يشكل استمرار الاحتلال الاسرائيلي في الإبقاء على الأسرى الفلسطينيين في سجونها ، ورفض إطلاق سراحهم توصيفاُ قانونياُ للأراضي الفلسطينية كأراضي محتلة بموجب أحكام القانون الدولي .
فعدم التزام الكيان الصهيوني بقواعد القانون الدولي وفي مقدمتها اتفاقية جنيف الثالثة 1949 الخاصة بمعاملة الأسرى فيما يتعلق بالإفراج عن الأسرى الفلسطينيين واعادتهم إلى ديارهم يشكل قرينة قانونية على أن الأراضي الفلسطينية أراضي محتلة بموجب أحكام اتفاقيات جنيف الأربع 1949 ، حيث تصر الاحتلال الاسرائيلي على الاحتفاظ بهم في انتهاك صارخ لأحكام الاتفاقيات ، بالرغم من ادعائها بانتهاء صفة الاحتلال عنها بانسحابها من قطاع غزه 2005 ، الذي اعتبره الاحتلال الاسرائيلي مبرراً قانونياً أمام المجتمع الدولي بأنه لم يعد سلطة الإحتلال بينما ماتزال تمارس فعلاً الاحتلال سواء جزئي أو كلي ، فلم يفرق القانون الدولي بين حالات الاحتلال الكلي أو الجزئي .
فقد عالجت اتفاقية جنيف الثالثة 1949 أوضاع أسرى الحرب حيث وسعت من نطاق الحماية لهم وقد نصت في المادة (118) على " يفرج عن أسرى الحرب ويعادون إلى أوطانهم دون إبطاء بعد انتهاء الأعمال العدائية الفعلية ".
واعتبرت الاتفاقية تعريض أسير الحرب للتشويه البدني أو التجارب الطبية أو العلمية من أي نوع كان لا تبرره المعالجة الطبية ، أو لا يكون في مصلحته من قبيل الانتهاكات الجسيمة ، والتي يشكل ارتكابها جرائم حرب تستوجب محاكمة مرتكبيها بموجب البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف 1977.
وحظرت الاتفاقية أي فعلا أو إهمالا يسبب موت أسير في عهدتها ، وألزمت الدول بمعاملة الأسرى معاملة إنسانية في جميع الأوقات ، وعلى الأخص ضد جميع أعمال العنف أو التهديد ، وضد السباب وفضول الجماهير ، وحظرت كذلك تدابير الاقتصاص من أسرى الحرب.
فالوصف القانوني للأراضي الفلسطينية كأراض محتلة لم يتغير لعدة قرائن قانونية في مقدمتها استمرار الكيان الاسرائيلي في الامتناع عن الإفراج عن الأسرى :
- إبقاء دولة الاحتلال على حصارها العسكري على كافة المنافذ الفلسطينية في قطاع غزة البرية والبحرية والجوية ، والذي تم تشديده في أعقاب اندلاع انتفاضة الأقصى 2000 ، وتفاقم بشكل خطير وغير مسبوق في أعقاب سيطرة حركة حماس على القطاع ، وخاصة في أعقاب الحرب على غزه " عملية الرصاص المصبوب " ديسمبر2008 ، وقد تدخلت دولة الاحتلال بشكل سافر في عمليات الإغاثة خلال الحصار حيث استهدفت سفن كسر الحصار ومنعتها أحياناً وأعاقت وصولها أحياناً أخرى ، وقد شكل العدوان على أسطول الحرية أبشع تلك الممارسات .
- الانسحاب دولة الاحتلال الأحادي أبقي على السيطرة العسكرية الصهيونية على منافذ القطاع لم يغير من الطبيعة القانونية للأراضي الفلسطينية كأراض محتلة تخضع لأحكام اتفاقية جنيف الرابعة بموجب نص المادة الثانية المشتركة بين الاتفاقيات ، فقد كرس الاحتلال , وحاول إعطائه غطاءاً قانونياً .
- انتهاك الكيان الاسرائيلي لحق تقرير المصير الذي كفله ميثاق الأمم المتحدة ، الذي حرم التهديد باستعمال القوة ، أو استعمالها ضد الأراضي أو الاستقلال السياسي ، وأعطى للدول الحق في تقرير المصير فانطلاقاُ من ذلك يعتبر الاحتلال الإسرائيلي عدوانا على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره ، فقد صدر العديد من القرارات الدولية إقرارا لحق تقرير المصير وكان من أهمها قرار الجمعية العامة رقم (1514/1960 ) الخاص بمنح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة ، وقد نص في البند الثاني على حق جميع الشعوب في تقرير مصيرها وأن تحدد بمقتضى ذلك الحق مركزها السياسي .
