أوكتافيا نصر، هيلين توماس، قنوات العالم الايرانية والاقصى والمنار ، ليست كلمات متقاطعة وإنما هي أصوات تصادمت مع التطرف الأميركي الراعي للمصالح الاسرائيلية نتيجة لشعور بواجب لا انساني تشبع به الإدارة و المؤسسات الإعلامية الأميركية عقلها الباطن الذي يصور لها ان إسرائيل ليست سوى الصورة – النسخة عن بربريتها الذاتية كدولة إستيطان قامت على أنقاض شعوب أخرى أبيدت دون ذنب او حاجة أو مسوغ .
أميركا التي تمارس ديمقراطية إنتقائية لا تقبل بتعدد الآراء حين يتعلق الأمر باسرائيل حتى وإن كان الثمن رمي قوانين حماية الحريات العامة والإعلامية خلف حاجز المعايير المزدوجة.
ما الذي فعلته توماس لتستحق كل هذه القد ضده
ا ؟ وما الذي قامت به قناة العالم الايرانية غير عرض الرأي والرأي المضاد من على شاشتها وأحيانا كثيرة تستضيف القناة مفكرين وإعلاميين أميركيين يحرضون على إيران ويعارضون أراء قادتها وهو أمر لا تفعله السي أن أن أو فوكس أو اي قناة أميركية ممن لا نرى على شاشاتهم إلا الرأي الواحد الموالي للصهاينة ، فهل أميركا ديمقراطية وإيران ليست كذلك ؟
النموذج الأميركي في الاعلام اصبح أكثر وضوحا الآن فهو إعلام عسكري ممسوك من السياسيين الذين يديرون الادارة الاميركية في العلن وفي الخفاء وذلك الاعلام له قشور من التجميل الذي يعطيه شكلا من أشكال الحرية بينما هو في العمق إعلام رسمي ينتمي للسلطة الصهيونية على أميركا بكل ما فيها من بشاعة وحقد على كل من يخالفها ، بينما قناة العالم الإيرانية والاقصى والمنار وكثير من إعلام المقاومة العربية والداعمة لها هو إعلام رغم كل النواقص التي قد نجدها فيه إلا أنه إعلام حر ينطق بالتعددية ويسمح لمخالفيه بالبروز والنقاش والمجادلة ضد سياسة القناة وهذا ما نشهده دائما وعلى الأخص في قناة العالم الإيرانية .
ومع ذلك يتجه الكونغرس لوضع القناة على قائمة الارهاب لدعمها المقاومة في لبنان وفي غزة مثلها في ذلك مثل قنوات مقاومة أخرى سبقتها أو ستلحقها في ذلك الطريق المشرف على أي حال .
مزيد من اللامبالاة الأميركية لمشاعر الشعوب العربية والإسلامية في مقابل مزيد من التقديس لجرائم الاسرائيليين.
الصحفية "أوكتافيا نصر" آخر ضحايا انتهاك حرية التعبير في الولايات المتحدة،والسبب احترامها للمواقف المعتدلة للعلامة محمد حسين فضل الله؛ بضع كلمات أنهت مسيرة نصر المهنية في CNN. أما هيلين توماس - أكبر صحفيي البيت الأبيض – فقد إنتهى بها الحال إلى التقاعد الجبري بسبب تصريحها العفوي حول اصول الصهاينة وبلادهم التي يجب أن يعودوا إليها في أوروبا واميركا؛ فكل ما يمس اسرائيل حتى وإن سرب من نافذة الحياة الخاصة لشخصيات اعتبارية أميركية هو في عداد المحرمات بالنسبة لسياسة الولايات المتحدة ومنظومتها الإعلامية.
أميركا التي تطالب الحكومات الأخرى باستمرار بسن تشريعات تمكن الاعلام من آفاق أوسع، تمارس الحجر هي نفسها على إعلامييها إن إقتربوا من المحرمات الصهيونية فأي دليل تقدمه هذه الاميركا للمتطرفين ممن يدعون إلى كراهيتها بكل ما تمثل وما تمثل ؟
استصدار القرار رقم 2278 عن الكونغرس لوضع قنوات فضائية – وخاصة قناتي العالم الإخبارية والأقصى الفلسطينية على القائمة الأميركية للمنظمات الإرهابية ليس سوى دليل آخر على ضيق الادارة الاميركية بالفكر المعارض لسياساتها ولو لم يكن سوى كلمة إعلامية ..
هذه السياسة تسيء بالمقام الأول لعقلية المواطن الأميركي المؤمن بالحقوق التي تمكنه من استعراض كل الآراء واصطفاء الحقيقة المناسبة.
تهديد الحريات الإعلامية للأميركيين ظهر في الأشهر القليلة الماضية في أكثر من موقف فقبل نصر وتوماس والقرار 2278 حظي المفكر الأميركي نعومي تشومسكي بنصيبه من الاستجوابات الاسرائيلية على الحدود الفلسطينية الأردنية ومنع بعدها من الدخول بسبب حمولته من الأفكار والحقائق التي تخشاها الحكومة الاسرائيلية دون أن ترد السلطات الاميركية ولو باستنكار على ذلك التعسف بحق مواطن ومفكر من أبرز أكاديمييها .
هذه الأحداث تثير الدهشة والاستغراب خاصة حينما تصدر عن بلد كنا نرى فيه نفاقا وأمبريالية وإجراما بحق الشعوب الأخرى لكننا لم نعرف بانه أصبح محكوما بديكتاتورية تطلق النار على أرجلها لعيون الصهاينة .
فكل ما يحدث على صعيد قمع الحريات في أميركا سيرتد عليها أكان على يد الاحرار من شعبها أم على يد المظلومين والمخدوعين بدعايتها الخارجية التي صرفت وتصرف عليها المليارات دون نتيجة . لان أصل التشويع لسمعة أميركا لا يصدر عن أعدائها بل عن مسؤوليها وعن إعلامها وعن مجلسي الكونغرس وعن سلطتها التنفيذية ....وبعد ... فهل من عدو أشد على أميركا من نفسها ؟
وهل هناك حماقة أشد من ممارسة الحماقة بحق الذات ...ذلك ما تفعله أميركا .
سلام صيداوي