الإعدامات الجماعية تحاصر الحكم السعودي

الإثنين ٢٩ أبريل ٢٠١٩
١٠:٣٤ بتوقيت غرينتش
الإعدامات الجماعية تحاصر الحكم السعودي ربما يمكن فهم دوافع الحاكم المستبد لاعتقال من يعارضه وذلك لابعاده عن ساحة الصراع ووقف التحريض، ولكن من الصعب استيعاب سياسات التطرف والإمعان في التنكيل والاضطهاد والموت مع المعارضين من قبل حاكم يريد التعايش مع شعبه. هذه الصعوبة تدفع للاعتقاد بوجود نوازع غير انسانية او اخلاقية لدى ذلك الحاكم وامثاله من الذين يتعاملون بالقسوة مع مواطنيهم الذين يفترض ان يتقاسموا معهم الثروة ويتبادلوا معهم العيش المشترك والاعتراف المتبادل.

العالم - السعودية

وكما يقال فان "الحكم يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم". ولذلك فالحاكم الذي ينتهج العنف والغلظة في التعامل مع مواطنيه يقطع الاواصر معه ويؤسس لثقافة استئصال على المدى البعيد، لا تبقي ولا تذر. من هنا يستغرب البعض حالة الاضطراب التي تعيشها بلداننا العربية والإسلامية، وكيف استبدلت ثقافة الحوار والسجال البناء بلغة الدم والانتقام والتصفية الجسدية والتعذيب، لذلك بقيت هذه الامة بعيدة عن التطور والتماسك. فالتطور لا يقاس بارتفاع ناطحات السحاب التي تشيد على جماجم الابرياء، او الجيوش المدججة بأحدث ادوات الموت ولا بالدعاية التي تروجها الاقلام المأجورة التي يبيع اصحابها ضمائرهم لكسب حظوة لدى الحاكم الجائر.

هذا الحاكم الذي يعتبر اعداء الامة ومحتلي اراضيها حلفاء معه في حربه مع شعبه وجيرانه، لا يتوفر على فرص كبيرة للبقاء، لأن الشعوب لا تموت وان خضعت للحاكم الظالم او المحتل الغاشم حقبة من الزمن. السياسة فن الممكن، هذا ما يقال لتبرير تغييب القيم والاخلاق والمبادئ عن التعامل السياسي، ولكن هل يمكن بناء امة او حضارة على الظلم والكذب والخداع والتوحش؟ واذا كان عالم اليوم محكوما بنظام عالمي يفرضه القوي على الضعيف، ويمتطي صهوة الجواد فيه اشخاص معتوهون لا يخفون عداءهم للآخر المختلف معهم فكرا او ثقافة او دينا، فان هذا الحال لا يستقيم على المدى البعيد لأنه مغاير للسنن التي تقضي بان العدل اساس (بقاء) الملك، وان الشعب يجب ان يكون مصدر السلطات بالاضافة لكونه مصدر شرعية الحاكم.

في الاسبوع الماضي اقدمت السلطات السعودية على إعدام 37 شخصا، اغلبهم من المنطقة الشرقية بدعاوى واهية لم يصدقها الكثيرون، ولم يعتبروها، حتى لو كانت صحيحة، مبررا لازهاق ارواح هذا العدد الكبير من البشر. بعض هؤلاء الشباب لم يبلغ الحلم، وبعضهم علماء دين، وآخرون اساتذة ومعلمون ورياضيون. وربما شارك بعضهم في مسيرة احتجاجية او طرح مطالبات بالاصلاح السياسي والعدالة في توزيع الثروة، ولكن هل الذبح والصلب عقوبة تتناسب مع ذلك؟ بعض مقاطع الفيديو التي بثت على وسائل التواصل الاجتماعي اظهر المستوى المعيشي لبعض هؤلاء في المنطقة الشرقية التي تنتج الشطر الاكبر من نفط الجزيرة العربية، وكيف ان الثروة النفطية التي تنتجها مناطقهم لا ينفق منها الا النزر اليسير لتطوير تلك المناطق.

