عاجل:

12/1/2011د. مصطفى يوسف اللداويleddawy2@gmail.com

الأربعاء ١٢ يناير ٢٠١١
٠٧:٥٦ بتوقيت غرينتش
عشرون عاماً بعيداً عن الوطن عشرون عاماً مضت بعيداً عن الوطن الأعز والأغلى والأقدس فلسطين، وقد كنت قبلها أنعم بالرباط فيه، وأمتع ناظري بالأرض الفلسطينية المباركة، وأجول قبل السجن في كل جنباتها، وألمس ترابها العقيق، وأتنسم عبيرها العبق، وقد كنت قبلها رئيساً للكتلة الإسلامية بجامعة بيرزيت، فطفت فترتها وأنا ابن مخيم جباليا بقطاع غزة، على العديد من قرى وبلدات ومدن الضفة الغربية، فلم تبقَ مدينةٌ لم أزرها، ولا قريةٌ لم أبت فيها، وكأني أغترف من الأرض العزيزة التي سأطردُ منها عما قريب قسراً وعنوة، وقد منَّ الله علي بزيارة القدس، والصلاة في المسجد الأقصى المبارك، والطواف في أزقة وحواري البلدة

عشرون عاماً بعيداً عن الوطن

عشرون عاماً مضت بعيداً عن الوطن الأعز والأغلى والأقدس فلسطين، وقد كنت قبلها أنعم بالرباط فيه، وأمتع ناظري بالأرض الفلسطينية المباركة، وأجول قبل السجن في كل جنباتها، وألمس ترابها العقيق، وأتنسم عبيرها العبق، وقد كنت قبلها رئيساً للكتلة الإسلامية بجامعة بيرزيت، فطفت فترتها وأنا ابن مخيم جباليا بقطاع غزة، على العديد من قرى وبلدات ومدن الضفة الغربية، فلم تبقَ مدينةٌ لم أزرها، ولا قريةٌ لم أبت فيها، وكأني أغترف من الأرض العزيزة التي سأطردُ منها عما قريب قسراً وعنوة، وقد منَّ الله علي بزيارة القدس، والصلاة في المسجد الأقصى المبارك، والطواف في أزقة وحواري البلدة القديمة، قبل أن تطوقني جدران السجون وأسلاك المعتقلات، وتحول بيني وبين الوطن والأهل والأحبة والذكريات.

ففي مثل هذه الأيام قبل عشرين عاماً عدنا للتو من مدينة القدس المحتلة، وبالتحديد من شطرها الغربي، حيث المحكمة العليا الإسرائيلية، التي صادقت على قرار الإبعاد، وأعطت الضوء الأخضر للتنفيذ، وقد كنا أربعة من الأخوة، مقيدين كل اثنين معاً في سيارةٍ منفصلة، فكان أخي مصطفى القانوع "أبو سائد، الذي شرفت بصبحته سنيناً، وعملت معه طويلاً، فكان لي أباً حانياً، وأستاذاً مربياً وموجهاً، ينظر من نوافذ السيارة العسكرية المصفحة، والمسيجة بقضبانِ الحديد، وهو يرى شوارع مدينة القدس، وقد جن الليل، وأرخى سدوله على كل مكان، فكان يحاول أن يطيل النظر إلى مدينة القدس الآخذة في الابتعاد وشوارعها، فقد بات على يقينٍ أنه سيفارقها بعد قليل، وهو أستاذ اللغة العربية، الأديب والمتأدب، حافظة الشعر، وراوية عيون الأدب، المرهف الحس، الشفاف لكل كلمةٍ ومعنى، والمدرك لحقيقة ما يجري وما يدور، ولكن عيناه كانتا تدور في محجريهما وهو يردد قول الشاعر ...

أقول لصاحبي والعيس تهوي بـنـا بـيـن المنيـفـة والضـمـارِ

تمتع من شميم عرارِ نجدٍ فما بعد العشيةِ من عرارِ

وقد بدا الحزن في كلماته، والأسى في آهاته، ساهماً والدموع تملأ مآقيه، ولكنه كان يردد أبيات الشعر وهو يحاول أن يطيل النظر من نوافذ السيارة، وكأنه يدعوني معه لنودعَ الأرض المقدسة، فقد يطول غيابنا عنها، وحز في نفسه كثيراً وهو يوشك على الرحيل، أن أرضنا أصبحت نهباً لكلِ غريب من شذاذ الآفاق ومناصريهم الغرباء، ولكنها محرمةٌ على أصحاب الحق، وهو يردد قول الشاعر ...

