عاجل:

مشروع أميركا للتحالف مع الأنظمة الاستبدادية

الجمعة ٢٤ ديسمبر ٢٠١٠
٠٧:٣٢ بتوقيت غرينتش
يدين هذا التلخيص للدراسة الواضحة التي أنجزها تشارلز كوبشان والمنشورة على صفحات مجلة "فورين أفيرز" في هذا الجزء من هذا المقال سأتعرض بالتلخيص والتحليل النقدي للاعتبارات التي قدمها كوبشان والتي على ضوئها يرى بأن إنشاء مثل هذا النادي الدولي الديمقراطي المكون من 60 دولة تقريبا، لن يحل المشكلات الدولية في مجال ممارسة الحكم، كما أنه سيعرض المصالح الأميركية الوطنية للخطر.

يدين هذا التلخيص للدراسة الواضحة التي أنجزها تشارلز كوبشان والمنشورة على صفحات مجلة "فورين أفيرز" في هذا الجزء من هذا المقال سأتعرض بالتلخيص والتحليل النقدي للاعتبارات التي قدمها كوبشان والتي على ضوئها يرى بأن إنشاء مثل هذا النادي الدولي الديمقراطي المكون من 60 دولة تقريبا، لن يحل المشكلات الدولية في مجال ممارسة الحكم، كما أنه سيعرض المصالح الأميركية الوطنية للخطر. على ضوء هذه المخاوف والتردد يبدو واضحا بأن موقف أستاذ الشؤون الدولية بجامعة جورج تاون وزميل مجلس العلاقات الخارجية الأميركي يتسم بالبراغماتية، أي بالإجراء النفعي لصالح دولته أميركا، ولا يقدم بالتالي رؤية نظرية وعملية لتفعيل ثقافة المشروع الديمقراطي على المستوى الدولي.

 

على أية حال، فإن معارضة تشارلز كوبشان لتكوين عصبة الدول الديمقراطية يتضمن- على نحو غير مباشر- الاعتراف بأن مشروع الديمقراطية لا يمكن فرضه بالقوة، أو تصديره مثل البضاعة. في رأيه فإنه على الرئيس الأميركي أن يضع مثل هذا المشروع في ثلاجة.

 

في هذا السياق يقدم الأستاذ كوبشان وجهة نظر الفريق المدعم لفكرة تأسيس عصبة الديمقراطية حيث يبرز بأن أعضاء هذا الفريق يعتقدون أن عصبة من هذا النوع يمكن أن تكون "وسيلة لإصلاح منظمة الأمم المتحدة، وأنها بمثابة بديل لها في حالة فشلها فقط في هذه الإصلاحات، وبالمقابل فإن جزءا من هذا الفريق المتمثل في قيادات حزب الجمهوريين الأميركي يريد تحقيق مشروع عصبة الدول الديمقراطية لتهميش منظمة الأمم المتحدة التي تتعرض للشلل من قبل الدول غير الديمقراطية، أو الاستبدادية، حسب الوصف الذي يطلقه هؤلاء الجمهوريون على أغلبية دول العالم الثالث، وعلى بعض الأنظمة في أوروبا الشرقية مثل بيلاروسيا، وصربيا، إلخ...

 

وفقا لبعض المفكرين الأميركيين الإستراتيجيين، مثل تود لندبرغ المنتمي لمؤسسة هوفر، فإن المسألة لا ينبغي رؤية الحلول بداخل مجلس الأمن الدولي وإنما ينبغي البحث عنها ي إطار، وبداخل الدول الديمقراطية، "إن المعيار الذهبي للمصداقية ليس هو القرار الجماعي لمجلس الأمن، ولكنه هو التوافق بين الدول التي تملك المصداقية الديمقراطية الوطنية".

 

إن المقصود هنا بانعدام المصداقية لمجلس الأمن الدولي ولقراراته بخصوص نشر الديمقراطية كونيا هو وجود كل من الصين، وروسيا، وهما يملكان حق النقض بداخل مجلس الأمن علما أنهما لا يملكان المصداقية في مجال الديمقراطية محليا ودوليا. وبمعنى آخر فإن مجلس الأمن، وبسبب وجود عضوين غير ديمقراطيين فيه، كما يرى الأميركيون، غير مؤهل أخلاقيا أن يشرع للديمقراطية دوليا، أو يفرضها في كل مكان.

 

من الناحية المنطقية الشكلية حجج تود لندبرغ تبدو ظاهريا مقنعة، ولكن لا بد هنا من فتح مناقشة جادة مع هذا المفكر الإستراتيجي بخصوص قضية الديمقراطية ومجلس الأمن الدولي ومنظمة الأمم المتحدة من منظور تاريخي، وواقعي.

