عاجل:

فوضى الجنوب السوري: «التسوية» تترنّح

السبت ٠٣ أغسطس ٢٠١٩
٠٢:٥٥ بتوقيت غرينتش
فوضى الجنوب السوري: «التسوية» تترنّح بعد عام على بدء سريان مفاعيل اتفاق الجنوب، تعود المنطقة الجنوبية إلى واجهة المشهد السوري، بعد أن كانت قد شهدت هدوءاً نسبياً منذ الصيف الماضي.

الاتفاق الذي عُرف حينها بـ«التسوية»، لم يستطع أن يضبط، لأكثر من عام، إيقاع المنطقة التي لطالما شكّلت تحدياً أمام دمشق وحلفائها. إذ إن الفترة الأخيرة شهدت كثيراً من عمليات الاغتيال ومحاولاته، فضلاً عن تحركات تخالف سياق التسوية، وتُنذر بخطر قادم. خطرٌ يفاقمه سعي العدو الإسرائيلي إلى استغلال الفوضى الحاصلة لتحقيق أهدافه الأمنية. إزاء ذلك، تبدو المنطقة الجنوبية أمام احتمال عودة العمليات العسكرية، التي سعت دمشق إلى تجنّبها طوال الفترة السابقة.

على امتداد الأشهر الثلاثة الأخيرة، شهد الجنوب عموماً، ودرعا وريفها خصوصاً، عشرات الحوادث التي يمكن إدراجها في خانة الأعمال الأمنية المحترفة. حتى نيسان/ أبريل الفائت، كانت الظروف الأمنية في المحافظة الجنوبية مستقرة نسبياً، وتسجّل تطوراً إيجابياً ملحوظاً، إلا أن كل ذلك ما لبث أن تحوّل إلى حالة من الفوضى الأمنية؛ إذ شهدت المنطقة عمليات إغارة على حواجز للجيش السوري، والمفارز الأمنية العائدة حديثاً إلى المنطقة. في الفترة الأولى، بدا الأمر وكأنه ردود فعل طبيعية على عمليات اعتقال محدودة قامت بها الأجهزة الأمنية الحكومية في محافظة درعا، استهدفت بعض المسلحين المطلوبين الذين رفضوا الانخراط في التسوية، ولم يتعاونوا مع الجيش السوري. لكن سرعان ما خرجت الأمور عن السيطرة، لتتحول إلى نهج وحالة شبه يومية.

حالةٌ تبدو أقرب إلى عمل منظّم ناتج من قرار جدّي بإعادة إغراق تلك المنطقة في الفوضى، وسلب الدولة السورية عنصر المبادرة للعمل ضد الخلايا الأمنية، أو خلايا «داعش»، أو تلك المتعاونة مع العدو الإسرائيلي على الحدود مع الجولان المحتل. لكنّ قراراً كهذا لم يكن ممكناً تفعيله بالشكل الحالي، لو لم تتوافر إلى جانبه ظروف العودة إلى الأعمال الأمنية وشبه العسكرية. هذه الظروف هيّأتها طبيعة السياسة التي اعتُمدت في المنطقة منذ التسوية صيف العام الماضي، إذ سمحت تلك المدة من الهدوء لبعض الفصائل التي كانت تعمل بتوجيهات خارجية كفصائل «الموك» (التي جُمِّد عملها بالتزامن مع التسوية) مثلاً، أن تعيد تجميع عناصرها وتشكل مجموعاتها بشكل غير علني. أي إن مسلحي هذه الفصائل حصلوا على الأمان بفعل التسوية، ومُنعت يدُ الدولة من الوصول إليهم، واحتموا بالتفاهمات التي عقدوها مع الجانب الروسي الذي وفّر الغطاء لهم، وتُركت أسلحتهم الفردية بأيديهم، ما جعلهم في وضع ملائم لإعادة تفعيل جهودهم بحسب متطلبات المرحلة.