أحرامٌ على بلابله الدوحُ حلالٌ على كلِ طيرٍ من كلِ جنسِ

كان يحس أنهم يريدون لنا أن نجتث من أرضنا، وأن ننبت عن مجتمعنا وأهلنا، وأن نفارق أرضنا المقدسة الطاهرة، وكانوا يسابقون الزمن، ويلاحقون الجلسات، ويتابعون الجهد، في سباقٍ محمومٍ للطرد والاجتثات، ولكنهم سمعوا منا جميعاً في محكتمهم غير العادلة، أنكم قد تستطيعون طردنا من أرضنا، ولكننا يقيناً بإذن الله يوماً سنعود إليها، ولكننا لن نعود إليها فرداى كما أبعدنا، بل سنعود إليها جميعاً فاتحين محررين، ويومها لن يكون لكم وجودٌ في أرضنا، ولن تكون لكم دولة تحتمون بها من عدل أصحاب الحق العائدين، وقلنا لهم بعالي الصوت، أنكم دولة جورٌ وظلم، وأن كيانكم قد قام على الاعتداء والاغتصاب والعدوان، ويوماً ما سندمر كيانكم، وسنخرب بيوتكم، وسنطردكم من أرضنا، لنعود إليها وحدنا.

قبل عشرين عاماً، فجر يوم الأربعاء، التاسع من يناير عام 1991، فرضت قوات الاحتلال الإسرائيلي حظر التجوال على قطاع غزة بأكمله، بينما كان مئاتٌ من الجنود الإسرائيليين يملأون ساحة السجن المركزي بغزة "السرايا"، قبل أن يقتادونا نحن الأربعة، بسياراتٍ عسكرية إلى مغتصبةٍ كانت لهم يوماً في غزة قرب النصيرات، فارتحلوا عنها وعادت لنا، ومنها نقلتنا فجراً في تمام الساعة السادسة صباحاً طائرة هيلوكبتر عسكرية إسرائيلية، لتحط بنا بعد ساعة وخمس وثلاثين دقيقة في منطة زمريا اللبنانية، وأنزلنا من الطائرة العسكرية، وقد كنا مقيدي الأيدي، وأكياس القماش الخشنة تطبق على رؤوسنا، وتضيق أنفاسنا، لننقل عبر سياراتٍ مدنية لبنانية كانت تتبع جيش لحد، أوصلتنا إليها سياراتٌ عسكرية إسرائيلية، آمرةً سائقي السيارات اللبنانية أن ينقلونا إلى الجانب الآخر من الشريط الحدودي اللبناني الذي كان محتلاً، لننظم إلى مئات آلاف اللاجئين الفلسطينيين، المحرومين من وطنهم، والممنوعين من العودة إليه، لنبقى مثلهم نحمل الحب والحنين والشوق إلى أرضنا المباركة.

عشرون عاماً مضت بعيداً عن الوطن فلسطين، وقد أبعدنا منه مجبرين، وطردنا منه مكرهين، وحملنا منه قسراً وعنوة، ولكننا حملنا معنا من غزة إلى أهلنا في كل مكان عبق الانتفاضة المباركة، وقصص أطفالها الأبطال، وسير المقاومين فيها، وحكايا أهلنا في الضفة الغربية وقطاع غزة، ورسمنا لأهلنا ووطننا صورةً رائعة تروي صمودهم وجهادهم وعطاءهم، ونقلنا للعالم كله عزة أهلنا، وقدرتهم على الصمود والثبات والمقاومة، وأن شوكتهم مازالت حادة، وإرادتهم صلبة، وعزمهم كالحديد لا يفل، وأن أحداً لن ينال منهم، مهما بلغ في قوته، وتمادى في ظلمه وغيه، ونقلنا لأمتنا صوراً عن ترابط شعبنا وتآلفه، وعن وحدته وتراص صفوفه، وأن العدو يحاربنا جميعاً، لا يفرق بيننا، ولا يميز بين جموعنا، إذ أن همه أن يفرغ الأرض منا طرداً أو قتلاً لا فرق.

عشرون عاماً مضت بعيداً عن الوطن، الوطن العزيز الأبي الغالي، الحزين المكلوم الجريح، الوطن الذي يعكس خيره على أهله، ويصبغ سكانه بقداسته، ويمنحهم عزاً قل أن يظاهى، وفخراً يحلم به الكثيرون، ومجداً يسامق الجوزاء في علياءها، فحمداً لله أن منحنا الفرصة لنكون من أهل فلسطين المرابطين، ولأن نمتع ناظرينا بالأرض المباركة، وأن نطهر أنفسنا بالسجود له تعظيماً وتسبيحاً في باحات المسجد الأقصى المبارك، ونحمده أن جعل لنا قبل أن نموت سهماً به نقاتل، وفرصةً بها نقاوم، فكان لنا شرف الوجود، وعز النضال، وفخر الثبات في فلسطين المباركة، فإن كان لنا شرفٌ ندعيه، ومفخرةٌ نعتز بها، أننا حملنا يوماً حجراً قذفنا به الجنود الإسرائيليين، وصدحنا بكلماتٍ صادقاتٍ في سوح المقاومة، وداخل أسوار السجون والمعتقلات، وعلى منابر المساجد ومنصات الطلبة، وقد أصابنا الكثير مما أصاب شعبنا، ضرباً، واعتقالاً وتعذيباً وإهانة، قبل أن تكون الخاتمة إبعاداً وطرداً، ظانين أنه خلعٌ واجتثات، ولكن حقيقته انغراسٌ في عمق أرضنا أكبر، وثباتٌ على حقنا أكثر.