اما طرح عنوان "الإرهاب" لتبرير الإعدامات فلم يستسغه الكثيرون خصوصا ان بعضهم معتقل منذ اكثر من ستة اعوام، وان مناطقهم لم تشهد اعمالا إرهابية واسعة. وهناك تقزز عام من الاستغلال البشع لمقولة الإرهاب، وكيف ان ذلك انما يساهم في نشر الظاهرة بدلا من احتوائها. ففي بلدان كالسعودية والبحرين والامارات ومصر اصبح المصطلح يلصق بمن يمارس دورا سياسيا ويصر على المطالبة باصلاح الاوضاع واعادة صياغة نظام الحكم بما يناسب القرن الحادي والعشرين. وعبرت منظمة العفو الدولية بالقول أن الإعدامات "مؤشر على أنه لا قيمة لحياة الإنسان لدى السلطات التي تستخدم عقوبة الإعدام بشكل منتظم كأداة لسحق المعارضة". واعتبرت المنظمة في تغريدة لها على حساب بتويتر "أن إعدام سلطات السعودية 37 شخصا في أعقاب محاكمات جائرة بحقهم، والحكم على عبد الكريم الحواج بالإعدام على خلفية جرائم ارتكبها عندما كان دون سن الـ18، انتهاك صارخ للقانون الدولي".

الإعدامات الجماعية في المملكة العربية السعودية اثارت حفيظة الكثيرين الذين يتوقعون ان تصل هذا العام الى حوالي 300، بينما كان العدد العام الماضي 148. هذه الوتيرة التصاعدية لا تمثل مسارا مقبولا لنمط الحكم. فما اطول سجل السعودية في الإعدام. ففي حج سنة 1409هـ /1989 ألقي القبض على 20 حاجا كويتيا، اتهم منهم 16 بتدبير تفجير وعرضت "اعترافات" لهم على التلفزيون السعودي ثم عرضوا على المحكمة في جلسة واحدة لتلقي حكم الإعدام، ولم يسمح للمتهمين بتعيين محامين. وبعد بضع أيام أمر الملك فهد بن عبد العزيز "بضرب أعناقهم بالسيف"، وتم تنفيذ الحكم عام 1989.

وفي العام 2016 نفذت الحكومة السعودية حكم الإعدام في 47 شخصًا مدعية ادانتهم بـ"الإرهاب" على رأسهم الشيخ نمر باقر النمر، أحد أبرز الوجوه الدينية المعارضة، بجانب بعض المنتسبين لتنظيم القاعدة. ونقل محمد النمر شقيق رجل الدين المعدوم بيانا صادرا عن أسرة النمر في بلدة العوامية، جاء فيه: "تفاجأ المجتمع السعودي والعالم صباح السبت (3 يناير 2016) ببيان وزارة الداخلية السعودية إعدام 47 مواطنا سعوديا وصفهم البيان بالإرهابيين. وكان من بين من نفذ بحقهم القتل سماحة الفقيه الشهيد الشيخ نمر باقر النمر رحمه الله الذي كان عالما فقيها مجتهدا تفخر به الحوزات العلمية ومثالا ونموذجا للحركة المطلبية والسلمية ودعا إلى تحمل المسؤولية وطالب بشجاعة بالحقوق المشروعة ورفض الطائفية لأكثر من أربعة عقود من الزمن".

ظاهرة الإعدامات الجماعية ليست جديدة في المملكة، بل تعود لعقود سابقة. ففي 9 يناير 1980 نفذت السلطات السعودية أحكام إعدام جماعية في ثماني مدن مختلفة وفي وقت واحد بحق أكثر من 63 شخصا ينتمون لـ "جماعة الدعوة السلفية المحتسبة". وبقيادة جهيمان العتيبي قامت تلك المجموعة باحتلال الحرم المكي والتحصن فيه في 1979. وبعد انتهاء الحادثة اصدرت المحاكم احكاما بإعدام 63 شخصا من الباقين الذين لم يقتلهم الفرنسيون الذين استقدموا لانهاء الحادثة بالهجوم على الحرم بعد اغراقه بالماء.

وثمة امتعاض يتصاعد لدى العديد من الاوساط السياسية والحقوقية الغربية بسبب السياسات السعودية في مجال حقوق الانسان ومعاملة المواطنين خصوصا المرأة والحرب على اليمن ودعم الإرهاب. وفي الايام الاخيرة دعا اثنان من الاعضاء البارزين بمجلس الشيوخ الأمريكي الى اعادة النظر في التحالف بين واشنطن والرياض بعد الإعدامات الأخيرة.

الرياض اصبحت تمارس سياسة "التذاكي" لتمرير مشاريعها السياسية والفكرية والاستحواذ على القرار العربي، ضمن تحالف قوى الثورة المضادة الذي يضم كلا من الامارات ومصر و"اسرائيل" والبحرين. المشكلة ان اوضاع المنطقة تتجه نحو المزيد من الاستقطاب الذي لا يضمن التحالف السعودي - الاماراتي نتائجه. وفي العامين الاخيرين ركزت سياسة ذلك المحور على العراق لمنع اكتمال تحالف اقليمي قوي يضم كلا من تركيا وإيران وسوريا وقطر بالاضافة للعراق. هذا التحالف لو تحقق سيكون كارثة لمحور قوى الثورة المضادة.

