نعم .. إحذورا من تقزيم الثورة اليمنية .. فهي ليست ضد الرئيس أو محاكمته بل ضده وضد من نصبوه وأوجدوا نظام الرئيس فضلاً عن أنها للتخلص من الوصاية الإقليمية والدولية المفروضة على اليمن منذ ردح من الزمن.
عبرت إحدى الناشطات السياسيات في الولايات المتحدة الأمريكية عن حيرتها الشديدة مما يحدث في اليمن وسألتني؛ كيف يمكن أن تجتمع الرسالة والشعار في توجه مشترك بينما هناك تباين شديد في الأهداف بعد أن لاحظت بعض التنافر في مكونات وفعاليات المظاهرات الشبابية في اليمن وخارجها؟.
لكي أجيبها على هذا السؤال كان لابد لي أن أستعرض معها المشهد السياسي اليمني برمته ففضلت المختصر المفيد وأجبت بأنه من خلال دراستي في علم النفس عرفت بأن الإنسان إذا ما أراد أن ينقذ إنسان عزيز عليه من خطر الإدمان أياً كان نوع الإدمان سواءًا أكان في التدخين أم الكحول أو حتى المخدرات فأنجع وسيلة ليست بالنصيحة أو الأمر أو الزجر لأن فيها نوع من التعالي على المدمن فلا يتقبلها مهما كانت صادقة ، بينما المشاركة والإنغماس معه في تعاطي مادة الإدمان ، تعتبر أنجع طريقة لإقناع المدمن بالإقلاع عن إدمانه تدريجياً عندما يثق بك ويعتبر أنك تشاركه نفس المشكلة ، عندها يمكنك أن تسيطر على تفكيره وأحاسيسه وتقنعه بالنصيحة فيتقبلها بصدر رحب. ولكن تخيلي إستخدام هذا الأسلوب بطريقة سلبية ، كأن ينحرف البعض بالإدمان الإيجابي إلى تشوهات مرضية خطيرة ليس ضد فرد واحد فقط بل ضد مجتمع أو شعب بأسره. فالرياضة مثلاً إدمان إيجابي والقراءة وممارسة الهوايات المفيدة والعمل التطوعي وغيرها كلها من الممارسات الإيجابية.
كانت كمبرلي تنصت لي وهي في حالة إستغراب مما أقول لأنها أعتادت في أمريكا أن ترى السياسات المتضاربة والمتعارضة بوضوح وتفرق بينها. ولكني تابعت: تخيلي بأن الشباب في ساحات التغيير والحرية في اليمن قد أدمنوا حب التغيير من كثر ما حلموا به منذ أن ولدتهم أمهاتهم ، لذا فاسلوب القمع أو التنكيل أو القتل لن يزيدهم إلا إصراراً لما يريدون تحقيقه خاصة وقد خرج ماردهم من القمقم. لذا فإن أنجع طريقة للسيطرة على هذا الحلم هي مشاركتهم إياه والمطالبة به من خلال رفع نفس الشعارات التي يرددونها وإبلاغ نفس الرسالة التي يريدون إبلاغها ، وهذا هو بالضبط ما تقوم به أحزاب المعارضة المسماه "اللقاء المشترك" التي فرخ النظام بعضها أصلاً لهذا الهدف ، و ما يفسر التقائها هو المصلحة المشتركة بالرغم من عدم التجانس فيما بينها من حيث المباديء النظرية .
