتحدث باسم الخارجية القطرية: نحن بحاجة إلى حل دبلوماسي مستدام يحقق الضمانات الأمنية لكل دول المنطقة


المتحدث باسم الخارجية القطرية: نسعى إلى تسهيل اتفاق بين واشنطن وطهران حتى لو قصير الأمد ليفتح الباب لمفاوضات


حرس الثورة: العدو بعد فشله في المجال العسكري، لجأ إلى حروب هجينة ونفسية واقتصادية وإعلامية


حرس الثورة: القوات المسلحة على أهبة الاستعداد للرد بحزم وبشكل مدمر على أي اعتداء أو خطأ في حسابات العدو


حرس الثورة: على أمريكا والنظام الصهيوني أن يدركا أن عليهما، عاجلًا أم آجلًا، القبول بمنطقة خالية من وجودهما الخبيث والإجرامي، وأنهما لن يتمكنا من الإفلات من هذا المصير


وزير الداخلية الباكستاني لبزشكيان: عازمون على مواصلة تطوير وتعزيز العلاقات والتعاون بين البلدين في مختلف المجالات


الأكثر مشاهدة

نفاد الوقود يهدد مستشفيات غزة بالشلل ويهدد حياة المرضى


تقدم يمني متسارع يربك القوات المدعومة سعودياً في تعز ولحج


ترامب يصعّد ضد إيران و"إسرائيل"تترقّب ساعة المواجهة


اللواء رضائي: لا خيار أمام أمريكا سوى قبول شروط إيران


قوات الاحتلال تجري عمليات نسف في المناطق الشرقية لمدينة غزة


آليات الاحتلال تطلق النار شمال مدينة بيت لاهيا شمال غربي قطاع غزة


مصادر محلية: مستوطنون يقتحمون قرية "عورتا" جنوب نابلس، ويؤدون طقوساً تلمودية في مقام "العزير".


‏السفارة الأميركية في القدس المحتلة تحذّر مواطنيها في الكيان من احتمال إغلاق المجال الجوي، وفرض قيود، على خلفية تصاعد التوترات في المنطقة


مع اقتراب عيد "الغفران" اليهودي.. دعواتٌ فلسطينية للحشد والرباط في المسجد الأقصى المبارك، للتصدي لاقتحامات المستوطنين وإفشال مخططات الاحتلال


مصادر فلسطينية: قوات الاحتلال تقتحم بلدة قباطية جنوب جنين


الشيخ قاسم: الصمود في مواجهة الاحتلال ومنع تحقيق أهدافه هو انتصار