عاجل:

الدواعي الأميركية للتعامل مع الدول الديكتاتورية

الجمعة ٢٤ ديسمبر ٢٠١٠
٠٧:٣٠ بتوقيت غرينتش
منذ أكثر من عامين والولايات المتحدة الأميركية وخلايا التفكير التي تنظّر لسياساتها الخارجية تعمل على "طبخ" مشروع تشكيل عصبة لما يسمى بالدول الديمقراطية التي قدر عددها بـ60 دولة، لتكون قوة متكتلة لمواجهة الدول التي تصنف بأنها ديكتاتورية في العالم المعاصر.

منذ أكثر من عامين والولايات المتحدة الأميركية وخلايا التفكير التي تنظّر لسياساتها الخارجية تعمل على "طبخ" مشروع تشكيل عصبة لما يسمى بالدول الديمقراطية التي قدر عددها بـ60 دولة، لتكون قوة متكتلة لمواجهة الدول التي تصنف بأنها ديكتاتورية في العالم المعاصر.

 

ولقد حاولت كل من مجلة "فورين أفيرز" ومجلة "ناشيونال انترست" مناقشة الخطوط العريضة لمشروع تأسيس عصبة الدول الديمقراطية بقيادة أميركا. ويبدو واضحا أن الدول العربية مستثناة بشكل قاطع وحاسم من هذه العصبة. وحسب المعلومات المتوفرة فإن إسرائيل مرشحة لتكون عضوا عاملا في هذا التنظيم، وبذلك يكون المعيار لتصنيف الدول الديمقراطية مختلا وخاطئا منذ البداية.

 

فما هي إستراتيجيات هذه العصبة الجديدة؟ وما هي أهدافها المعلنة حتى الآن في الكتابات الفكرية السياسية الغربية؟ وهل يعني تكوين هذه العصبة تقسيم العالم وفق المعيار الغربي الليبرالي؟ ثم ما هي مخاوف الفكر الأميركي الإستراتيجي الذي يبدو معتدلا في خطاباته؟

 

مشكلات المشروع!

بهذا الخصوص سأحاول مراجعة نص أنجزه تشارلز كوبشان، أستاذ الشؤون الدولية بجامعة جورج تاون والزميل القديم بالمجلس الأميركي للعلاقات الخارجية. إن مقال الأستاذ كوبشان منشور على صفحات المجلة الأميركية المعروفة "فورين أفيرز" في عددها الصادر في شهري نوفمبر/ ديسمبر من عام 2008م.

 

فالأستاذ كوبشان يقدم وجهة نظره التي يحاول من خلالها أن يرسم المشكلات الكبرى التي ستنجر عن هذا المشروع في حالة تأسيسه وترميمه وتفعيله في الساحة السياسية الدولية.

 

يستهل السيد كوبشان مقاله بمقدمة تتميز بأنها ذات ثنائيات متضادة، أي أنها تكشف عن الإيجابيات والسلبيات التي ينطوي عليها هذا المشروع. في بدايتها يذكرنا بأن الدعوة إلى "تأسيس عصبة الديمقراطيات قد كان أحد المقترحات السياسية الأكثر سخونة في موسم الانتخابات الأخيرة. إنه يقصد هنا الموسم الذي جرت فيه المناقشات والانتخابات التي فاز بها في النهاية باراك أوباما.

 

فالمدافعون عن هذا المشروع، حسب تحليل كوبشان، يرون أن "خلق ناد مفتوح حصريا للديمقراطية الليبرالية في العالم سيقوي إمكانية الدول الديمقراطية لمعالجة تحديات القرن الواحد والعشرين". فمن هم هؤلاء المدافعون إذن؟ ومن هم الدعاة الأوائل؟

 

يوضح كوبشان بأن المرشح اليميني جون مكين، عن حزب الجمهوريين، قد صادق بوضوح على هذه الفكرة، كما أن السيناتور أوباما خلال تحركاته الأولية أثناء التمهيد للانتخابات الرئاسية التي فاز بها أخيرا لم يستبعد هذه الفكرة أيضا، ولكنه لم يتحمس لها مثل جون مكين. ولقد وصفت مواقف هذا الأخير بخصوص هذا المشروع بأنها تنحو نحو "مثالية ليبرالية"، وتستند إلى "واقعية محافظة جديدة".