وتابعت الحديث بالقول: الأحزاب في دول العالم الثالث ومنها اليمن بالذات عبارة عن معسكرات لتدريب الشباب على الطاعة العمياء لأوامر قادة هذه الأحزاب والإلتفاف حول الأصنام المحنطة وعبادة المقدسات الملفقة ، وليس للتدريب على ممارسة التفكير الحر أو الإبداع السياسي في إختراع الحلول للأزمات السياسية والإقتصادية والإجتماعية التي تواجه البلاد. لذا تجدين أن بعض هذه الأحزاب لديها الكثير من الشباب المغرر بهم بالعديد من الشعارات الخادعة كـ "الحرب خدعة" على سبيل المثال ، ومثل هذه الشعارات التي لا تمت إلى الواقع بأي صلة ، فتقوم هذه الأحزاب بالزج بمجاميع غفيرة من الشباب المغرر به إلى ساحات التظاهر والإعتصام لتنفيذ تعليمات محددة من شأنها الوصول إلى السيطرة الكاملة على شباب الثورة من خلال التسلط على منابرهم ومنصاتهم وشعاراتهم ومبادراتهم وحتى على أقوالهم عن طريق الإرهاب الفكري الذي يمارسه هؤلاء بحسب التعليمات الصادرة من قيادات أحزابهم. لذلك تلاحظين بأن الجميع يحمل نفس الشعار ونفس الرسالة بينما أهدافهم وقلوبهم شتى.
لكنها باغتتني بسؤال آخر وقالت أنت تتهم أحزاب المعارضة بالتواطؤ مع النظام بينما من مصلحة المعارضة أن تتخلص من النظام حتى تأخذ دورها في تولي السلطة فما هي حججك على ذلك لاسيما ونحن نعتبرك من معارضي النظام منذ زمن طويل؟ فقلت لها لقد أجبت بنفسك على السؤال. فقالت كيف؟ قلت لها أنك قلت بأني معارض منذ زمن طويل لكني لم أجرؤ على العودة إلى وطني وأهلي منذ 16 عاماً بسبب مواقفي المناهضة للحكم وسياساتي الواضحة من ما يحدث في وطني منذ وقت مبكر مما جعلني أعيش في المنفى القسري ، وقد أغتيل وشُرد العديد من زملائي الذين تبنوا مواقف حقيقية ضد النظام. فكيف تفسري بأن يسمح للبعض بأن يعارض بحرية تامة ويمتلك الصحف والقنوات الفضائية ولا يسمح لمثلي في أن يعيش في وطنه فضلاً عن أن ينشر مقال؟؟!!. بل أن المعارض الحقيقي المشاكس يخاف من أحزاب المعارضة أكثر من السلطة نفسها .. فدخلت (كمبرلي) في نوبة من الضحك كاد أن يغمى عليها. فتجاهلتها وتابعت ؛ ولكن دعك من هذه الأحزاب المعارضة في الداخل المنضوية تحت مسمى (اللقاء المشترك) ماعدا واحد وهو من تعترف قيادته التاريخية إن صح التعبير بالرغم من أن عمره من عمر الوحدة بانه قد تم تفريخه من قبل السلطة الحالية للقيام بمثل هذه الأدوار كما أن أغلب قياداته أمنية بل أن بعضهم كانوا ضباطاً كبار معروفين في الأمن السياسي وما يزالون في الخدمة ، هل تصدقين أن احد الصحفيين المعروفين بارتباطهم الوثيق بحزب الإصلاح والمشترك قال لي ولغيري عندما سألناه عن موعد رحيل صالح بأن ذلك سيحدث عندما يقتنع اليدومي يقصد رئيس حزب الإصلاح المعارض.
لقد وجدت هذه الأحزاب في السلطة "البقرة الحلوب" التي تعطيهم المن والسلوى وكل ما يتمنون دون أي مسؤولية للوضع القائم ، وذلك لقاء الدور الديكوري للديمقراطية والكذب على الخارج ، فما الذي يجبرهم على تغييرها ناهيك عن أنهم يحملون ألقاب مناضلين ووطنيين دون عناء ويمتلكون قصور ضخمة ويركبون سيارات فارهة وخدم وحرس وشركات خاصة وعقارات في الداخل والخارج واستثمارات ليس لها أول ولا آخر دون أي محاسبة أيضاً فضلاً عن أن تغيير السلطة ليس في أجندهم باعتبارهم جزءًا منها ورديفاً لها وهم من النظام القائم فما شأن هؤلاء بثورة الشباب!!!!؟