عاجل:

الصين والإمبراطورية الألمانية

الجمعة ١٥ أبريل ٢٠١١
٠٥:٣٩ بتوقيت غرينتش
تُعتبر الصين منافساً أكثر دهاءً مما كانت عليه ألمانيا يوماً، إذ استعملت بكين موارد محدودة لبناء سفن وأسلحة يمتدّ نطاقها ليشمل المناطق المجاورة للبحار تماماً مثل برلين، لكنها على عكس برلين، امتنعت عن إهدار الموارد في الأماكن النائية والمغامرات المكلفة، لذا يُعتبر القادة الصينيون أكثر براعة في الحفاظ على الثروات الوطنية من القيصر فيلهلم الثاني المتسرّع.

في الفترة الأخيرة، ركزت صحيفة تشاينا دايلي (China Daily) على تحليل تعليقات البروفيسور جوزيف ناي من جامعة هارفارد بشأن نشوء الصين كقوة عالمية مقابل تراجع النفوذ الأميركي، وفي مقالة حديثة بعنوان لا للمبالغة في تقدير قوة الصين ، اعتبر آريال تانغ أن ناي حذر من النزعة الانهزامية في هذا الجزء من المحيط الهادئ.

 فالمبالغة في الترويج لفكرة تنامي النفوذ الصيني تزامناً مع المبالغة في تقدير الأضرار الناجمة عن الأزمة المالية والتراجع الاقتصادي في الولايات المتحدة تؤدي إلى تعزيز مشاعر الغطرسة في الصين وبث مشاعر الخوف في الولايات المتحدة ، ما يقلل من فرص التعايش السلمي بين القوى الآسيوية الرائدة.

 تُعتبر استنتاجات ناي منطقية، إذ تؤدي إساءة فهم المعطيات الاستراتيجية إلى اعتماد استراتيجية غير حكيمة، ولكنه توصل إلى تلك الاستنتاجات عبر إقامة مقارنة تاريخية مشبوهة ومألوفة بين ظهور قوة الصين اليوم ونشوء الإمبراطورية الألمانية منذ قرن من الزمن.

 أعلن ناي أن ألمانيا حينها كانت تطرح تهديداً أكبر بكثير مما تفعل الصين اليوم، ففي شهر يناير، كتب ناي في صحيفة فورين بوليسي ( Foreign Policy) أن الصين أمامها طريق طويل قبل أن تتمكن من طرح تحديات جدية في وجه الولايات المتحدة بحجم التحديات التي طرحتها الإمبراطورية الألمانية على بريطانيا في عام 1900 ، وقد عاد وشدد على هذه النقطة في مقالة كتبها في صحيفة لوس أنجليس تايمز حديثاً. إذا كان الواقع كذلك، فيجب أن تسترخي واشنطن بدل أن تضغط على نفسها لمواجهة تهديد صيني قد يكون مجرد وهم عابر.

 لكن الواقع ليس بهذه البساطة، إذ تشبه الصين الإمبراطورية الألمانية أكثر مما يظن ناي، غير أن نقاط الخلاف بينهما تشير إلى أن بكين ستطرح تحدياً أقسى وأكبر على الهيمنة البحرية الأميركية بما يفوق خطر برلين على بريطانيا العظمى.

 سيواجه التاريخ أحداثاً مصيرية في جميع الأحوال:

 أولاً، نبدأ بالنقاط المشتركة بين الوضعين؛ إذ يعتبر ناي أن ألمانيا كانت قد تفوقت أصلاً على بريطانيا في مجال القوة الصناعية بحلول عام 1900، وكان القيصر حينها ينفذ سياسة خارجية وعسكرية تحمل حساً عالياً من المغامرة وأهدافاً عالمية، وكان من المتوقع أن تسبب تلك السياسة تصادماً كبيراً، أما اليوم، فتركز السياسة الصينية في المقام الأول على محيطها والتنمية الاقتصادية.

 في الماضي، نجحت ألمانيا في التفوق على بريطانيا العظمى عبر فرض عدد من التدابير الاقتصادية، بينما لاتزال الصين متأخرة عن الولايات المتحدة في ما يخص هذه المؤشرات الاقتصادية مثل الناتج المحلي الإجمالي، ومع ذلك، كانت برلين قد بدأت تستثمر عظمتها الاقتصادية لتحويلها إلى قوة بحرية هائلة في أواخر القرن؛ فكان هذا العامل السبب الرئيس للعداوة القائمة بين الإنكليز والألمان في تلك الحقبة، إذ بقي الأسطول البحري العالي قوة قيد التحضير حينها، تماماً كما تُعتبر بحرية جيش التحرير الشعبي مشروعاً قيد التطوير اليوم.

