منذ نعومة أظفارنا ونحن نسمع أن السودان يعتبر سلة غذاء الوطن العربي، وهذه المقولة لم تأت من فراغ إذا علمنا أن السودان اكبر دولة عربية مساحة، وعاشر دولة عالمياً من حيث المساحة أيضاً، إذ تبلغ مساحته أكثر من 2,5 مليون كم2, ومساحة إقليم دارفور لوحده أكبر من مساحة فرنسا بينما مساحة الجنوب تقترب من المليون كم2، في حين لا يتجاوز عدد سكان السودان الإجمالي 35 مليون نسمة، ولديه أكثر من مائتي مليون فدان قابلة للزراعة، وأكثر من 130 مليون رأس من الماشية، وأمطاره وموارده المائية تفوق الدول العربية مجتمعة، ومعظم ثرواته غير مستثمرة وهي من النفط والذهب والنحاس والحديد واليورانيوم والبوكسيت وغيرها، يضاف إلى ذلك كله وجود تنوع عرقي وقبلي وثقافي وأكثر من مئة لغة وآلاف اللهجات، ما حدا بأحد الباحثين إلى القول إن السودان هو أفريقيا المصغرة، ويصح الاستنتاج بأن هذه الثروات الكامنة الكبيرة وهذا الغنى الهائل جلبا للسودان أزمات لاتنتهي بفعل طمع الطامعين وجشع المتربصين.
والجدير بالذكر أن اكتشاف النفط مؤخراً زاد من أطماع أمريكا والغرب بالسودان، وبالتالي زادت مناسيب الفتن واختلاق المشكلات خصوصاً إذا عرفنا أن أول من اكتشف النفط السوداني شركة شيفرون الأمريكية التي نشرت أن السودان يعوم على بحيرة من النفط، وجاء الحقد الأمريكي الأسود على السودان عندما طردت ثورة الإنقاذ شركة شيفرون، وسلمت الآبار التي حفرتها إلى الشركات الصينية، وبذلك فتحت المعركة على مصراعيها بين أمريكا والسودان، فكانت العقوبات الاقتصادية، وكان الحصار، وكان استخدام المحكمة الدولية التي وصلت إلى حد إصدار مذكرة توقيف للرئيس البشير وهو على رأس الحكم في سابقة لم يحصل مثلها في تاريخ الدول.
ويبدو أن واشنطن كانت تنتظر بفارغ الصبر اليوم الموعود يوم الاستفتاء القادم لتفجر الأزمة الأكبر، أزمة الانفصال بين الشمال والجنوب، وهي إذا ما حصلت ستكون من أخطر الأحداث في تاريخ القارة الأفريقية. لكن لابد أن نوضح بداية أن السودان لا يعيش أزمة واحدة بل عدة أزمات، لعل أقدمها وأحدثها في آن واحد هي أزمة جنوب السودان التي باتت على نار حامية جداً هذه الأيام مع اقتراب موعد الاستفتاء على مصير الجنوب مطلع الشهر القادم.
قبل الحديث عن هذه الأزمة تجدر الإشارة إلى أن الإدارة الأمريكية واجهت ثورة الإنقاذ منذ قيامها في ثمانينيات القرن الماضي بخطة انتقامية، احد أسبابها النفط كما قلنا، وهي تعتمد على إغراق السودان بمجموعة من الأزمات تفضي في النهاية إلى تقسيمه إلى عدد من الكيانات المتنافرة، حتى إن احد مراكز البحوث الأمريكية أوصى إدارة كلينتون بشد السودان من أطرافه الأربعة ليسهل تمزيقه، وذلك من خلال أزمة في الشرق عرفت بأزمة البجا أو أزمة الشرق، وأزمة في الغرب والشمال المعروفة بأزمة دارفور، وأزمة في الجنوب وهي الأزمة المزمنة بين الشمال والجنوب التي أضيف إليها النزاع على منطقة آبيي الغنية بالنفط، وهي التي تقع في المنطقة الحدودية بين الطرفين .