 

إن هذه المواقف التي يصفها كوبشان توضح بجلاء النزعة الأميركية لإنشاء التكتلات وقيادتها لخدمة مصالحها الاستراتيجية الكبرى.

 

إنه لا بد من القول في هذا السياق بأن المشروع الأميركي الذي صدر منذ عدة سنوات والمتضمن مخطط السياسات الأميركية على مدى عقدين من الزمن لم يشر من قريب أو من بعيد إلى مشروع تكوين عصبة الدول الديمقراطيات، ربما لأن ذلك المخطط قد أنجز، ونشر، وصودق عليه قبل انهيار الاتحاد السوفييتي، وتفكك المنظومة الاشتراكية في أوروبا الشيوعية الشرقية. ونفهم من هذا أن المشروع الجديد يختلف جوهريا من حيث الشكل على الأقل عن المخطط القديم الذي كان يقوم على فلسفة الاحتواء والردع بالقوة.

 

إن المسوغات التي تحرك الولايات المتحدة الأميركية لإنشاء هذه العصبة في رأي كوبشان تتلخص في "حجم وتنوع أعضاء الأمم المتحدة التي تعوق قدرة المنظمة أن تنسق العمل الفعال في الوقت المطلوب". وفضلا عن هذا فإنه يرى بأن نظام منظمة الأمم المتحدة في وضعه الحالي لا يحقق ما تريده أميركا، مثل كبح "البرنامج النووي الإيراني، ووقف الصراع في دارفور"، وذلك بسبب تدخلات روسيا والصين واستخدامهما لحق النقض "الفيتو" لتجميد عمل مجلس الأمن الدولي.

 

وبالمقابل فإن كوبشان يبرز بأن الدول الديمقراطية الليبرالية "مستعدة بشكل عام لأن تعمل معا لتحقيق المصالح المشتركة"، إذ إنه عندما يتطلب الوضع تجميع الإرادة السياسية لدى هذه الديمقراطيات فإنها، حسب كوبشان، تفلح في ذلك بدون صعوبات، أو تردد. ووفقا لتحليلات كوبشان فإن الديمقراطيات الليبرالية الغربية، وفي المقدمة طبعا الولايات المتحدة الأميركية، تشكل تجمعا من الدول يتميز بأنه "أخوي وفريد من نوعه"، حيث يقوم هذا التجمع على ما يدعوه "بالإرادة السياسية، والمصادر الاقتصادية، والقوة العسكرية".

 

رغم هذه القواسم المشتركة فإن الأستاذ كوبشان يعتقد أن "مثل هذا النادي غير مطلوب لضمان التعاون بين الديمقراطيات الليبرالية"، والسبب في ذلك يتمثل في رأيه، وبداهة في كون هذه الديمقراطيات هي مسبقا شركاء منتظمون".

 

فالنقطة الأولى التي حذر منها الأستاذ كوبشان جراء المبادرة بتشكيل عصبة الديمقراطيات تتلخص في وضع خط فاصل بين الدول الديمقراطية والدول غير الديمقراطية. وهنا يوضح بأن إنشاء هذا الفاصل قد يؤدي- وعكس المدافعين عنه- إلى "فضح حدود الديمقراطيات الغربية، ونخر مصداقية الغرب، وعرقلة الانتشار العالمي للديمقراطية".