- انشاء الجدار العازل على نحو (90%) من الأراضي الفلسطيني المحتلة عام 1967، ترسيخاً للاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية ، حيث بدأت دولة الاحتلال في إنشائه كمشروع سياسي في حزيران 2002 في أعقاب الاجتياح الإسرائيلي الكامل للضفة الغربية "عملية السور الواقي" .
تعزيزاً لسياستها في تكريس الإحتلال استغلت دولة الاحتلال خطة الانفصال للإبقاء على سيطرتها الكاملة على قطاع غزه من خلال التحكم بكافة منافذه البرية والبحرية والجوية وتقييد حركة سكانه ، والإبقاء على اعتقال الأسرى ، دون تحمل مسئولية دوليه تجاههم ، وكذلك بالتنصل من تطبيق أحكام القانون الدولي الإنساني على الأراضي الفلسطينية ، وخاصة اتفاقية جنيف الرابعة التي ترتب التزامات على دولة الاحتلال اتجاه السكان المدنيين ، وكذلك الالتزام بعدم تغيير الوضع القانوني لتلك الأراضي ، والالتزام باحترام حقوق الإنسان .
عملت دولة الاحتلال بشكل غير قانوني وغير مشروع على التنصل من المسئوليات التي قررتها أحكام القانون الدولي الإنساني وقواعد حقوق الإنسان من خلال تطبيق خطة الانفصال أحادي الجانب وبالرغم من الادعاء الهصيوني بعدم مسئولية دولة الاحتلال عن الفلسطينيين في قطاع غزه لانتهاء الاحتلال في أعقاب خطة الانفصال ، إلا أنه من الناحية الفعلية تحتفظ دولة الاحتلال بالسلطة الفعلية في القطاع من خلال إحكام سيطرتها على كافة المنافذ البرية والبحرية والجوية ، حيث نصت المادة (3-1) من خطة الانفصال على " أن دولة الاحتلال ستواصل حراسة ومراقبة الحدود البرية الخارجية والسيطرة المطلقة على المجال الجوي للقطاع ، وستواصل كذلك ممارسة النشاط الأمني في البحر ، وعلى طول شواطئ القطاع ، كما تحتفظ بحق الدفاع عن النفس كفعل وقائي بما يشمل القوة حال وجود تهديدات تنبعث من القطاع ".
فدولة الاحتلال مازالت بعد انسحابها من قطاع غزه تمارس السلطة الفعلية من خلال السيطرة الكاملة على المنافذ الحدودية والبحرية والأجواء والمعابر ، وكذلك رفضت إعادة تشغيل مطار غزه الدولي ، سيطرت بشكل منفرد على الحركة التجارية في معبري " المنطار " و " كرم أبو سالم " ، وتحكمت في دخول المواد الأساسية التي تعتبر اسرائيل المصدر الأساسي لها.
وبموجب اتفاقيات جنيف تعتبر الأراضي الفلسطينية في قطاع غزه محتلة وفق ما نصت عليه المادة الثانية المشتركة التي نصت على انطباقها على جميع حالات الاحتلال الجزئي والكلي .
فقد حرصت دولة الاحتلال من خلال خطة الانفصال على التنصل من مسئولياتها القانونية تجاه الأسرى والسكان المدنيين ، والتي أقرتها أحكام القانون الدولي الإنساني على سلطات الاحتلال ، وخاصة اتفاقية جنيف الرابعة ، حيث تدعي دولة الاحتلال منذ بداية احتلالها للأراضي الفلسطينية في العام 1967 بعدم انطباق اتفاقية جنيف الرابعة على الأراضي الفلسطينية ، إلا أن قواعد القانون الدولي الإنساني تؤكد انطباقها على الأراضي الفلسطينية خاصة الاتفاقية الرابعة التي تنطبق وفق المادة الثانية المشتركة على انطباقها في جميع حالات الاحتلال الكلي والجزئي .
فخطة الانفصال لا تعفي دولة الاحتلال من مسئولياتها تجاه الأسرى والسكان المدنيين مهما حاولت التنصل من تلك المسئولية ، فتبقى اسرائيل حتى بعد انسحابها من قطاع غزه بموجب أحكام القانون الدولي الإنساني تتحمل مسئولياتها كقوة احتلال حربي .