 

بديات خاطئة ونهايات فظيعة

 

إنه لا يمكن فصل واقع منظمة الأمم المتحدة بكل مؤسساتها، منها مجلس الأمن الدولي، عن تاريخ نشأة عصبة الأمم وما ترتب من كوارث، وصراعات عن ذلك. فعصبة الأمم لم تؤسس على قواعد ديمقراطية عالمية منذ البداية؛ فالمعروف والبديهي أنها مؤسسة على القوة وليس على عدالة توزيع المسؤوليات بين دول العالم.

 

فالتأسيس المبكر بعد الحرب العالمية قد قاده المنتصرون في تلك الحرب، أي الحلفاء الذين هزموا النظام النازي الألماني، تحديدا في تلك الحقبة التاريخية كانت موازين القوى ضد مصالح دول العالم الثالث، وخاصة في بلدان الشرق الأوسط، وشمال إفريقيا، وغيرها من جيوب العالم غير الغربي. إذ كانت مجموعة من الدول الغربية تحتل العديد من المستعمرات في المعمورة، وتؤكد الشواهد والوقائع والوثائق أن عصبة الأمم لم يكن لها أي مشروع له صفات ومسؤوليات إنسانية من أجل دعم التحرر الوطني دوليا، ونشر مبادئ حقوق الإنسان أو ثقافة الديمقراطية. وبعد تأسيس عصبة الأمم بسنوات تفجرت الحرب الباردة بين المعسكر الشيوعي بقيادة روسيا وبين المعسكر الغربي الرأسمالي بقيادة أميركا.

 

وهكذا، وجراء ذلك فقد تم تجميد عصبة الأمم، وسلبت من أي دور إيجابي يخدم البشرية في العالم. وحين تم تطوير تلك العصبة وترقيتها إلى شكل منظمة الأمم المتحدة ومؤسساتها المختلفة مثل مجلس الأمن الدولي، ومحكمة العدل الدولية، وغير ذلك من المؤسسات الفرعية ذات الطابع الدولي شكليا وظاهريا، فإن الغرب بصفة عامة كان المسيطر على كل شيء في هذه المؤسسة على نحو سافر، وغالبا باستخدام القوة الغليظة والقوة الناعمة في شكل أشبه بقفازات يلبسها النمر.

 

ومن هنا فإن انعدام مصداقية منظمة الأمم المتحدة وفروعها له جذور تاريخية تعود حقا إلى البدايات الأولى السلبية لتشكيل عصبة الأمم ومن ثمة لتشكيل هذه المنظمة بالذات. فالأمم المتحدة مثلت منذ البداية ولا تزال تمثل مشكلة أكثر مما تمثل الحل.

 

إن تقسيم غنائم القوة والسيطرة على القرارات الحاسمة بين الولايات المتحدة الأميركية وبين حلفائها على مدى زمني طويل قد لعب دورا مفصليا في عدم بناء قواعد كونية للديمقراطية وقيمها الإنسانية. أي أن منظمة الأمم المتحدة ذات التكوين التراثي الفوقي قد عطلت سياسيا، وأمنيا، واقتصاديا، ومعرفيا مسيرة استقلال الدول في العالم الثالث، وقدمت صورة سيئة للمجتمع الدولي، وحطمت أحلام الشعوب الضعيفة في السلم الدائم، والأمن بكل مشتقاته المادية والرمزية.

 

لا شك أن تحقيق الديمقراطية كونيا مرهون ومشروط معا بتوزيع الثروة بعدالة، ونشر المعرفة العابرة للحدود الجغرافية، والعرقية، وبتوزيع السلطة على نحو تشاركي دوليا بغض النظر عن قوة وحجم هذه الدولة أو تلك. فالمعيار الأخلاقي والمعرفي، والمادي مفقود في الأمم المتحدة، وهذا هو السبب الذي جعلها بدون مصداقية.

 

أرى بأن مناقشة كل من تشارلز كوبشان، وتود لندبرغ لأزمة الأمم المتحدة لا يشخص عناصرها بواقعية وتجرد وموضوعية، وإنما يتهمانها بأنها لا تعمل جيدا، ولا ينتقدان أيضا الحملات التي يشنها بعض القادة بداخل الحزب الجمهوري بأميركا ضد هذه المنظمة، وبدون إبراز القوة التي تكبلها وفي المقدمة النظام الأميركي القديم والجديد. وباختصار فإن التبريرات التي يفصح عنها اليمين الأميركي، وبعض العناصر في الحزب الديمقراطي في عهد كلينتون، أو في عهد باراك أوباما بخصوص تسويغ إنشاء عصبة الدول الديمقراطية ككتلة لمواجهة الدول المدعوة بالاستبدادية لا تصمد أمام النقد العلمي الذي ينطلق من التقييم النزيه للأوضاع الدولية بصورة عامة، ولدور أميركا وعدد من حلفائها في تعطيل الأمم المتحدة، وإفراغها من أي محتوى أخلاقي ذي معايير دولية.