وإذا كانت جبهة الشرق قد هدأت بعد الاتفاق الذي تم توقيعه في العاصمة الاريترية أسمرا عام 2008، إلا أن الأزمات الأخرى في دارفور والجنوب وآبيي لازالت ملتهبة، ناهيك عن أزمة حلايب بين مصر والسودان الموضوعة على الرف منذ استقلال السودان عام 1956. ولا نتجاوز الواقع إذا قلنا أن اخطر الأزمات التي يواجهها السودان حالياً هي أزمة الجنوب لأنها تحمل في طياتها احتمالاً مرجحاً لانفصال الجنوب عبر استفتاء يجري الإعداد له على قدم وساق، وسط أجواء توحي كلها بالانفصال خاصة بعد أكثر من عشرين عاماً من الحرب بين الطرفين .
لقد استبق سلفا كير ميادريت رئيس حكومة الجنوب والنائب الأول للرئيس السوداني موعد الاستفتاء على تقرير المصير لجنوب السودان في التاسع من شهر كانون الثاني القادم ليعلن دونما مقدمات أو مواربة أن حكومته مستعدة لفتح سفارة لإسرائيل في جوبا عاصمة الجنوب حالما ينتهي الاستفتاء والسؤال الذي يطرح نفسه هو: ماذا يعني هذا الإعلان المبكر والإستباقي ؟؟
ليس صعباً على المتابع لأحداث الصراع بين شمال السودان وجنوبه، منذ بدء الحرب الأهلية التي امتدت إلى أكثر من عقدين من الزمن وانتهت بالتوقيع على اتفاقية نيفاشا عام 2005 التي نصت على الاستفتاء المشاراليه، أن يدرك أن فترة سريان الاتفاقية التي استغرقت خمس سنوات لم تكن سوى هدنة بين الطرفين شابها الكثير من التوتر وحتى القتال الدموي الذي لم يهدأ في آبيي المنطقة المتنازع عليها إلى الآن، كما ليس صعباً معرفة أن دور إسرائيل في الحرب والهدنة كان ولازال قوياً في توجيه الأحداث الوجهة التي تريدها، وهي حصول الانفصال حتماً، ومن ثم قيام دولة الجنوب المتوقع وارتباطها ارتباطا عضويا بالكيان الصهيوني.
ومن هنا كان إعلان سلفا كير وكأنه تحصيل حاصل ونتيجة طبيعية لكل المقدمات السابقة، فالتغلغل الإسرائيلي في حوض النيل ليس جديداً والمساعي الصهيونية لتكون لإسرائيل حصة في حوض النيل لم تتوقف، وقد ركزت منذ البداية على جنوب السودان، وعملت إسرائيل على إذكاء نار الحرب بين الشمال والجنوب بهدف وضع أصابعها على الدولة التي يمكن أن تتشكل في الجنوب وتأخذ حصة من مياه النيل، حتى إن الإسرائيلي موشي فرجي في كتابه حول العلاقات الاسرائيلية الأفريقية يشير إلى أن إسرائيل كانت تدفع مرتبات قادة وضباط جيش تحرير السودان، وقدرت مجلة /معرخوت/ العسكرية أن مجموع ماقدمته إسرائيل لجيش تحرير الجنوب أكثر من 500 مليون دولار، قامت الولايات المتحدة بتغطية الجزء الأكبر منه. كما أن إسرائيل أقنعت الجنوبيين بتعطيل تنفيذ قناة جونقلي في أعالي النيل التي كانت ستزيد تدفق مياه النيل إلى مصر وتنعش المشاريع في الشمال المصري، وقالت إسرائيل إن الجنوبيين أولى بتلك المياه من غيرهم، وعندما ظهر النفط في جنوب السودان في منتصف الثمانينيات أوفدت واحداً من اكبر خبرائها هو ايلياهو لون فسكي الذي قدر احتياطاته بسبعة مليارات برميل، ونتيجة ذلك شرع الجنوبيون في المطالبة بحصتهم، وعارضوا إنشاء مصفاة كوستي للنفط في الشمال، ولم تترك إسرائيل أزمة دارفور دون تدخل سافر أيضا وأعلن عبد الواحد نور أحد قادة المجموعات الانفصالية عن افتتاح مكتب لمجموعته في إسرائيل بهدف إقامة علاقة مباشرة معها.
نعود إلى السؤال لماذا كان إعلان سلفا كير الاستباقي ؟..