في حديث إلى «الأخبار»، يؤكد مصدر عسكري سوري مطّلع أن مسلحي الجنوب في الوقت الراهن «لديهم القدرة على تنفيذ عمليات أمنية وتخريبية صغيرة، فهم يمتلكون السلاح الكافي والخبرة والتدريب، فضلاً عن أن لديهم معرفة واسعة بالجغرافيا وكيفية تنفيذ عمليات كهذه ثم الانسحاب والاختفاء». ويضيف المصدر أن «السلاح موجود بوفرة (…) نعم هم سلّموا القليل من أسلحتهم، وباعوا بعضها الثقيل والصواريخ المضادة للدروع، لكن الأسلحة الفردية والعبوات والألغام ما زالت موجودة بكثرة، ولم يطالبهم بها أحد». وهنا، يجدر التذكير بأنه بموجب بنود التسوية، فإن الدولة، سواء عبر الأجهزة الأمنية أو الجيش، لا تستطيع تنفيذ مداهمات داخل القرى والأحياء، كذلك فإن المسلحين غير ملزمين جميعاً بتسليم أسلحتهم الفردية، ما يصعّب ضبط الأوضاع وملاحقة المعتدين.

كل هذه الظروف المناسبة لعودة التوتر إلى الجنوب، كان ينقصها القرار فقط لبدء تنفيذ العمليات الأمنية. قرار لا يمكن إلا أن يكون خارجياً، نظراً إلى ارتباط الفصائل الجنوبية بجهات خارجية أبرزها واشنطن وعمّان وأبو ظبي، التي هي أصلاً دفعتها باتجاه التسوية مع الجانب الروسي. في هذا الإطار، يؤكد مصدر أمني سوري رفيع، لـ«الأخبار»، المعلومات التي تتحدث عن إعادة تفعيل غرفة عمليات «الموك» المتمركزة في الأردن، التي كانت تقود فصائل الجنوب لسنوات طويلة خلال الحرب. ويقول المصدر إن لدى دمشق «معلومات دقيقة عن ذلك، وقد استُدعي أخيراً أحد الضباط الأجانب مِمَّن عملوا سابقاً مع الفصائل الجنوبية إلى الغرفة»، مشيراً إلى أنّ «هذا العمل يهدف إلى زعزعة استقرار المنطقة الجنوبية، وإظهار الدولة عاجزة عن ضبط المناطق التي تسيطر عليها». وما يُنذر بالأسوأ، أنه حتى الفترة الأخيرة، كانت أكثر الأحداث الأمنية قد وقعت فعلياً في المناطق الخاضعة سابقاً لسيطرة الفصائل، التي تعرف بـ«مناطق التسويات». أما اليوم، فقد توسّعت رقعة الأحداث لتشمل بلدات وأحياء لم تخرج أصلاً عن سيطرة الدولة، كعتمان وضاحية درعا وحيّ السبيل، وهو ما يعزّز الاعتقاد بوجود قرارٍ خلف ما يجري.

على خط موازٍ، وفي تطور لافت، تبنى تنظيم «داعش» تفجيرين في المنطقة الجنوبية الشهر الماضي. الأول هو تفجير إحدى السيارات في منطقة القدم جنوبي العاصمة دمشق، حيث زعم التنظيم أنه استهدف «أحد قادة قوات الدفاع الوطني». أما التفجير الثاني، فهو تفجير انتحاري وقع على الطريق الواصل بين الحراك ومليحة العطش في ريف درعا الشمالي الشرقي، بعدما قامت ــــ بحسب معلومات «الأخبار» ــــ دورية مشتركة من مجموعة تابعة للفيلق الخامس (أغلبه من عناصر التسويات)، الى جانب عناصر أمنيين، بمداهمة مزرعة هناك، ليتبيّن أنها مقرّ سري لعناصر من «داعش»، فجّر أحدهم نفسه على إثر المداهمة بحزام ناسف، ما أدى إلى إصابة عدد من الجنود، ومقتل عنصر من التنظيم، واعتقال آخر بعد إصابته.