 

وهكذا يمكن استنتاج مسألة مهمة على ضوء هذه المخاوف التي يبديها كوبشان وهي أن مصالح الدول الغربية ذات النظام الليبرالي الديمقراطي سوف تتأثر سلبيا في حال استبعاد الدول الأخرى من أي تنظيم جديد حتى ولو كان في شكل عصبة الديمقراطيات. وأكثر من ذلك فإن إنشاء عصبة الديمقراطيات سوف يخلق وضعا سياسيا دوليا يمكن أن يعقد على نحو دراماتيكي العلاقات الدولية من جهة، ويمكن أن يحفز الدول الكبرى مثل الصين وروسيا إلى العمل بالمثل، أي المبادرة لإقناع الدول المبعدة من عصبة الديمقراطيات لإنشاء عصبة مضادة للتمركز الليبرالي الغربي من جهة ثانية.

 

من المعروف أن حدوث مثل هذا التقسيم سوف يعيد العالم إلى صراع من نوع جديد لا يقل خطورة عن الصراع الذي شهدته مرحلة ما يسمى بالحرب الباردة؛ ولا شك بأن إنشاء عصبة الديمقراطيات قد يكون سببا لبروز قطبيات أخرى أيضا على المسرح الدولي، وهو الأمر الذي لا تريد أميركا أن يحدث أبدا لأنه ليس في صالح إستراتيجياتها، وإستراتيجيات حلفائها معا.

 

تاريخ وقواعد المعيار المتمركز غربيا

يوضح الأستاذ كوبشان بأن مقترح تأسيس منتدى مفتوح فقط لدول العالم الديمقراطية له سوابق تعود إلى عام 2000م، ففي هذا العام بالذات قد أطلقت إدارة كلينتون "جماعة الديمقراطيات لدعم الديمقراطية عبر العالم"، لكن هذه الجماعة لم تتعد نطاق الجمعية المخصصة للنقاش فقط حسب الحكم النقدي لكوبشان. وفي إطار هذه الجماعة التي انضم إليها ما يقرب من 120 دولة فإن المعيار المستخدم لتصنيف الدول الديمقراطية غير علمي. وهكذا فإن ضم دول عربية غير ديمقراطية بأي مقياس إلى تلك الجماعة- ولا داعي لتسميتها هنا- هو قمة الازدواجية والانتهازية السياسية والعقائدية.

 

ففي تلك المرحلة الأولية لبلورة مشروع أميركا لتكوين عصبة الدول الديمقراطية ظهر اختلاف بين الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري الأميركي والخاص بتحديد التسمية. فالجمهوريون وفق رصد كوبشان قد "فضلوا تسمية المؤسسة المقترحة بالعصبة، في حين أطلق عليها الديمقراطيون اسم الجوقة".

 

فالفكرة الأساسية لهذا المقترح المختلف على تسميته تتمثل في مجموعة من النقاط ذات الصلة بالديمقراطية ذات المحتوى الليبرالي، منها "مواجهة التهديدات الموجهة للأمن، وتحسين الديمقراطية وحقوق الإنسان، وترقية الاندماج الاقتصادي".

 

ويضيف الأستاذ كوبشان مبينا مزيدا من أهداف أعضاء هذه الجماعة أو الجمعية "فإنهم يريدون تطوير العقائد العسكرية المشتركة، وتحسين التعاون بين مؤسسات الدفاع، والشرطة والمخابرات.

 

سيناريو مبطن

ظاهريا فإن الولايات المتحدة الأميركية تبدو للرأي العام الدولي بأنها حريصة على مستقبل المجتمعات البشرية؛ إذ تفوح من خطاباتها رائحة عصر التنوير الأوروبي، ولكن القضية ليست كذلك في الباطن. إن بناء الديقراطية في مجتمع يتطلب توفر الشروط المادية، والثقافية والمعرفية مثل توزيع الثروة بعدالة، والقضاء على الجهل والأمية، وتحديث التعليم، وفصل الدين عن الدولة، أي إبعاد الدين عن الوصاية السياسية والبيروقراطية. وهناك شروط كثيرة أخرى مثل بناء الذاتيات المتحررة من التقاليد الرجعية، ومن اضطهاد الأقليات، والنساء وهلم جرا.

