بعد الازمة الاقتصادية العالمية يتساءل البعض عن المآل الذي انتهت إليه العولمة في العالم، فبعد أن اسهمت العولمة في الترويج لاميركا كمركز ايديولوجي واحد ووحيد في العالم هاهي الشكوك التي تترافق مع نكسات كبرى تتوالى، بدءا بالحروب التي تشنها اميركا قاطرة خلفها الاتحاد الاوروبي، وانتهاء بالتحولات الديمغرافية والاقتصادية التي نقلت مركز الثقل إلى آسيا، فبدأ الحديث عن النماذج التنموية الآسيوية (الصين والهند وروسيا) حيث ينظر إلى هذه الدول باعتبارها أحد مفاتيح التنمية القادمة للدول النامية والمتخلفة في آسيا وافريقيا واميركا اللاتينية، وبعيدا عن تفاصيل الاخبار اليومية نجد أن حجم التحول الذي سينجم عن تراكم عناصر القوة الاقتصادية والعسكرية على المستوى الاستراتيجي سينقل العالم إلى حقبة جديدة تتصارع فيها الكتل الاقتصادية الكبرى على الموارد التي يزداد التزاحم عليها بفعل النمو الواضح لدى العمالقة الكبار الجدد (الصين والبرازيل والهند وروسيا وطبعا اميركا والاتحاد الاوروبي).
تستخدم العولمة، التي تقدّم على أنّها شيءٌ طبيعيّ، كقاعدة للتحليل من قبل معظم علماء السياسة. ولكنّ هذه النظرة تحجِب التناقضات التي تُثقِل العلاقات الدولية، وتهوِّن من شأن لعبة القوى الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الضمنيّة. فبعيداً عن الأضواء الإعلامية، هناك روابط غالباً ما تُبنَى وتُحلّ بين لاعبين معروفين أو صاعدين لمشهدٍ جيوسياسيّ في طور البزوغ.
ما اصطُلِح بشيءٍ من التسرّع على تسميته بكلمة «الشمولية»، أو بعبارة «العولمة» ذات الشحنة الإيديولوجية العالية، قد خضع في واقع الحال لكثيرٍ من التناقضات، أكثر من الصورة المتناغمة والأحادية التي صوّره بها مادحوه. فقد سعى هؤلاء لفرض قراءةٍ تقريظية للتاريخ المعاصر ليهمِلوا أو يحتقروا الماضي، متجاهِلين خطوط التعارض التي طبعت المرحلة، ومقلّلين أو واصفين متقادماً من شأن أيّ اعتراضٍ على النظام الجديد.
مع ذلك، هناك تفسيرٌ آخرٌ ممكن. هكذا يوضّح روبير بونّو، محلّل المنعطفات التاريخية، قائلاً: «خلال القرن العشرين، انفكّ الطابع المركزي والغربيّ للتاريخ. فالتوسّع وحتّى الابتكار قد شهدا توزيعاً أفضل. نقول شهدا لأنّه ابتداءً من سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين الماضي، تطوّر الوضع في اتجاهٍ معاكس... فهل هي نهاية التاريخ بالنسبة لثلاثة أرباع البشرية؟»في الواقع، كان للخطاب حول الشمولية وظيفةً أساسية في تشريع الهيمنة المالية للغرب، تحت عباءة عولمةٍ محبّبة وطبيعية.
لكن إساءة تقدير مزدوجة تكمن في صلب هذا الخطاب. فمن جهة، ليست الشمولية الراهنة، في أساسها، سوى شمولية المسائل المالية الظرفيّة؛ ومن جهةٍ أخرى، ليست الوحدة الكونية للظواهر التاريخية بالأمر الجديد. فقبل قرنٍ ونصف القرن، كتب المؤرخ والفيلسوف الفرنسي-الإيطالي، جوزيف فيرّاري: «لقد بيّنت في كتابي حول «تاريخ الثورات في إيطاليا»، كيف أنّ الدول على تنوّعها كانت تسلك الطريق نفسه دون أن تدري... (وأنا أحاول تأكيد) هذه التعميمات بتفسير العالم انطلاقاً من الصين، هكذا فإنّ كل حقبة كانت هكذا نوعاً من العولمة، أو بعبارةٍ أكثر تحديداً، نوعاً من العالمية. ويبقى السؤال الوحيد هو معرفة ماهية الظواهر العالميّة المهيمنة، ومن المستفيد منها.