 طرح الأميرال ألفريد فون تيربيتز، وزير الشؤون البحرية في عهد القيصر فيلهلم الثاني، أول قانون خاص بالقوات البحرية في البرلمان، عام 1898، وهو يسمح بتشكيل أسطول من 19 سفينة حربية، ثم تبعه قانون ثانٍ خاص بالقوات البحرية في عام 1900، وقد قضى بمضاعفة حجم الأسطول الحربي. لكن ترجمة أي تفويض قانوني إلى قوات عسكرية ملموسة تستلزم وقتاً من الزمن، ويتطلب تصميم السفن الحربية وبناؤها سنوات طويلة في العصر الصناعي، ولم تكن برلين استثناء من هذه القاعدة.

 في تلك الحقبة، وجد القادة الأميركيون أنفسهم في الموقع نفسه حين تعرضوا للاحتلال على يد القادة البريطانيين: باختصار، هيأ أحد الخصوم المحتملين البيئة المناسبة لبناء أسطول حربي مدهش لم يكن قد نضج بعد، بينما بقيت النوايا الحقيقية وراء بناء السفن بتلك الوتيرة الجنونية عرضة للتكهنات... بالتالي، دعونا لا نضخم حجم البراعة الألمانية ولا نستخف بالبراعة الصينية.

 لا أهمية في هذه المسألة لتعليقات ناي المرتبطة بواقع أن بريطانيا وجدت حس المغامرة الألماني مثيراً للقلق لأنه كان يؤثر في أنحاء العالم، فلم تكن بريطانيا على خلاف شديد مع طموحات برلين التوسعية، بل إنها شجعتها خلال السنوات التي تلت توحيد ألمانيا، لكن تطور الفرع البحري في السياسة الخارجية الألمانية هو الذي أثار حفيظة البريطانيين، وكان تصميم الأسطول البحري العالي يحمل رسالة محددة، فقد اضطرّ مصممو السفن إلى تقديم تنازلات كبرى على مستوى بعض الخصائص مثل السرعة والنطاق وحجم المدرعات والأسلحة.

 يؤدي تحصين السفينة بمدرعات إضافية أو تركيب أسلحة أكبر إلى زيادة وزنها، وكلما زاد وزنها، احترقت كمية وقود إضافية وتقلصت المسافة التي يمكن أن تقطعها، لكن مهندسي السفن البحرية الألمان فضّلوا تعزيز عتاد الأسلحة وتكثيف المدرعات على الاهتمام بنطاق مسار السفينة، ما يعني أن السفن الحربية المتمركزة في شمال ألمانيا لم تكن تستطيع تخطي بحر الشمال.

 مع اكتمال تصميم الأسطول البحري في مرحلة لاحقة، اتضح للمسؤولين البريطانيين أن برلين كانت تريد منافسة البحرية الملكية المتفوقة في المياه المحلية، ففي تلك الحقبة كما الآن، شعرت القوة البحرية المهيمنة بالقلق من نشوء نية فعلية بتحديها في محيطها الخاص من أجل بناء قوة بحرية منافِسة.

 أما الاختلافات القائمة بين وضعي الصين وألمانيا، فتبدي أن الصين تُعتبر منافساً أكثر دهاءً مما كانت عليه ألمانيا يوماً، إذ استعملت بكين موارد محدودة لبناء سفن وأسلحة يمتدّ نطاقها ليشمل المناطق المجاورة للبحار تماماً مثل برلين، لكنها على عكس برلين، امتنعت عن إهدار الموارد في الأماكن النائية والمغامرات المكلفة، لذا يُعتبر القادة الصينيون أكثر براعة في الحفاظ على الثروات الوطنية من القيصر فيلهلم الثاني المتسرّع.

 فضلاً عن ذلك، تقع الصين في موقع بعيد جداً عن القوة البحرية المهيمنة في العالم، بينما كانت ألمانيا لسوء حظها تتشارك المحيط نفسه مع أكبر خصومها.

 على صعيد آخر، بدأ جيش التحرير الشعبي بالاستفادة من هذه المسافة الجغرافية الفاصلة عبر ممارسة الضغوط على البحرية الأميركية، وهو أمر لم تواجهه البحرية الملكية يوماً. ولم يضطرّ القادة البريطانيون يوماً إلى القلق من بلوغ ساحة القتال انطلاقاً من قواعد في الجزر البريطانية، وكان كل تحرك للأسطول بين البحرية الملكية والمدرعات البحرية الألمانية القصيرة المدى يحصل في بحر الشمال أو في مواقع أخرى على طول الحدود البريطانية.

 في المقابل، قد تجد القوات الأميركية صعوبة كبرى لشق طريقها باتجاه غرب منطقة المحيط الهادئ انطلاقاً من قواعد في هاواي أو حتى من الساحل الغربي الأميركي، أما الجيش الصيني، فقد أعد استراتيجية مضادة ودرب قوات عدة للاستفادة من الموقع الجغرافي.

