ونقلا عن صحيفة "القدس العربي" الثلاثاء، فان الوثائق تظهر مدى محاولة واشنطن استخدام تقرير القاضي الدولي ريتشارد غولدستون الذي اتهم الكيان الإسرائيلي بارتكاب جرائم حرب في غزة للضغط عليه للعودة إلى محادثات التسوية مع الفلسطينيين.
وقالت (فورين بوليسي) إن البرقيات تقدم لمحة حول ما يجري خلف الكواليس في الأمم المتحدة حيث يسعى الدبلوماسيون الأميركيون إلى حماية جيش الاحتلال الإسرائيلي من أي تدقيق خارجي لعملياته خلال عملية الرصاص المصبوب في قطاع غزة عام 2008.
وتظهر البرقيات أن الولايات المتحدة وكيان الاحتلال حصلا على ولوج مميز إلى تداولات داخلية سرية في الأمم المتحدة في لجنة تحقيق "مستقلة" حول حرب غزة ما يطرح التساؤلات حول مدى استقلالية تلك اللجنة.
وتظهر إحدى البرقيات أن سفيرة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة سوزان رايس حثت أمين عام الأمم المتحدة بان كي مون على الاعتراض على توصية من اللجنة المعنية في مراجعة الوضع بغزة، لإجراء تحقيق شامل بجرائم ارتكبتها القوات الإسرائيلية والجماعات المسلحة الفلسطينية.
وفي برقية أخرى، وجهت رايس تحذيراً مقنعاً إلى رئيس المحكمة الجنائية الدولية سانغ هيون سونغ، قالت فيه إن التحقيق بجرائم إسرائيلية مزعومة قد يزعزع وقوف الولايات المتحدة إلى جانب المحكمة في وقت بدأت واشنطن تتقرب منها على الرغم أنها ليست من الدول الموقعة على إنشائها.
وفي برقية صادرة عن البعثة الأميركية في الأمم المتحدة في 3 تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2009، تقول رايس لسانغ إن"طريقة تعامل المحكمة الجنائية الدولية مع المسائل المتعلقة بتقرير غولدستون سيراها الكثيرون في الولايات المتحدة كمسألة حساسة جداً".
وفي لقاء مع وزير خارجية الكيان الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان في 21 تشرين الأول/ أكتوبر 2009، أكدت رايس أن الولايات المتحدة بذلت كل ّجهدها لجعل تقرير غولدستون بدون فعالية.
وقد فوض بان المسؤول في الأمم المتحدة إيان مارتن تشكيل لجنة للتحقيق في 9 حوادث أطلق خلالها جيش الاحتلال الإسرائيلي النار على منشآت وعاملين تابعين للأمم المتحدة، وقد أفادت اللجنة أن الكيان الإسرائيلي مذنب في 7 حالات منها، وأنه تجاهل الخطر على المدنيين، غير أن إسرائيل انتقدت التقرير ووصفته بـالمتحيز.
وقبل يوم من إصدار إيان توصيته في 5 أيار/ مايو 2009 بإجراء تحقيق شامل حول انتهاكات حقوق الإنسان من قبل الجيش الإسرائيلي والمسلحين الفلسطينيين ، أجرت رايس اتصالات ببان لتشتكي من أن التحقيق ابتعد عن التفويض الممنوح له حين طالب بإجراء تحقيق شامل، ودعت إلى ألا يشمل إيجاز التقرير التوصيات بإجراء تحقيق شامل، غير أن بان عارضها في بادئ الأمر بحجة أنه لا يستطيع التدخل بتحقيق مستقل.
غير أن رايس أصرت عليه وطلبت منه أن يوضح في الرسالة التي سيوجهها مع التقرير إلى مجلس الأمن أن لا داعي إلى المزيد من التحقيق، وقد أبلغها بان في النهاية إن فريقه يعمل مع فريق إسرائيلي على إعداد الرسالة، وقد عاد واتصل برايس عند إتمام الرسالة ليبلغها أنه يعتقد "انه تم التوصل إلى رسالة مرضية".
وفي مؤتمر صحافي في اليوم التالي، رفض بان توصية إيان بإجراء تحقيق إضافي، وطلب من الكيان الإسرائيلي الاكتفاء بدفع 11 مليون دولار كتعويض مالي عن مؤسسات الأمم المتحدة التي لحقتها أضرار.
غير أن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة طلب من القاضي الدولي ريتشارد غولدستون إجراء تحقيق في الحرب بغزة.
وفي 16 أيلول/ سبتمبر، بعد يوم من إصدار تقرير غولدستون، وصف نائب وزير خارجية الكيان الإسرائيلي داني أيالون في لقاء مع رايس التقرير بـ(المشين) وأنه منح حركة حماس الحرية في تهريب الأسلحة إلى القطاع، وقد وصفت رايس التقرير بالمتحيز، غير أنها وجدت فيه فرصة لإقناع الكيان الإسرائيلي باستئناف محادثات التسوية.
وقالت لأيالون "ساعدني لأساعدكم" من خلال الالتزام بعملية السلام وإظهار قدرة إسرائيل على تحميل جنودها مسؤولية أي سلوك خاطئ يصدر عنهم، وشددت على أنه يمكن إدارة تقرير غولدستون بشكل أفضل في حال تحقيق تقدم في عملية التسوية.
وقد كررت رايس دعوتها في لقاء مع وزير خارجية الكيان الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان بعد شهر، غير أنه شكك في احتمال التوصل إلى اتفاق نهائي في الشرق الأوسط، وأعطى قبرص مثالاً على ذلك، حيث لم يتم التوصل إلى اتفاق نهائي ولكن تم تعزيز الأمن والاستقرار.
ويأتي الكشف عن الوثائق في ظلّ عودة تقرير غولدستون إلى الواجهة، مع إعلان القاضي الجنوب أفريقي في مقال بصحيفة "واشنطن بوست" إنه لم يكن عادلاً باتهام الكيان الإسرائيلي باستهداف المدنيين الفلسطينيين عن قصد.