في خروجٍ على المألوف، طرح المركز الوطني الفرنسي للأبحاث العلميّة (CNRS) هذا السؤال المركزي عام 2008: «هل العولمة عامل سلام؟». وقد أضاءت بعض الخلاصات على العلاقات الراهنة كما على النزاعات الماضية: «كلّما انفتحت البلدان على التجارة الدولية، ازدادت قابليتها للنزاعات. فالتبادل التجاري الثنائيّ بين بلدين يخفّف من احتمالات حروبٍ مقبلة بينهما؛ بينما ترفع التجارة الشاملة المتعدّدة الأطرف بين هذين البلدين وباقي العالم من احتمالات هكذا حروبٍ بينهما. ولا وجود لعلاقة واضحة وبديهيّة بين التجارة العالمية وأرجحية النزاعات (1870-2001).
فقد أدّى الضعف الذي أصاب العالم الأحادي القطب عند منعطف القرن الماضي وبروز بلدانٍ جديدة ذات نموٍّ ديموغرافي متسارِع (البرازيل، الصين، الهند، جنوب إفريقيا...) على الساحة الدولية، إلى زيادة احتمالات النزاع اليوم؛ خصوصاً أنّ النيوليبرالية قد حوّلت المواد الحيويّة إلى مواردٍ نادرة: المياه، الأراضي الزراعية، المحروقات... وغيرها.
بالطبع تمكّنت صلابة وأرجحيّة المصالح الغربية من تغذية الأوهام حول توازنٍ نسبيّ للعالم. فالمبادلات عبر الأطلسي ما تزال تشكّل المحرّك الرئيسي للعلاقات التجارية الدولية؛ كما تبدو القوّة الاميركية ضمانةً لنوعٍ من الاستقرار. لكنّ العالم الأحادي القطب الذي انبثق عن التسعينيات قد كشف عن تناقضاتٍ كانت حتّى الآن كامنة.
فقد أظهرت خطط الإصلاح الاقتصادي المتلاحِقة على الملأ عدم استقرار الاقتصاد الاميركي. فالولايات المتحدة التي أصابها الوهن منذ 2003 وتدخّلها في العراق، تشهد على فشل القوّة العسكرية الطاغية (hard power). فالإمكانات المالية لم تعُد قادرة على تلبية احتياجات الوضع، بينما تعاني القوات المسلّحة نفسها شكلاً من أشكال الأزمة؛ فسلاحا الطيران والبحرية و»المارينز» (مشاة البحريّة) يختبرون تقادماً في آليّاتهم الحربيّة وارتفاعاً في كلف صيانتها. هكذا يبدو أنّ سياسة «العصا الغليظة» لم تعُد واقعيةً، ولو أنّه لا يجب استبعاد تدخّلٍ عسكريّ في إيران، إمّا مباشرةً وإمّا عبر «إسرائيل». أضِف إلى ذلك أنّ الأنظمة التي كانت تلعب دور الوسيط المحلّي، مثل مصر، تبدو اليوم منهكة.
أحلام للجنرال ديغول في ألمانيا
كذلك تتضعضع الشراكة التقليدية بين ضفّتَي الأطلسي في العمق؛ وحتّى التجارة، الضمان النظريّ للعلاقات الجيّدة، تشهد انحسارات. إذ يلاحظ «المجلس الاقتصادي والاجتماعي الفرنسي» أنّ «الخلافات التجارية خصوصاً بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تشهد عدم تقيّدٍ بالقرارات التحكيمية الصادرة عن هيئة حلّ النزاعات التابعة لمنظمة التجارة الدولية. ما يدفع إلى التساؤل حول التجانس الذي تمّ تقديمه حتّى الآن على أنّه من البديهيات التاريخية. كما لاحظ السيد أكسيل بونياتوفسكي، عام 2005، في تقريره إلى لجنة الشؤون الخارجية في الجمعية الوطنية هل بات كلٌّ من الولايات المتحدة وأوروبا ينتميان إلى عالمَين مختلفَين؟ فغالباً ما ينحرِف النقاش حول الرابط الأطلسي نحو نقاشٍ يخصّ باستمرار القيم المشتركة بين القارتَين.