تقول مصادر أمنية سورية معنيّة بملف الجنوب، لـ«الأخبار»، إنه «ليس ثمة وجود فعلي لمجموعات تنظيم داعش في درعا وريفها، لكن يمكنهم أن يأتوا إلى المنطقة على شكل أفراد ومجموعات صغيرة»، مؤكدة أن «لا تمركز لهم هناك». لكن المصادر نفسها تشير إلى ما يمكن اعتباره أدلة إضافية على خطوات تقوم بها خلايا متفرقة من التنظيم، لتنفيذ عمليات أمنية وشبه عسكرية جديدة في المنطقة، إذ تبيّن أن «شاحنتي أسلحة جاءتا من جهة منطقة التنف الحدودية عبر الصحراء إلى ريف السويداء، وكان من المفترض أن تُسلّما لعناصر تابعين للتنظيم، لكنّ الجيش ضبطهما، وكان هذا منذ مدة قصيرة». وتؤكد المصادر نفسها الحديث عن إعادة بناء خلايا «داعش» في ريف السويداء الشرقي، حيث «رُصدَت تحركات ميدانية تشير إلى ذلك»، مضيفة أن «لا خوف من عمليات عسكرية كبيرة، لكن التخوف من العمليات الانتحارية والتفجيرات».

لا تهمل دمشق وحلفاؤها، خصوصاً الجانب الروسي الذي تبنّى التسوية في الجنوب ورعاها لمدة عام كامل، ما يحدث من تطورات أمنية هناك. وفي هذا السياق، تعمل هذه الأطراف على معالجة الأوضاع وضبط الموقف. ومنذ أيام قليلة، عُقد بحسب معلومات «الأخبار» اجتماع ضمّ كبار ضباط الجيش في الجنوب، إلى جانب مسؤولي الأجهزة الأمنية، وضباط الشرطة العسكرية الروسية المعنيين بالمنطقة، أُجري خلاله تقييم للمرحلة الحالية، أفضى إلى الخروج بخلاصة واضحة، مفادها أن «ما يحدث في الجنوب قد تجاوز ردود الفعل، وأصبح نهجاً ومساراً متّبعاً، ويجب التعامل معه بجدية فائقة، ولو احتاج الأمر إلى استعمال القوة عبر عمليات عسكرية وأمنية محدودة». خلاصةٌ جرى التوصل إليها بعدما عجز الجانب الروسي عن معالجة التوتر عبر الاتصالات والتفاوض، ليصل الأمر منتصف الشهر الفائت إلى تسجيل سابقة، حيث فُجِّرَت عبوة ناسفة على مسافة قريبة من دورية للشرطة العسكرية الروسية من ثلاث آليات، بأسلوب تعمّد عدم قتل أي من عناصرها، وذلك على الطريق الواصل بين مدينة بصر الشام وبلدة السهوة في ريف درعا الشرقي، الأمر الذي عُدّ رسالة تحدٍّ للجانب الروسي، ومحاولة للضغط عليه لمنعه من الانخراط في العمل مع الجيش السوري ضد العناصر المتورطين في تنفيذ عمليات ضد الدولة والجيش.

لا يشكّ الضباط الأمنيون في الجنوب السوري في أن أكثر المستفيدين من عودة الفوضى إلى المنطقة هو العدو الإسرائيلي. إذ يرى هؤلاء أن العدو «يحتاج إلى هذه الفوضى ليتمكن من دعم جماعاته الموجودة هناك». كذلك فإن الأجواء الأمنية المضطربة توفّر له «غطاءً لتنفيذ عمليات اغتيال أو تصفيات، سواء لضباط في الجيش السوري، أو لغيرهم من القوى التي تدور في فلك حلفاء دمشق، وتنتشر في المنطقة الحدودية، وخصوصاً القنيطرة». كذلك، ليس من مصلحة العدو، الذي ينظر بقلق بالغ إلى المنطقة الحدودية مع الجولان المحتل، أن تستقرّ الأمور للدولة وحلفائها، بل يريدهم في حالة انشغال دائم، حتى لا يبادروا في أي خطوات ضده. «باختصار، هو يريد إغراق الدولة وحلفائها في الفوضى إلى الحد الأقصى»، يقول أحد الضباط العسكريين من حلفاء دمشق. رؤيةٌ تعززها عملية اغتيال ابن بلدة الحضر، مشهور زيدان، قبل عشرة أيام تقريباً في بلدة سعسع الحدودية، التي لم يتبنّها العدو الإسرائيلي، فيما عمدت بعض وسائل إعلامه إلى ربطها بالأحداث الأمنية الجارية في الجنوب، الأمر الذي تنفيه مصادر «الأخبار» نفياً قاطعاً، مؤكدة أن الكيان هو الذي يقف خلف العملية. وزيدان هو أحد العاملين الأساسيين في صفوف «وحدات الدفاع الشعبي»، وكان على تواصل مباشر مع الشهيد والأسير المحرر سمير القنطار، الذي اغتالته إسرائيل في دمشق أواخر عام 2015. وجرت تصفية زيدان بصاروخ موجّه أطلقته طائرة إسرائيلية مسيّرة على سيارته مباشرة، ما أدى إلى مقتله على الفور وإصابة مرافقه. وهذه العملية هي الأولى من نوعها في المنطقة الحدودية، منذ استهداف «مجموعة القنيطرة» في مزارع الأمل بداية عام 2015.