في ضوء ماتقدم يمكن تقدير خلفية هذا الإعلان على النحو التالي :
1- يقين سلفا كير من أن نتيجة الاستفتاء ستكون الانفصال حتماً، وأن حملة الحركة الشعبية مستمرة منذ اليوم الأول لسريان اتفاقية نيفاشا، وأن الوحدة مع الشمال ليست خياراً جاذباً، وتعبئة أبناء الجنوب ضدها تحت مزاعم أنه في حال اختيار الوحدة سيكون المواطن الجنوبي مواطناً من الدرجة الثانية في السودان الموحد .
2- تقديم عربون مسبق لإسرائيل بأن حكومة الجنوب سيكون من أولى أعمالها بعد الانفصال مباشرة افتتاح سفارة إسرائيلية في العاصمة جوبا، وذلك كثمرة من ثمار العلاقات القديمة بين إسرائيل والحركة الشعبية، وكثمن للدعم العسكري الإسرائيلي المستمر لها.
3- إرضاء الولايات المتحدة والغرب عموماً بأن الدولة الجديدة في الجنوب هي امتداد للطيف الأمريكي والغربي في أفريقيا، وهذا تمهيد لكي تحظى هذه الدولة باعتراف دولي شامل، وأن تقبل في عضوية الأمم المتحدة فوراً، وقطع الطريق على أي اعتراض سوداني أو عربي أو إسلامي على الانفصال .
4- إظهار نوايا مسبقة عن استعداد الدولة الجديدة لأن تكون رأس حربة للقوى الاسرائيلية والغربية في التصدي لأي امتداد عربي وإسلامي داخل القارة الأفريقية، وتحجيم دور السودان بإبعاده الثلاثة العربية والإسلامية و الأفريقية، وإفساح المجال أمام إسرائيل لتلعب لعبتها الكبرى في حوض النيل بالتحكم في مياه هذا النهر، وبالتالي التحكم بدول الحوض العشرة وهي: مصر والسودان واوغندة وكينيا وإثيوبيا واريتريا والكونغو ورواندا وبوروندي وتنزانيا .
و بذلك تكون أفريقيا كلها مفتوحة أمام أطماع إسرائيل، فالقارة السمراء تحتل أهمية بالغة في الأجندة السياسية الإسرائيلية منذ تأسيس الكيان الصهيوني، طمعاً في الثروات والموارد الطبيعية التي تمتلكها ولاسيما اليورانيوم الطبيعي، فضلاً عن الموقع الاستراتيجي للقارة، ولحماية الأمن الإسرائيلي عبر فك حالة العزلة العربية والإقليمية المفروضة عليها، ناهيك عن أهداف توراتية.
لقد استطاعت إسرائيل أن تخترق القارة وأن تمدّ شبكة علاقاتها بشكل كبير هناك، وللدلالة فإن عدد التمثيل الدبلوماسي الإسرائيلي في أفريقيا، تجاوز اليوم الأربعين بعثة، ولم يبق حاليًّا سوى ثلاث دول إفريقية لم تقم علاقات دبلوماسية مع كيان العدو.
وتتبع إسرائيل سياسة تقوم على تطوير العلاقات التجارية بغية الحصول على المواد الأولية اللازمة للصناعة الإسرائيلية، ولتوفير أسواق جديدة لمنتجاتها، وقد بات الإسرائيليون اليوم يملكون أكبر الشركات التي تتحكم في الاقتصاد الأفريقي. وتعتمد إسرائيل سياسة دعم التعاون العسكري في ميادين الاستخبارات والتدريب، وتزويد القارة بالأسلحة، وسياسة تزكية الصراعات في أفريقيا بهدف إحكام السيطرة. ولذلك، تقوم إسرائيل بدعم أنظمة الحكم الموالية لها في القارة الأفريقية، وتحاول زعزعة الاستقرار السياسي في البلدان التي لا تواليها وإسقاط الأنظمة التي تسعى للتقارب مع الدول العربية. كذلك تحاول إسرائيل إثارة الخلاف بين الدول العربية والأفريقية، ومحاولة التحكم بمصادر المياه، ولاسيما نهر النيل للضغط على السودان ومصر تحديداً. وفي جانب آخر، تعتمد إسرائيل سياسة تقديم المساعدات الإنسانية ودعم المجتمع المدني وقد أنشأت العديد من المراكز التدريبية الخاصة بأفريقيا، وهي تقوم على الدوام بإعادة تقويم هذه المراكز وتطويرها.
