ما القضية ؟

الإثنين ٢٨ مايو ٢٠١٨
٠٥:٤٦ بتوقيت غرينتش
ما القضية ؟ الأجوبة طبعاً ليست في اليمن وحده ولا في فلسطين وحدها رغم إصرار شعبَي البلدين على أن يواجهوا مصيرهم بأنفسهم بعد أن يئسوا من مجتمع دولي ومنظمات حقوق إنسان ومنظمات عربيّة وإسلاميّة على اختلاف مسمياتها. والأجوبة لا يمكن أن تكون وليدة أحداث اليوم فقط لأنّ جذر المشكلة ضارب في أعماق تاريخنا سواء ما حدث منه أو ما كان يتوجب حدوثه ولم يحدث.

العالم - مقالات وتحليلات 

في الأسبوع الفائت كتبتُ عن "صاحب قضية" والقابض عليها رغم رداءة الزمن والظروف والتقاطعات الإقليميّة والدوليّة. كتبتُ عن الفلسطيني المقاوم الصلب الذي أعاد إلينا اعتبارنا لأنفسنا وأعطانا قبساً من أمل بمستقبل أفضل. وبعد ذلك رأيتُ أخاه يستصرخ العالم من أجل ابنته التي تطالبه بأن تأكل دجاجاً منذ سبعة أشهر، ويتكلّم بكلمات تحرق القلوب أسى غير مصدّق هو نفسه ما يقوله، ويسأل هل يُعقل أن أصبح متسوّلاً؟ أن أصبح أنا متسوّلاً، يا جماعة إيش القضية؟، سؤال يستحق التوقف عنده والبحث في احتمالات الأجوبة عنه، وخاصة إذا جاء متزامناً مع الأخبار الواردة من "اليمن السعيد" بأن 22 مليوناً من سكان اليمن مهددون بالجوع وبأن 85% من شعبه اليوم تحت خطّ الفقر.

الأجوبة طبعاً ليست في اليمن وحده ولا في فلسطين وحدها رغم إصرار شعبَي البلدين على أن يواجهوا مصيرهم بأنفسهم بعد أن يئسوا من مجتمع دولي ومنظمات حقوق إنسان ومنظمات عربيّة وإسلاميّة على اختلاف مسمياتها. والأجوبة لا يمكن أن تكون وليدة أحداث اليوم فقط لأنّ جذر المشكلة ضارب في أعماق تاريخنا سواء ما حدث منه أو ما كان يتوجب حدوثه ولم يحدث.

جزء أساسي من المشكلة هو أنّنا لم نُولِ اهتماماً حقيقياً لكتابة تاريخ الأحداث في بلداننا، ومن يكتب هذا التاريخ ومن أيّ وجهة نظر، بل ما زلنا على الأغلب أمّة شفوية تتعامل بالشفوي من أجل التهرب من المسؤوليّة ونتيجة الافتقار إلى الشفافية والصّدق، ومن ثمّ نترك التاريخ وشأنه لأصحاب المصلحة في تسجيله وبالطريقة التي يرتأونها والتي تخدم أهدافهم طبعاً، ولهذا السبب فإنّ كلمة "الأرشيف" لا اعتبار لها في ثقافتنا، وقد كتبتُ منذ عقود زاوية بعنوان "أرشيف" أقول فيها إنّ الأرشيف الذي هو ذاكرة الدولة والأمّة مكان يُرسلُ إليه المغضوب عليهم من الموظفين ويُعتبر المكان الأدنى في سلم وظائف الدولة وفي البلدان العربيّة قاطبة، بينما الأرشيف هو ذاكرة الأمّة والذاكرة أثمن ما يمتلكه الإنسان أو البلاد.

الأمر الآخر والذي  قد يلقي الضوء على مناحٍ من الأجوبة لأنّه جزء أساسي من المشكلة المستعصية هو أنّ هذه الأمّة وفي جميع أقطارها ما زالت تتألف من أفراد ولم تتوصل إلى تشكيل عقل جمعي في السياسة والمجتمع يصهر كلّ جهود وتوجهات الأفراد في حركة عامة في التاريخ، ولا تتوقف عند مصير شخص أو فرد أو حتى مجموعة أفراد لأنّ القوة المجتمعيّة والسياسيّة الدافعة أكبر وأعمق من الأفراد، وبهذا تضمن استمرار الدول والبلدان والأمم.

وبنظرة سريعة إلى الدول الأكثر استقراراً وأمناً وتقدّماً من دولنا العربيّة، نجد أنّ هذه الدول تعاني من مشاكل شبيهة بالمشاكل التي نعاني منها من فقر وفساد وطبقية وظلم وإلى ما هنالك، ولكنّ عجلة السير فيها لا تتوقف عن الدوران لأنّ لديها من العقل الجمعي ما يشكّل قوة دافعة، ولديها أيضاً من آليات العمل ما يضمن استمرار الدول، وتجاوزها أعقد وأصعب الأزمات.