 

وهكذا فإن المطلوب هو إيجاد وضع جديد يوفر المناخ للتعددية السياسية الصحية، ولمبدأ احترام التنوعات الثقافية والإثنية، وبدون ذلك فإن مشروع الديمقراطية يبقى مجرد شعار مجرد من المعنى. فلماذا تحتكر الدول المدعوة بالليبرالية والديمقراطية كل الإمكانيات المادية والمعرفية وتدير ظهرها للعالم الثالث، بل إنها تستغله باستمرار حينا، وتمارس ضد شعوبه شتى أنواع التدخلات، منها الاحتلال العسكري، حينا آخر، وأكثر من ذلك فإنها تشجع الأنظمة الديكتاتورية في أكثر من دولة؟.

 

إن هذا التناقض الظاهري هو الذي يجعل من دعواتها لدمقرطة الفضاءات غير الغربية مجرد كلام بلا مضمون ولا مصداقية..

*أزراج عمر

كلمات دليلية
0% ...

آخرالاخبار

بقائي: الدولة التي كانت تتباهى ذات يوم بإسقاط "الستار الحديدي"، باتت اليوم عالقة خلف "ستار حديدي" داخل حدودها


غوتيريش: تتورط القوى العظمى في الصراعات، وفي بعض الحالات تتصرف بشكل يتعارض مع القانون الدولي


الأمين العام للأمم المتحدة أنطوني غوتيريش: نواجه فجوة جيوسياسية كبيرة تعيق عمل مجلس الأمن


يحيى سريع: 917 غارة وصاروخا إجمالي قصف العدوان السعودي على اليمن منذ بدء التصعيد


يحيى سريع: الغارات السعودية نُفّذت من طائراتها الحربية نوع "F-15"  و"تايفون أقلعت من قاعدتي خميس مشيط والطائف، والعدوان الصاروخي من نجران وجيزان


متحدث القوات المسلحة اليمنية يحيى سريع: في تصعيد كبير استهدف "العدو السعودي" محافظات الجوف وتعز وصعدة ومأرب بـ 157 غارة جوية وصاروخا  


بقائي: تقييد وصول الصحفيين إلى المعلومات يمثل انتهاكًا لحق الوصول إلى المعلومات ومحاولة لمواصلة حملة من المعلومات المضللة والزائفة


بقائي: منع الفريق الإعلامي للرئيس الإيراني من الوصول إلى المعلومات يهدف إلى الحيلولة دون إيصال صوته


المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي: منع وسائل الإعلام الأميركية والصحفيين الأجانب من الوصول إلى المعلومات ليس إدارةً للوصول إلى المعلومات، بل محاولة لإخفاء الحقيقة


4 شبكات بث أميركية كبرى تعلق تغطية فعاليات ترامب تضامناً مع CNN


الأكثر مشاهدة

نفاد الوقود يهدد مستشفيات غزة بالشلل ويهدد حياة المرضى


تقدم يمني متسارع يربك القوات المدعومة سعودياً في تعز ولحج


ترامب يصعّد ضد إيران و"إسرائيل"تترقّب ساعة المواجهة


اللواء رضائي: لا خيار أمام أمريكا سوى قبول شروط إيران


قوات الاحتلال تجري عمليات نسف في المناطق الشرقية لمدينة غزة


آليات الاحتلال تطلق النار شمال مدينة بيت لاهيا شمال غربي قطاع غزة


مصادر محلية: مستوطنون يقتحمون قرية "عورتا" جنوب نابلس، ويؤدون طقوساً تلمودية في مقام "العزير".


‏السفارة الأميركية في القدس المحتلة تحذّر مواطنيها في الكيان من احتمال إغلاق المجال الجوي، وفرض قيود، على خلفية تصاعد التوترات في المنطقة


مع اقتراب عيد "الغفران" اليهودي.. دعواتٌ فلسطينية للحشد والرباط في المسجد الأقصى المبارك، للتصدي لاقتحامات المستوطنين وإفشال مخططات الاحتلال


مصادر فلسطينية: قوات الاحتلال تقتحم بلدة قباطية جنوب جنين


الشيخ قاسم: الصمود في مواجهة الاحتلال ومنع تحقيق أهدافه هو انتصار