عشرون عاماً مضت بعيداً عن الوطن، لكن جذورنا هناك، وآمالنا هناك، وحقوقنا باقيةٌ هناك، وأهلنا الصامدون هناك، ففي غزة مازال بيتي، وبقايا مخيمي، وفيه قبر أبي، وقبر أخي الشهيد، وأخي الفقيد، وفي جباليا مازالت أمي وأخي وأختي، كلهم يتطلعون بأملٍ ويقينٍ إلى الغد والفجر الآتي، حاملاً معه تباشير نصرٍ غير موهوم، نحلم أن نعود فيه يوماً وأهلنا وشعبنا كله، إلى ديارنا وبيوتنا وقرانا، أعزةً كرماء، وقد حررنا أرضنا، واستعدنا حقوقنا، وطهرنا مقدساتنا، لنستعيد معهم ذكريات الوطن والأهل والأحبة، ونبني معاً وطناً حراً أبياً عزيزاً مطهراً من كل رجس، يصدح فوق كل مآذنه العالية نداء ... الله أكبر الله أكبر.

 

كلمات دليلية
0% ...

آخرالاخبار

استشهاد فلسطيني متأثرا بإصابته بنيران قوات الاحتلال في جباليا شمالي قطاع غزة


استشهاد مواطنة اثر اصابتها بطلق ناري في الرأس على طريق صلاح الدين وسط قطاع غزة


اللواء حاتمي: تقف القوات المسلحة على أهبة اليقظة والاستعداد الكامل ولن تتردد لحظة في الدفاع عن استقلال إيران العزيزة وأمنها ووحدة أراضيها


القائد العام للجيش الإيراني اللواء حاتمي: وقف الشعب الإيراني مرة أخرى صفًا واحدًا بوجه اعتداء العدو وأطماعه فيما دافعت القوات المسلحة المقتدرة للجمهورية الإسلامية الإيرانية عن كيان البلاد ووحدة أراضيها


قصف إسرائيلي شرق مدينة خانيونس جنوبي قطاع غزة وفي محيط دوار بني سهيلا


مكتب الرئيس الإيراني: بزشكيان سيتوجه غدا إلى نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة


وزير الداخلية الباكستاني «محسن نقوي» يتوجه اليوم الاثنين إلى إيران


هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية ومقر خاتم الأنبياء: لن تتراجع القوات المسلحة أمام العدو وستذيق المعتدين والناقمين على الشعب الإيراني مرارة المزيد من الهزائم


هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية ومقر خاتم الأنبياء: غيّرت القوات المسلحة الإيرانية المعادلات الأمنية لصالح الأمة الإسلامية والشعب الإيراني الشريف


هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية ومقر خاتم الأنبياء: تم دفع البلاد نحو «إيران القوية» بالاستفادة من التجارب القيّمة للدفاع المقدس الذي استمر 8 أعوام


الأكثر مشاهدة

اللواء رضائي: لا خيار أمام أمريكا سوى قبول شروط إيران


قوات الاحتلال تجري عمليات نسف في المناطق الشرقية لمدينة غزة


آليات الاحتلال تطلق النار شمال مدينة بيت لاهيا شمال غربي قطاع غزة


مصادر محلية: مستوطنون يقتحمون قرية "عورتا" جنوب نابلس، ويؤدون طقوساً تلمودية في مقام "العزير".


‏السفارة الأميركية في القدس المحتلة تحذّر مواطنيها في الكيان من احتمال إغلاق المجال الجوي، وفرض قيود، على خلفية تصاعد التوترات في المنطقة


مع اقتراب عيد "الغفران" اليهودي.. دعواتٌ فلسطينية للحشد والرباط في المسجد الأقصى المبارك، للتصدي لاقتحامات المستوطنين وإفشال مخططات الاحتلال


مصادر فلسطينية: قوات الاحتلال تقتحم بلدة قباطية جنوب جنين


الشيخ قاسم: الصمود في مواجهة الاحتلال ومنع تحقيق أهدافه هو انتصار


السفارة الأمريكية في العراق: نظرا للتوترات في المنطقة هناك احتمال لحدوث تصعيد غير متوقع


سفارة واشنطن في العراق: على المواطنين الأمريكيين أن يكونوا على دراية باحتمال إغلاق المجال الجوي وإلغاء الرحلات


قصف مدفعي إسرائيلي يستهدف بلدة كفر تبنيت جنوبي لبنان