لعلّ هذا الوضع المفكّك والذي لم يرتقِ إلى طور التشكيل والبنيان المتين، هو الذي يفسّر ظاهرة التبعية للآخر، أو قد يكون في جزء منه نتاج هذه التبعية في العقل والمفهوم والمصير. ولعلّ هذا الوضع يجيب جزئياً على سؤال شغل بالي على مدى سنوات ألا وهو لماذا نجد نسبة عالية في عالمنا العربيّ من المستعدّين لأن يخونوا قضاياهم وبلدانهم ويرهنوا حياتهم لأعداء أمّتهم، واليوم نلاحظ هذا الارتهان على مستوى دول وحكّام وبطريقة مخزية ومخجلة، ربما لأنّ عدم تأسيس آليات عمل لبلدان حقيقيّة وعدم وجود عقل جمعي ودول قويّة تدفع الأفراد والمؤسسات، ومؤخراً الدول، كي تجد لنفسها مرجعية تنتمي إليها، فتقع في حضن الأعداء الذين يعملون منذ عقود على خلق هذه الفرصة وينتظرون اقتناصها بكلّ كفاءة واقتدار ولهذا السبب نجد الجرحى في فلسطين على عكازات ليقولوا "لا" للاحتلال، والجائعين في فلسطين واليمن يتحدّون أقدارهم بأمعاء خاوية بعد أن يئسوا من كلّ ما له علاقة بمجتمع دولي أو إسلامي أو عربيّ.

القضية يا صديقي العزيز هي أنّك تجترح قضيتك وكرامتك في وقت فشلت فيه دول عن فعل ذلك، وتركتكَ وحيداً والعار واقع عليها، وليس عليك، أنّك وجدتَ نفسك في هذا الوضع الصعب. القضية هي أنّ العرب استهانوا بأنفسهم، فاستهان العالم بهم وهم مستمرّون في بناء قصور على الرمال بدلاً من وقفة صادقة وجريئة بعد كلّ هذه المحن التي عصفت بهم، وإعادة قراءة تاريخهم والتأسيس لتاريخ مختلف يعتمد الواقع مَعِيناً والصّدق منهجاً والعقل الجمعي وسيلة والتوثيق المكتوب والمعلن والشفاف أسلوباً وآليات العمل الواضحة والحديثة ضمانة لتنقية الدولة واستمراريتها وازدهارها.

القضية يا صديقي هي أننا بالفعل لم نبدأ بعد، وأنت بدأت الدفاع عن قضيتك وقضايانا بصدرٍ عارٍ وأدوات بسيطة ولم نفهم أنّ علينا اللحاق بك بكلّ ما نمتلك من قوة، ولكن لا بدّ وأن تكون مسيرتنا على خطى نيلسون مانديلا ومهاتير محمد وكلّ الشرفاء الذين وضعوا أوطانهم أولاً وثانياً وثالثاً وفوق كلّ اعتبار.   

بثينة شعبان

0% ...

آخرالاخبار

مصادر فلسطينية: قوات الإحتلال تقتحم عدة مناطق في الضفة الغربية


جهاز الخدمة السرية الأميركية: اعتقال رجل قرب البيت الأبيض بحوزته 3 أسلحة نارية وعشرات الطلقات


وزارة التجارة الصينية: نعارض العقوبات الأميركية على الشركات الصينية بسبب علاقاتها بكوبا


الخارجية القطرية: ما يتداول بأن رئيس الوزراء وزير الخارجية صرح بفشل واشنطن وطهران بالتوصل لاتفاق عار عن الصحة


الخارجية الأمريكية: على الأمريكيين بالشرق الأوسط الانتباه لاحتمال إلغاء الرحلات الجوية أو حدوث اضطرابات بالسفر


مصادر فلسطينية: قوات الاحتلال تقتحم بلدة طمون جنوب طوباس.


الدفاع الجوي للجيش الإيراني يُسقط طائرة مسيّرة اميركية من طراز MQ-9


مصادر فلسطينية: قوات العدو الإسرائيلي تقتحم مخيم بلاطة شرق نابلس


مصادر فلسطينية: قوات العدو تعتقل مواطنا خلال اقتحامها مخيم عسكر الجديد شرق نابلس


الحوثي: استهداف العدو السعودي للأسواق والأعيان المدنية جرائم حرب


الأكثر مشاهدة

وزير الحرب الأمريكي هيغسيث: لم ينجح العزل مع الرئيس ترامب ولن ينجح معي


ارتفاع أسعار النفط نحو 4% وبرنت يسجل 98 دولارا للبرميل


فرانس برس: ١.٦ مليون شخص في مختلف أنحاء فرنسا يشاركون في احتجاجات على على ارتفاع الأسعار


الرئيس الصهيوني: سأعلن يوم الأحد اسم المكلف بتشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة


السيطرة على سادس طائرة استطلاع أمريكية مسيّرة من طراز MQM-170 في سماء جزيرة قشم


البرلمان التركي يصدق على "اتفاقية مكة" للدفاع المشترك بين تركيا وباكستان والسعودية


ترامب حول النزاع الأوكراني: أعتقد أننا سننهي الأمر قريبا جدا ربما قريبا جدا


إسلامي: تهديد ترامب بشن هجوم على جبل كلنج دليل على العجز


رئيس المنظمة الايرانية للحج والزيارة يبدأ زيارة الى السعودية بدعوة من نظيره السعودي


الرئيس الصهیونی يحدد موعد الإعلان عن اسم الشخصية المكلّفة بتشكيل الحكومة المقبلة


"يونيفيل": نواصل مهامنا في جنوب لبنان حتى انتهاء ولايتنا بنهاية العام الجاري