عاجل:

الأهداف الحقيقية للغرب والولايات المتحدة في السودان

الثلاثاء ٢٠ يوليو ٢٠١٠
٠٤:١١ بتوقيت غرينتش
يبدو أن الرئيس أوباما قد انساق وراء صقور إدارته، وقام بتعيين الجنرال المتقاعد سكوت جريشن مبعوثا اميركيا خاصا في السودان.

يبدو أن الرئيس أوباما قد انساق وراء صقور إدارته، وقام بتعيين الجنرال المتقاعد سكوت جريشن مبعوثا اميركيا خاصا في السودان. ولعل الرسالة المباشرة التي يحملها هذا التعيين تتمثل في اعتبار مسألة دارفور علي قائمة أولويات الإدارة الاميركية الجديدة، فالمبعوث الجديد له خبرة طويلة في أفريقيا، ورافق أوباما في رحلته الأفريقية عام 2006م، والتي زار خلالها معسكرات لاجئي دارفور في تشاد.

 

يلاحظ المتابع للتناول الإعلامي الغربي لقضية دارفور والمسألة السودانية عموما وجود قدر كبير من المبالغة في وصف الأحداث وتفسيرها على غير ما تحتمل من وجوه. فالأمر يبدو أشبه بحالة من الحرب الدعائية المكتملة الأركان. وربما يدفع ذلك إلى التساؤل حول الأهداف الحقيقية للغرب والولايات المتحدة في السودان؟

 

إن أفريقيا ما تزال تعاني من بؤر للتوتر والصراع قد تتجاوز في حدتها المشهد السوداني بكثير. فقد شهدت القارة خلال العامين المنصرمين انتكاسة خطيرة في مسيرتها نحو الديمقراطية والتنمية. واتضح ذلك في قيام النخب الحاكمة بتوظيف الانتخابات التعددية لتكريس هيمنتها السياسية، كما حدث في كل من كينيا وزيمبابوي. ولم يستطع العسكر في كثير من المواقف الالتزام بقيم الحياد والاحتراف المهني، فأضحوا الطرف الفاعل في المعادلة السياسية، وهو ما ظهر بجلاء في حالات موريتانيا وغينيا وموريشيوس.

 

وعلى الرغم مما يدعيه الغرب بوجهه الإنساني من أنه يهرع من خلال منظماته الخيرية والاغاثية إلى تقديم العون والمساعدة للمحتاجين في أفريقيا، فإن أوضاع الفقر والبطالة لا تزال على حالها، بل وتزداد سوءا في كثير من الأحوال. ولا يخفى أن الغرب متورط، ولا يزال، في عمليات مستمرة للسطو على الموارد والثروات الطبيعية الأفريقية.

 

وقد صدر مؤخرا في باريس، كتاب جديد للصحفي الفرنسي البارز «بيار بييان»، P.Péan، بعنوان: «العالم حسب كوشنير»، «le monde selon K»، يتناول فيه بالوثائق فساد وزير الخارجية الفرنسية الحالي، برنار كوشنير. فقد تمكن هذا الوزير «الإنساني» أن يحصل على ملايين الدولارات من خلال عمل صفقات مشبوهة في مجال الاستشارات الصحية لصالح بعض الدول الأفريقية.

توقفت قليلا وقلت لنفسي ما هي إذن (الأجندة) الاميركية والغربية المسكوت عنها في دارفور والسودان على وجه العموم؟ فثمة حروب وصراعات أخرى في أفريقيا، مثل الحرب الأهلية في شرق الكونغو، كما توجد انتهاكات عديدة لحقوق الإنسان الأفريقي؟ فلماذا التركيز على السودان بهذا الشكل؟

 

السودان في بنيته الجغرافية والسكانية يختزل أفريقيا، فهو صورة مصغرة لها، وهو في تعدديته الثقافية والعرقية والدينية يعكس التمازج والتلاقي بين مكوناته الثلاثة: العروبة والأفريقية والإسلام. إنه ببساطة شديدة جسر للتواصل بين عوالم ثلاثة، وهو الأمر الذي يضفي عليه مسحة من عبقرية في المكان والسكان على حد تعبير مفكرنا الراحل جمال حمدان.