 باختصار، تتمتع الصين بتفوق ميداني بالقرب من سواحلها مع أنها تسعى إلى مواكبة الولايات المتحدة على مستوى القوة الاقتصادية والعسكرية، فالقادة الألمان كانوا سيحسدون الصين على ظروفها الاستراتيجية. وبما أن القادة الصينيين يركزون جهودهم على المجال البحري في آسيا، مع ادخار الموارد للحالات الطارئة في محيطهم، فإنه يتّضح أنهم أكثر حذراً من القيصر فيلهلم ومعاونيه وأكثر تجانساً مع محيطهم الاستراتيجي، فقد كان الأستاذ ناي على حق: الصراع ليس حتمياً في البحار الآسيوية، لكن بكين تنذر بأنها ستكون منافساً شرساً بقدر الألمان.

*جيمس ر. هولمز-  أستاذ في الشؤون الاستراتيجية في الكلية الحربية البحرية، شارك في تأليف كتاب نجمة حمراء فوق المحيط الهادئ (Red Star over the Pacific) الذي حصد جائزة أفضل كتاب لعام 2010 من صحيفة أتلانتيك .

0% ...

آخرالاخبار

حرس الثورة الإسلامية يعترض ويدمر طائرة مسيّرة أخرى من طراز MQ-1 تابعة للجيش الأمريكي في أجواء مضيق هرمز


الخارجية الإيرانية: نؤكد أن الحصانة التي تمنحها أمريكا لهذا الكيان يجب ألا تؤدي إلى عرقلة السعي لتحقيق العدالة والحرية لفلسطين والمطالبة بمحاكمة ومعاقبة المجرمين الإسرائيليين


الخارجية الإيرانية: إن الكيان الصهيوني الذي ارتكب واحدة من أكبر عمليات الإبادة الجماعية في تاريخ العالم لجأ في الوقت ذاته إلى الاغتيال والتعذيب المنهجي والواسع النطاق للفلسطينيين للمضي قدماً في مخططه الشيطاني لمحو فلسطين استعماريًا


الخارجية الإيرانية: ندين بشدة الإهانة الوقحة التي صدرت عن رئيس وزراء الكيان الصهيوني بحق المسجد الأقصى وانتهاك حرمة البراق


الخارجية الإيرانية: نؤكد مسؤولية المجتمع الدولي عن اتخاذ إجراءات جادة وحاسمة لوقف إبادة الفلسطينيين


الخارجية الإيرانية: مع اقتراب انعقاد الدورة السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة تعرب وزارة خارجية الجمهورية الإسلامية الإيرانية عن قلقها العميق إزاء استمرار جرائم الكيان الصهيوني بحق الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية


الخارجية الإيرانية تدين الجرائم ضد الإنسانية التي يرتكبها الكيان الصهيوني بحق الفلسطينيين


قوات الاحتلال تداهم منازل المواطنين خلال اقتحام بلدة كفر قدوم شرق قلقيلية


غارتان سعوديتان على مجمع مديرية المتون بمحافظة الجوف شمال شرق البلاد


تظاهرة حاشدة في برلين تضامنًا مع فلسطين ولبنان وإيران


الأكثر مشاهدة

اللواء رضائي: لا خيار أمام أمريكا سوى قبول شروط إيران


قوات الاحتلال تجري عمليات نسف في المناطق الشرقية لمدينة غزة


آليات الاحتلال تطلق النار شمال مدينة بيت لاهيا شمال غربي قطاع غزة


مصادر محلية: مستوطنون يقتحمون قرية "عورتا" جنوب نابلس، ويؤدون طقوساً تلمودية في مقام "العزير".


‏السفارة الأميركية في القدس المحتلة تحذّر مواطنيها في الكيان من احتمال إغلاق المجال الجوي، وفرض قيود، على خلفية تصاعد التوترات في المنطقة


مع اقتراب عيد "الغفران" اليهودي.. دعواتٌ فلسطينية للحشد والرباط في المسجد الأقصى المبارك، للتصدي لاقتحامات المستوطنين وإفشال مخططات الاحتلال


مصادر فلسطينية: قوات الاحتلال تقتحم بلدة قباطية جنوب جنين


الشيخ قاسم: الصمود في مواجهة الاحتلال ومنع تحقيق أهدافه هو انتصار


السفارة الأمريكية في العراق: نظرا للتوترات في المنطقة هناك احتمال لحدوث تصعيد غير متوقع


سفارة واشنطن في العراق: على المواطنين الأمريكيين أن يكونوا على دراية باحتمال إغلاق المجال الجوي وإلغاء الرحلات


قصف مدفعي إسرائيلي يستهدف بلدة كفر تبنيت جنوبي لبنان