يعيش الشعب العربي هذه الأيام ، ذكرى مأساة ما يسمى النكسة ، والتي أتمت فيها دولة الاحتلال ما تبقي من فلسطين، وأضافت إليها هضبة الجولان السورية ، وشبه جزيرة سيناء المصرية، حيث يعيش الفلسطينيون والعرب منذ حزيران عام 1967م ، كابوسا حقيقيا ، أحدث ضربة حقيقية لنهضة الأمة العربية ، التي وجدت نفسها أمام احتلال أراضيها ، من كيان غريب على المنطقة، ودولة تتشكل في خاصرة الأمة ، وتفرض بالقوة والغطرسة واقعا جديدا على الأرض ، مستندة إلى قوى عظمي وضعت نفسها في صف الاحتلال لقهر الشعوب.
أربعة عقود وأربع سنوات يعيش الشعب الفلسطيني والشعوب العربية في قهر الاحتلال وغطرسته ، وسط تآمر النظام العالمي ، الذي يقف متفرجا أمام انتهاك وامتهان الشعوب، إذا كانت دولة الاحتلال هي الطرف المدان.
اليوم نعيش ذكرى 44 عاما لنكسة مجلس الأمن والأمم المتحدة ، وكل الهيئات الدولية التي تقف عاجزة وصامته أمام الاحتلال المتواصل للأراضي الفلسطينية والعربية ، من الاحتلال الذي يضرب كل يوم بقراراتها عرض الحائط .
اليوم نعيش ذكرى مرور 44 عاما لنكسة الدول العظمي التي ارتهنت وهانت أمام الاحتلال ، وتنازلت عن ما تدعيه من أخلاقيات الديمقراطية والحرية لعيون عصابات الاحتلال، التي تتلقى الدعم الكامل منها ، بحجة أنها الدولة الديمقراطية الوحيدة بالمنطقة.
اليوم نعيش ذكري 44 عاما لنكسة الجيوش العربية التي تاهت في غياهب الأنظمة ، لتبقى رهينتها ، فنجدها تخرج من ثكناتها لقمع شعوبها ، فيما لا تحرك ساكنا أمام احتلال الأراضي العربية والفلسطينية .
اليوم نعيش ذكرى 44 عاما لنكسة نظام ادعي المقاومة ، وألهب مشاعرنا بالشعارات الثورية ، وأتحفنا بالتنظير للعروبة وأمجادها ، وبالتخوين لكل مشاريع التسوية بالمنطقة ، فيما وجدنا في لحظة الحقيقية ، وانسحاب جيشه من الحدود ، لصالح قمع شعبه ، أن الاحتلال وجد نفسه مكشوفا في هضبة الجولان ، أمام شباب عزل استطاعوا دخول الأراضي المحتلة من الجولان ، بعدما وجدوا تحصينات الاحتلال أهون من بيت العنكبوت ، ووجد أن السياج على الحدود بين دولة الاحتلال ودولة المقاومة مثل سياج وضعه اخوين ورثا الأرض من أبيهما ، فقررا بعد خلاف بينهما مقاطعة الآخر ، وان يحافظا على حسن الجوار ، فوجدنا دولة المقاومة لم تطلق رصاصة وحدة على دولة الاحتلال ، وأخيرا اكتشفنا أن حقل الألغام بينهما كاذب ، ولا يوجد أي تحصينات أو تخوفات للاحتلال من دولة المقاومة، التي تتوعده صباح مساء بسوء الخاتمة وعظائم الأمور.
اليوم نعيش نكسة دولة عربية صغيرة ، اعتقدت أن مالها سيغير الدنيا ، وتقلب الموازين القائمة ، فنسجت بمالها علاقات مع الاحتلال وحلفائه ، وأقامت علاقات سياسية واقتصادية ودفاع مشترك بينهما ، وحتى لا تكون عرضه للمزايدة ، نسجت علاقات إعلامية وأنفقت فتات المال على الضحية الفلسطينية ، على سبيل الإحسان ، ولكنها حرصت أن يصرف هذا المال في صراعات داخلية ، بعيدة أن أي مقاومة للاحتلال ، أو تعزيز الصمود الفلسطيني ، وأخيرا وجدنا أن الرياضة أهم من المسجد الأقصى ، فأنفقت 55 مليار دولار لتنظيم المونديال عام 2022م ، وكان مسك الختام ، إرسال الطائرات وإنفاق الأموال بلا حساب ، في نزاع وصراع داخلي بين القذافي وشعبه، على اعتبار أن دعم المتقاتلين ، وإذكاء الفتن العربية ، وتحرير الشعوب العربية من أنظمتها ، أفضل بكثير من تحرير الأقصى، وإنهاء النكسة المستمرة 44 عاما.
اليوم نعيش نكسة علماء انحرفت بوصلتهم ، فألهبت حناجرهم القوية عزائمنا لمحاربة المحتلين ، ولكننا لم نجد الاحتلال الإسرائيلي بين أعدائهم ، فوجدنا أبناء فلسطين يستشهدون دفاعا عن شعب غير شعبهم ، وارض غير أرضهم ، فيما كان يسمى بالمجاهدين الأفغان، واليوم بعد ان نبتت اشتال الأفيون قرب قبور ملايين الشهداء، وأصبح حلفاء من يدعم شيوخنا هم من يحتل أفغانستان ، وجدناهم يجاهدون بعيدا عن فلسطين ، بل وجهوا للعمل والتخريب في بلدانهم ، وتكوين مجموعات مجاهدة لزرع الخوف والجوع وعدم الاستقرار في بلدانهم.
اليوم نعيش نكسة إعلاميين غابت فلسطين عن مشهدهم ، ووجدوا قضايا أهم منها ، تحقق الإثارة والربح السريع ، بعيدا عن الم ووجع السياسة وخاصة قضية فلسطين ، التي أصبحت وحيدة بعيدة عن أفئدة وقلوب أبناء العروبة والإسلام المنشغلين في قضاياهم الداخلية ، لدرجة أنهم رفعوا أعلام ورايات الاستعمار الفرنسي والأمريكي، طمعا في الخلاص من قمع النظام ، ولم يجد إعلامنا حرجا في التغني وبث هذا الانحدار.
تحية لك أيها الفلسطيني ، مهما كان انتماؤك ، فلم تنحرف بوصلتك عن فلسطين ، ودافعت عنها من اليوم الأول لهروب المنتكسين ، الذين تعاهدوا وتصارعوا على حمايتها ، وفي ساعة الحقيقة لم نرَ شيئا.
ارفع راسك أيها الفلسطيني ، فرغم الصراعات التي نشبت بين أبناء شعبك ، إلا إننا لم نجد شخصا واحدا يستنصر بالاحتلال أو الاستعمار على أخيه ، ورغم خلافاتنا إلا إن الاحتلال وإزالته هو هدفنا الذي نتوحد عليه .
تحية للشعوب العربية التي شاركتنا الاحتلال ، وشاركتنا صراعه ، فان كنا ضحية الاحتلال الإسرائيلي ، فهي ضحية احتلال المنتكسين ، الذين وجدوا في ادعاء العداء للاحتلال أفضل وسيلة لقمعها وإذلالها، وسحقا للاحتلال ، وسحقا لأنظمة الانتكاس العربي ، اللذين لم يتوقعا أن يبعث أهل الكهف مرقدهم ، وان ساعة الحرية والخلاص من الاحتلال قد حانت ، بإرادة الشعوب التي لم تعرف الانتكاس يوما.