حسين الأمين - الأخبار

0% ...

آخرالاخبار

برلماني إيراني: مدى صواريخ إيران سيصل إلى أوروبا ردا على أي اعتداء


الخارجية اليمنية: اليمن ماض في مواجهة العدوان وخسائر المعتدي السعودي مستقبلا ستكون أكثر من ذي قبل


الخارجية اليمنية: اليمن ماض في مواجهة العدوان وخسائر المعتدي السعودي مستقبلا ستكون أكثر من ذي قبل


الخارجية اليمنية: الدماء التي تُسفك اليوم في عموم المحافظات اليمنية تؤكد صوابية الموقف اليمني في خوض معركة الحرية والاستقلال


الخارجية اليمنية: جريمة سوق الوازعية تأتي والكثير من أطراف المجتمع الدولي يتشدق بادعاءات باطلة تحت مسمى حصار تعز


وزارة الخارجية اليمنية: المعتدي السعودي يواصل سلسلة جرائمه بحق أبناء الشعب اليمني وكان آخرها مجزرة سوق الوازعية في محافظة تعز


قائد الجيش اللبناني: الاحتلال الإسرائيلي هو المشكلة الأساسية والخطر الأول الذي يواجهه وطننا


المشاط: دماء أبناء الشعب اليمني لن تذهب هدرا


متحدث القوات المسلحة اليمنية: العدوان السعودي نُفّذ من طائرات "F-15" و"تايفون" أقلعت من قاعدتي خميس مشيط والطائف والعدوان الصاروخي من نجران


متحدث القوات المسلحة اليمنية: 4264 غارة جوية وصاروخا إجمالي العدوان السعودي على البلد منذ بدء التصعيد


الأكثر مشاهدة

القناة 13 "الإسرائيلية": هزيمة تاريخية لترامب في انتخابات التجديد النصفي وتداعيات خطيرة على "إسرائيل"


مصادر إعلامية: صفقة ترامب مع روسيا بشأن وقود الديزل تتوقف بسبب انخفاض مخزونات الوقود الأمريكية إلى أدنى مستوى لها منذ 20 عامًا


اعلام ألماني: العثور على وزير الاقتصاد بافاريا أيفانغر ميتا في أحد فنادق برلين


مصادر لبنانية: غارة لطيران العدو الإسرائيلي تستهدف المنطقة الواقعة بين بلدتي مركبا وطلوسة في جنوب لبنان


عراقجي يؤكد على تعزيز العلاقات بين إيران وبولندا


أكسيوس: زعيم الديمقراطيين بمجلس النواب حكيم جيفريز يعلن ترشحه لرئاسة المجلس في رسالة وجهها إلى زملائه


وكالة أنباء كوريا الشمالية: تجربة إطلاق ناجحة لمنظومة صواريخ متطورة للدفاع الجوي


الصحة اليمنية: استشهاد 7 مدنيين بينهم طفلان وإصابة 6 أطفال بجراح من جراء استهداف الطائرات السعودية منزلا غربي تعز


بقائي يرد على تصريحات وزير الخارجية الألماني


مصادر فلسطينية: تجدد المواجهات في بلدة "سلواد" شمال شرق رام الله، والاحتلال يُطلق قنابل الغاز


زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ الأميركي شاك شومر: الحرب على إيران يجب أن تنتهي وسنحاصر ترمب تشريعيا إذا لم يمتثل لإرادة الشعب