يمكن القول بعد هذا كله إن احتمالات عودة الحرب بين الشمال والجنوب كبيرة، وأكثر من احتمالات السلام، رغم كل التطمينات التي نسمعها يومياً من أعلى مستويات الطرفين، فمن الصعب أن يرى السودانيون إسرائيل أفريقية في جنوبهم وهم الذين اشتركوا في القتال ضدها في كل الحروب خلال أعوام 1948 و1956 و1967 و1973، ومن الصعب ألا تحاول إسرائيل الثأر، أو أن توقف تحريضها للجنوبيين ليطالبوا بالحصة الأكبر من نفط السودان الموجود أغلبه في منطقة آبيي التي لم تحل أزمتها حتى الآن، وخاصة بعد أن تتربع تل أبيب دبلوماسياً في الجنوب وتدير دفة الحكم فيه بشكل أو بآخر.
والسيناريوهات التي نراها في الأفق لمسار الأزمة السودانية في ضوء التفاعلات الإقليمية والدولية تتجلى فيما يلي:
1- الاتفاق على تأجيل الاستفتاء بهدف إعطاء الوقت الكافي للتحضير له، وهذا يتيح تجديد الحشد الشعبي للتمسك بخيار الوحدة، وجعل هذا الخيار جاذباً لأبناء الجنوب، وترجيحه على خيار الانفصال. وقد اقترحت هذا الاتجاه أو السيناريو المفوضية العليا للاستفتاء، وتم تمديد فترة تسجيل الذين يحق لهم الإدلاء بأصواتهم، لكن حظوظ هذا السيناريو ضعيفة نظراً لمعارضته معارضة شديدة من حكومة الجنوب.
2- الاتفاق على اتحاد فيدرالي بين الشمال والجنوب في حال كانت نتيجة الاستفتاء الانفصال، وهذا السيناريو اقترحته مصر على الطرفين، وتحدث عنه وزير خارجيتها احمد أبو الغيط، وقد رفض حزب المؤتمر الوطني الحاكم في الخرطوم هذا الاقتراح.
3- موافقة الحكومة السودانية على الشروط الأمريكية العديدة، ومنها منح الامتيازات من جديد لشركات النفط الأمريكية، وتخلي السودان عن سياسة الممانعة ودعم المقاومة الفلسطينية، وتنفيذ الشرط الدائم المستور وهو انضمام السودان إلى كامب ديفيد، والاعتراف بإسرائيل، وبذلك تساعد واشنطن السودان على بقاء الوحدة وحل مشكلة دارفور وآبيي، ورفع العقوبات، وإلغاء مذكرات توقيف مسؤولين سودانيين وفي المقدمة مذكرة توقيف الرئيس البشير. وهذا السيناريو يبدو شبه مستحيل في ظل المواقف الثابتة والمعلنة لحزب المؤتمر الوطني والقيادة السودانية.
4- فشل السيناريوهات الثلاثة آنفة الذكر وحصول الانفصال نتيجة الاستفتاء الذي تتحكم به الحركة الشعبية القابضة على السلطة في الجنوب، وهذا يفتح الباب أمام احتمالات تجدد الحرب، وبخاصة أن النزاع على مناطق النفط الرئيسية في آبيي لم يحسم، والاحتمال الأقوى أيضاً أن تحدث حرب أهلية داخل الجنوب نفسه، لأن هناك قبائل عربية في الجنوب وقبائل من الجنوبيين المناهضة لقبيلة الدنيكا لا توافق على الانفصال، ولا توافق على انفراد الحركة الشعبية بسلطة الجنوب. ويزيد من قوة هذا الاحتمال ضعف الدولة الانفصالية التي ستولد وتخلفها الشديد واعتماد الجنوب في كل شيء على الشمال وعدم وجود منفذ لها على البحر وأسباب أخرى كثيرة.
أخيراً من المؤسف القول إن غالبية الدول العربية تقف موقف المتفرج ولاموقف لها عملياً تجاه هذا الخطر القادم حتى الآن، وكأن المسألة لاتعنيها، رغم التداعيات السلبية شديدة الخطورة على العرب جميعاً.
* الدكتور تركي صقر سفير سورية السابق في السودان