كما تشهد أوروبا نفسها، مع تقدّمها القويّ في تنمية سوقها الموحّد، ضغوطاً تمارس عليها من قوى طاردة. فإذا كان تأسيس الاتحاد الاوروبي قد ترافق مع ارتفاعٍ ملحوظٍ للتجارة الداخلية بين أعضائه حتّى عام 1990، فإن نموّ المبادلات داخل الاتحاد قد بات وبالرغم من التوسيع الذي وصل إلى 27 دولة، أقلّ ثباتاً من التصدير المتّجه إلى دولٍ غير أعضاء في الاتحاد الأوروبي. وحتّى التجارة داخل منطقة اليورو قد تراجعت بشكلٍ واضح.
في موازاة ذلك، تطوّرت في العمق العلاقات السياسية الداخلية ضمن الاتحاد. فمنذ سقوط جدار برلين عام 1989، وتوسّع الاتحاد عام 2004 ليشمل بلداناً من أوروبا الشرقية، وجدت ألمانيا نفسها في المركز الجيوستراتيجي للقارّة القديمة. وخير دليلٍ على ما اكتسبته من موقع، هو جلوسها داخل مجموعة الاتصال حول المسألة النووية الإيرانية، وقد شدّدت المحكمة الدستورية الألمانية في كارلسروه على «النقص الهيكليّ في الديموقراطيّة» في الاتحاد الأوروبي، ووضعت شرطاً للمصادقة على معاهدة لشبونة، وهو اتخاذ إجراءات من شأنها «ضمان فعاليّة حق الاقتراع وتأمين تقرير المصير الديموقراطي)9). هكذا أكّدت على وجود واستمراريّة الشعب الألماني، وكذلك على عدم وجود شعبٍ أوروبي.
فالاتحاد الأوروبي يعيش في الواقع بين تعميقٍ ظاهرٍ لتماسكه وتطوّرٍ لتناقضاته الداخلية. ففي الوقت الذي فرض فيه القادة الأوروبيون ولادة قيصرية لمعاهدة لشبونة -بنت التسعينيات- ينعي وزير الخارجية الألماني السابق يوشكا فيشر نهاية حقبةٍ عندما يُعلِن: «ما كنّا اليوم لنوافق على إدخال اليورو (...) فقد بتنا ديغوليين... فنحن كالفرنسيين نرى أوروبا أكثر فأكثر كوسيلةٍ وليست كمشروع».
يمكن ألاّ نقرأ في كلّ هذه الأحداث سوى إعادة للتوازنات، وأنّ نعتقد بأنّ الاتحاد الأوروبي والقطب الثنائي الاميركي- الصيني، وتحويل مجموعة الثمانية إلى مجموعة العشرين، سيتيح إدارة العالم دون إعادة النظر في «الحوكمة الرشيدة». لكنّ العالم يعيش في آنٍ معاً سعياً للحفاظ على هذا الاستقرار وتفتّتاً يناقضه.
حيث يتميّز هذا التذبذب بين التوازن القديم والآخر قيد الإنشاء بمتاهةٍ من التحالفات المتراكبة والمتغيّرة. ففي مواجهة العولمة المالية، تعود إلى الواجهة الاستراتجيات القوميّة والنزعة الوطنيّة الاقتصادية والاجتماعية، كما في ألمانيا أو روسيا؛ لا بل يظهر في اميركا اللاتينية بعدٌ أكثر اعتراضاً على النظام العالميّ.
هكذا تكاثرت مجموعات الدول المرتبطة بمعاهداتٍ رسمية: ففي موازاة الاتحاد الأوروبي، تمّ إبرام معاهدة التبادل الحرّ لاميركا الشمالية (Alena) والسوق المشتركة للجنوب (Mercosur) ورابطة دول جنوب شرق آسيا(Asean) وباتت الصين اليوم أوّل شريكٍ تجاريّ لليابان، فيما تُجري هذه الأخيرة نصف مبادلاتها الخارجية مع المنطقة الممتدّة من كوريا الجنوبية إلى الصين واستراليا. في الوقت عينه، تدعو المجموعة المكوّنة من البرازيل وروسيا والهند والصين (BRIC) رسميّاً إلى توازنٍ دوليّ جديد؛ في حين يقدّر بأنّ «وزنها الإجمالي في الاقتصاد سيرتفع من 10 في المئة عام 2004 إلى 20 في المئة عام 2025.