 

تشارلز كوبشان مع الديمقراطية والاستبدادية

 

إنه من الواضح أن النتيجة الكلية لمناقشة تشارلز كوبشان ذات معيار مزدوج ومتناقض. من جهة يدافع عن قيم ومثل الديمقراطية، ومن جهة أخرى فإنه يدعو بلاده أميركا إلى عدم فك الإرتباط المصلحي مع ما يدعوه هو شخصيا بالدول الاستبدادية. وها هو يوضح مقاصده المتناقضة "وعوضا عن ذلك، فإنه ينبغي على الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها الديمقراطيين أن يستثمروا وبتعاون كبير مع الاستبداديات الصاعدة، مثل الصين وروسيا، ومع الدول النفطية الغنية في الخليج "الفارسي". إن فريق العمل الديمقراطي لن يكون كافيا لمواجهة التحديات الراهنة".

 

ويلخص كوبشان هذه التحديات في إغلاق البرنامج النووي الإيراني والكوري الشمالي، ومحاربة ما يدعوه بالإرهاب، والتغلب على تفاقم الإنبعاث الحراري في العالم، وتسيير مخزون الطاقة، وبناء نظام الأمن الجهوي في شرق آسيا وفي الخليج "الفارسي"، لأن هذا يتطلب في رأيه "مساعدة الأنظمة غير الليبرالية".

 

فالذي يهم كوبشان، إذن، هو المصالح الأميركية وليس الديمقراطية، رغم قوله في خلاصة مقاله "إن التاريخ يمكن أن يبرهن جيدا بأنه سيقف إلى جانب الديمقراطية، ولكن على الأقل الآن، فإنه يجب على الدول الديمقراطية أن تعمل مع الاستبداديات الصاعدة إذا ما أرادت أن تعالج التحديات العالمية".

*أزراج عمر

كلمات دليلية
0% ...

آخرالاخبار

بقائي: الدولة التي كانت تتباهى ذات يوم بإسقاط "الستار الحديدي"، باتت اليوم عالقة خلف "ستار حديدي" داخل حدودها


غوتيريش: تتورط القوى العظمى في الصراعات، وفي بعض الحالات تتصرف بشكل يتعارض مع القانون الدولي


الأمين العام للأمم المتحدة أنطوني غوتيريش: نواجه فجوة جيوسياسية كبيرة تعيق عمل مجلس الأمن


يحيى سريع: 917 غارة وصاروخا إجمالي قصف العدوان السعودي على اليمن منذ بدء التصعيد


يحيى سريع: الغارات السعودية نُفّذت من طائراتها الحربية نوع "F-15"  و"تايفون أقلعت من قاعدتي خميس مشيط والطائف، والعدوان الصاروخي من نجران وجيزان


متحدث القوات المسلحة اليمنية يحيى سريع: في تصعيد كبير استهدف "العدو السعودي" محافظات الجوف وتعز وصعدة ومأرب بـ 157 غارة جوية وصاروخا  


بقائي: تقييد وصول الصحفيين إلى المعلومات يمثل انتهاكًا لحق الوصول إلى المعلومات ومحاولة لمواصلة حملة من المعلومات المضللة والزائفة


بقائي: منع الفريق الإعلامي للرئيس الإيراني من الوصول إلى المعلومات يهدف إلى الحيلولة دون إيصال صوته


المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي: منع وسائل الإعلام الأميركية والصحفيين الأجانب من الوصول إلى المعلومات ليس إدارةً للوصول إلى المعلومات، بل محاولة لإخفاء الحقيقة


4 شبكات بث أميركية كبرى تعلق تغطية فعاليات ترامب تضامناً مع CNN


الأكثر مشاهدة

نفاد الوقود يهدد مستشفيات غزة بالشلل ويهدد حياة المرضى


تقدم يمني متسارع يربك القوات المدعومة سعودياً في تعز ولحج


ترامب يصعّد ضد إيران و"إسرائيل"تترقّب ساعة المواجهة


اللواء رضائي: لا خيار أمام أمريكا سوى قبول شروط إيران


قوات الاحتلال تجري عمليات نسف في المناطق الشرقية لمدينة غزة


آليات الاحتلال تطلق النار شمال مدينة بيت لاهيا شمال غربي قطاع غزة


مصادر محلية: مستوطنون يقتحمون قرية "عورتا" جنوب نابلس، ويؤدون طقوساً تلمودية في مقام "العزير".


‏السفارة الأميركية في القدس المحتلة تحذّر مواطنيها في الكيان من احتمال إغلاق المجال الجوي، وفرض قيود، على خلفية تصاعد التوترات في المنطقة


مع اقتراب عيد "الغفران" اليهودي.. دعواتٌ فلسطينية للحشد والرباط في المسجد الأقصى المبارك، للتصدي لاقتحامات المستوطنين وإفشال مخططات الاحتلال


مصادر فلسطينية: قوات الاحتلال تقتحم بلدة قباطية جنوب جنين


الشيخ قاسم: الصمود في مواجهة الاحتلال ومنع تحقيق أهدافه هو انتصار