وعليه، فإن السودان بهذا العمق الإستراتيجي والمكنون الثقافي والحضاري يمثل نقطة ارتكاز للمشروع الإمبراطوري الاميركي الجديد. وربما يفسر ذلك سر عدم تغير الموقف الاميركي من المسألة السودانية اتساقا مع ساكني البيت الأبيض. فقد تفاءل البعض بمقدم الرئيس باراك أوباما، باعتبار جذوره الأفريقية القريبة من السودان. بيد أن ذلك لم يدم طويلا بعد إعلان تشكيلة إدارته والإفصاح عن مواقفها الخاصة بأزمة دارفور.

 

فالسيدة سوزان رايس التي تشغل منصب المندوب الاميركي الدائم في الأمم المتحدة، ترى بضرورة التخلي عن منطق الدبلوماسية الهادئة واتخاذ إجراءات صارمة ضد حكومة السودان. كما أن كلا من نائب الرئيس جو بايدن ووزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، يحملان فكر المنظمات الحقوقية الاميركية، سيما تحالف إنقاذ دارفور، والذي يطالب بالتدخل الاميركي المباشر لحماية المدنيين في دارفور.

 

ويبدو أن الرئيس أوباما قد انساق وراء صقور إدارته، وقام بتعيين الجنرال المتقاعد سكوت جريشن مبعوثا اميركيا خاصا في السودان. ولعل الرسالة المباشرة التي يحملها هذا التعيين تتمثل في اعتبار مسألة دارفور علي قائمة أولويات الإدارة الاميركية الجديدة، فالمبعوث الجديد له خبرة طويلة في أفريقيا، ورافق أوباما في رحلته الأفريقية عام 2006م، والتي زار خلالها معسكرات لاجئي دارفور في تشاد.

 

وقد ولد «جريشن» في دولة الكونغو الديموقراطية، حيث كان والداه يعملان في مجال التبشير المسيحي، وهو ما جعل الأسرة تتعرض للطرد والعيش في معسكرات اللاجئين أكثر من مرة واحدة. ويتحدث الجنرال «جريشن» السواحيلية بطلاقة كأهلها، كما انه يحمل درجة الماجستير في الأمن القومي من جامعة جورج تاون، وتربطه علاقات شخصية بعدد من كبار الشخصيات الأفريقية.

 

فما هي إذن دلالة هذا التحرك الاميركي الجديد؟ من الواضح أن إدارة أوباما تتجه إلى فرض مزيد من القيود والضغوط على الحكومة السودانية، سيما في المجال الإنساني. فقد رفضت الإدارة الاميركية قرار طرد المنظمات الخيرية الدولية العاملة بدارفور وحملت الرئيس البشير المسئولية الشخصية عن الوفيات التي تحدث في الإقليم من جراء نقص وكالات الإغاثة الدولية.

 

ومن المتوقع أن تبدأ إدارة أوباما عبر مبعوثها الجديد إقناع الحكومة السودانية بالتراجع عن خطتها الخاصة بـ(سودنة) العمل الخيري والاغاثي داخل أراضيها، بما يعنيه من طرد لكافة منظمات الإغاثة الأجنبية خلال عام. كما أنها سوف تحاول بشتى السبل إزالة كافة العوائق التي تعترض طريق نشر القوة الهجين الخاصة بحفظ السلام في دارفور.

 

ولعل أحد السيناريوهات المتوقعة تتمثل في قيام الولايات المتحدة بفرض منطقة حظر للطيران الجوي فوق إقليم دارفور، وهو ما يعني تكرار سيناريو شمال العراق. بل يذهب بعض صقور إدارة أوباما إلى القول بإمكانية شن غارات جوية على الخرطوم، للعمل على تقويض القدرات العسكرية لنظام الرئيس البشير، وهو الأمر الذي يؤدي إلى عزله ومحاصرته في الخرطوم.