ومن شأن هذه التضامنات الجديدة دعم وانتقاد النظام المسيطر في الوقت نفسه؛ كما ظهر ذلك في فشل دورة الدوحة حول التجارة وقمّة كوبنهاغن حول المناخ. وبصورةٍ أكثر جذرية، تبرز نزعاتٌ اقتصادية قوميّة تُعارِض هذا النظام نفسه. هكذا، تُعلِن منظّمة تعاون شنغهاي (OCS) عن أهدافٍ اقتصادية، لكنّها تتّخِذ منحىً سياسياً جدّاً من خلال تنظيم مناورات عسكريّة صينية- روسية تُحاكي إنزالاً في جزيرة تايوان.
وفي قارّةٍ أخرى، يجمع التحالف البوليفاري لشعوب اميركا (ALBA) بلدان اميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي المناهضين للسيطرة الاميركية التقليدية. فهم إذ يؤكّدون مبدأ السيادة الشعبية، يعارضون هيمنة الدولار من خلال إنشاء نظامٍ موحّدٍ للتقاصّ الإقليمي (SUCRE)، وهو عبارة عن عملةٍ مشتركة تمّ تبنّيها في 16 نيسان 2009. كما أظهرت ولادة «اتحاد الدول الاميركيّة الجنوبية» (Unasur) ارتقاء البرازيل بشكلٍ خاص إلى حريّة تقرير مصيرها.
وفي العالم «المتعدّد الأقطاب» الجديد هذا، يمكن للاعبين أنفسهم أن يكونوا حلفاءً ومتعارضين في الوقت عينه. فروسيا والصين -العضوتان في مجموعة BRIC وشنغهاي- توافقان على خطاب واشنطن المناهض للإرهاب، في حين تحتفظان بعلاقاتهما مع طهران. وتتحدّث بكين التي تضمن الدولار بفضل شرائها لسندات الخزينة الاميركية، تارةً عن إمكانية استحداث عملةٍ آسيوية موحّدة، وطوراً عن ربط اليوان بالدولار. وتقيم برازيليا علاقات طيّبة مع واشنطن ولكن أيضاً مع هافانا، كما تدعم حصول طهران على الطاقة النوويّة السلميّة. أمّا الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز الذي يكافح في بلاده ضد السلطة الكنسية الكاثوليكية باسم العلمانية، فإنّه يدعم النظام الثيوقراطي برئاسة أحمدي نجاد. والبوليفي إيفو موراليس، الصديق الكبير للرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، يعارض دور مجموعة العشرين... التي تشارك فيها البرازيل.
وفي سعيها لمواجهة نزعات التحرر، تدعم القوى المحافظة الانقلاب في هندوراس، وتهدّد فنزويلا أو تفرح لعودة اليمين إلى الحكم في تشيلي. وتتكاثر الأوهام حول عولمةٍ ذات مسارٍ أكثر أخلاقيةّ واجتماعيةً وبيئيةً وأفضل توازناً. وإذا كان النظام القائم ما يزال يملك وسائل الاستمرار، فإنّ الأزمة الإيديولوجية ومركزها الولايات المتحدة تضعف الثقة التي كانت تمنح له حتّى الآن. وهذا ما كشفته الأزمة المالية التي انفتحت في عام 2008.
تكاثرت التحالفات الجديدة والمحتمَلة، وابتعدت كثيراً عن الأطر الحاليّة، بحيث لم يعُد ممكناً اعتبارها ظواهر هامشية. هكذا يقيم المؤرّخ وكاتب المقالات ويليام بفاف، الخبير في السياسة الخارجية الاميركية، مقارنةً بين فوز الاشتراكيين الديموقراطيين في اليابان وانتخاب السيد باراك أوباما في الولايات المتحدة والنقاش الدائر في المملكة المتحدة حول مستقبل العلاقات الأطلسية ويمكن أن نضيف إلى هذه اللائحة عدداً من التموضعات الجديدة كتطوّر الدبلوماسية الألمانية، والاتصالات الجديدة بين روسيا وبولندا، وإعادة التوجّه الاستراتيجيّ في تركياهكذا تبرز، كما يشير جوزيف فيرّاري، عالميّة جديدة، أي رابط موضوعي، ومسار مشترك بين أطرافٍ متناثرين في الظاهر.
*اندره بيلّون - الرئيس السابق للجنة الشؤون الخارجية في الجمعية الوطنية الفرنسية