وقال السيناتور بيرني ساندرز -الساعي للفوز بترشيح الحزب الديمقراطي للرئاسة- إن الإعدام الجماعي "يؤكد كم أصبح ملحا على الولايات المتحدة أن تعيد تحديد أطر علاقتنا مع النظام الاستبدادي في السعودية". واضاف ان "على الولايات المتحدة أن تظهر للعالم أن "السعوديين ليس لديهم صك مفتوح لمواصلة انتهاك حقوق الإنسان وإملاء سياستنا الخارجية". بينما دعت السيناتورة الديمقراطية دايان فاينستين إلى إعادة النظر في علاقات الولايات المتحدة مع السعودية، بعد جريمة قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي داخل قنصلية بلاده بإسطنبول في أكتوبر الماضي. وأضافت أن "التقارير الأخيرة تعزز مخاوفي. لا يمكننا أن نغض الطرف عن الإعدامات المتزايدة، ولا سيما أن تساؤلات كثيرة تحيط بشرعية المحاكمات". غير ان علاقات السعودية والامارات والبحرين مع الكيان الصهيوني عامل اساس يوفر لهذه الحكومات حماية أمريكية سياسية لا تؤثر عليها الضغوط الاعلامية والحقوقية.

* د. سعيد الشهابي – القدس العربي

0% ...

آخرالاخبار

وفاة 5 بينهم 3 أطفال بانهيار جرف رملي على خيام نازحين في غزة + صور و فيديو


آيزنكوت يتولى مهمة تشكيل الحكومة ونتنياهو يخسر معركة العودة


متكي: الرد الإيراني الصاروخي سيطال قواعد العدوان خارج المنطقة


متكي للعالم : إيران تفشل الهيمنة الأمريكية وتبدد رهاناتها المتعاقبة


متكي للعالم : على الأمريكيين الخروج من المنطقة وإلا فإننا سنجد وسيلة لتحقيق ذلك


متكي للعالم : ليس لدينا أي مقترحات للأمريكيين، وسنرفع الحصار عن البلاد بأي وسيلة كانت


متكي للعالم : إيران مستعدة لتوجيه ضربات للعدو تجعله يندم إذا ما فكر في خوض حرب جديدة ضدها


متكي للعالم : الجميع يعرف ان اغلاق مضيق هرمز هو بسبب السياسات الاميركية الخاطئة


متكي للعالم : ستكون هنك مفاجآت وستستخدم أسلحة لم يروها ولم نستخدمها من قبل


متكي للعالم : اذا شعرنا بأي تهديد فقد نقوم بضربات استباقية ايضا


الأكثر مشاهدة

إيران تقاضي مسؤولي العدوان الأمريكي الإسرائيلي لإنصاف الضحايا


دوي انفجار جديد في جاسك جنوبي البلاد ولم تضح التفاصيل


العراق.. كتائب سيد الشهداء ترفض تصريحات وزير الخارجية فؤاد حسين وتصفها بأنها غير دقيقة


العراق.. كتائب سيد الشهداء: لم نعلن أو نتبن أو نوقع على أي موقف يتعلق بسلاحنا


التلفزيون الإيراني: لا ضربات استهدفت مدن هرمزغان والأصوات قد تكون ناجمة عن إجراءات قواتنا بمضيق هرمز


مصادر فلسطينية: إصابة طفل بنيران الاحتلال الإسرائيلي خلال اقتحام محيط حي كفر سابا بمدينة قلقيلية في الضفة الغربية المحتلة


بحرية حرس الثورة: ناقلتا نفط أوقفتا أنظمة الملاحة وتحديد المواقع وحاولتا عبور مسار غير مصرح به في مضيق هرمز


مصادر فلسطينية: آليات الاحتلال تطلق نيرانها شرق مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة


بحرية حرس الثورة الإسلامية: الناقلتان اصطدمتا بألغام بحرية أثناء محاولتهما العبور وهما تحترقان حالياً


مصادر فلسطينية: غارة من مسيرة إسرائيلية شرق مخيم البريج وسط قطاع غزة


الحرس الثوري: انفجار واشتعال النيران في ناقلتي نفط بمضيق هرمز