 

ولا يخفى أن مثل هذا التوجه يؤدي إلى حالة من الفوضى الإقليمية العارمة التي تشمل كافة دول الجوار للدولة السودانية، بما فيها تشاد وأفريقيا الوسطى ومنطقة القرن الأفريقي، والتي تشهد تداخلا قبليا وثقافيا ملحوظا. أما على الصعيد السوداني الداخلي، فإنه يعني من الناحية الواقعية تقسيم الإقليم الشمالي بعد عزل الجنوب الذي يتمتع بالحكم الذاتي طبقا لاتفاق السلام الشامل عام 2005.

 

فهل يغلب الوجه «الإنساني» على المبعوث الاميركي، فيميل إلى استمرار الجهود الدبلوماسية حتى لو كانت غير هادئة للتوصل إلى تسوية سلمية، أم أنه تحت تأثير خلفيته العسكرية الصارمة وثقافته التبشيرية الواضحة يقود بلاده إلى تبني خيار المواجهة مع السودان من خلال تبني السيناريو العراقي؟

* د. حمدي عبدالرحمن كاتب مصري خبير في الشؤون الإفريقية

 

 

كلمات دليلية
0% ...

آخرالاخبار

قوات الاحتلال تداهم منازل المواطنين خلال اقتحام بلدة كفر قدوم شرق قلقيلية


غارتان سعوديتان على مجمع مديرية المتون بمحافظة الجوف شمال شرق البلاد


تظاهرة حاشدة في برلين تضامنًا مع فلسطين ولبنان وإيران


محافظ حلب: نتابع تطورات الانفجار بمنطقة العيس ونعمل على تعزيز إجراءات الأمن والسلامة في المنطقة


بالفیدیو...انفجارات ضخمة تهز منطقة العيس بريف حلب


قصف مدفعي إسرائيلي يستهدف بلدة النبطية الفوقا في جنوب لبنان


قاليباف: أميركا ضعيفة للغاية رغم قوتها المتفوقة ظاهريا


مصادر محلية سورية: قوات الاحتلال الإسرائيلي تطلق النار بكثافة باتجاه وادي الرقاد والأراضي الزراعية بريف درعا الغربي


قصف مدفعي إسرائيلي يستهدف منطقة علي الطاهر في جنوب لبنان


الدفاع المدني في حلب: إصابات جراء الانفجارات في محيط منطقة العيس بريف حلب الجنوبي


الأكثر مشاهدة

اللواء رضائي: لا خيار أمام أمريكا سوى قبول شروط إيران


قوات الاحتلال تجري عمليات نسف في المناطق الشرقية لمدينة غزة


آليات الاحتلال تطلق النار شمال مدينة بيت لاهيا شمال غربي قطاع غزة


مصادر محلية: مستوطنون يقتحمون قرية "عورتا" جنوب نابلس، ويؤدون طقوساً تلمودية في مقام "العزير".


‏السفارة الأميركية في القدس المحتلة تحذّر مواطنيها في الكيان من احتمال إغلاق المجال الجوي، وفرض قيود، على خلفية تصاعد التوترات في المنطقة


مع اقتراب عيد "الغفران" اليهودي.. دعواتٌ فلسطينية للحشد والرباط في المسجد الأقصى المبارك، للتصدي لاقتحامات المستوطنين وإفشال مخططات الاحتلال


مصادر فلسطينية: قوات الاحتلال تقتحم بلدة قباطية جنوب جنين


الشيخ قاسم: الصمود في مواجهة الاحتلال ومنع تحقيق أهدافه هو انتصار


السفارة الأمريكية في العراق: نظرا للتوترات في المنطقة هناك احتمال لحدوث تصعيد غير متوقع


سفارة واشنطن في العراق: على المواطنين الأمريكيين أن يكونوا على دراية باحتمال إغلاق المجال الجوي وإلغاء الرحلات


قصف مدفعي إسرائيلي يستهدف بلدة كفر تبنيت جنوبي لبنان