الأمين العام للمؤسسة الشُبّرية لأحياء التّراث
عاشوراء..هذا العام..
لقد عشنا أيام عاشوراء في سنين كثيرة، لكننا في هذا العام عشناها بشكلٍ أروع و أعظم و أبهى، و كأنّي أرى الدُّنيا بأسرها قد لبستْ الحداد و تجلببتْ بالسواد و حملتْ شارات الحزن، فلا تجد مكاناً و لا محلاً و لا مخزناً إلاّ وعليه شعار الإمام الحسين(ع) ، و ذلك بازدياد حجم العشق الجماهيري و كثرة الحسينيات و الحضوري الرّسمي من رؤساء الدول و الحكومات، كتعزية رئيس وزراء تركيا رجب طيّب أوردغان الأُمّة الإسلامية بشهادة الإمام الحسين(ع) و إصدار منظمة المؤتمر الإسلامي و مقرُّها في مكة المكرمة بياناً حول عاشوراء و شهادة الإمام الحسين(ع).
هذا بالإضافة لإحياء المناسبة من قبل المناطق السُنية في العراق و في غيره من البلدان بأروع الصور.
كما أنّ الشيء اللافت للنظر، هو دور الأخوة المسيحيين في العراق بالمشاركة في مجالس العزاء الحسيني، و إلغائهم لأعياد الميلاد تعاطفاً مع أتباع أهل البيت(ع) في حزنهم على ريحانة رسول الله(ص) و خروجهم في مسيرات تأبين شهيد الإنسانية الإمام (ع).
و في دول الخليج ، لوحظ الاهتمام من قبل الحكومة الكويتية في حفظ المجالس الحسينية و حمايتها و سهر رجال الأمن من أجل أنْ يمارس الناسُ شعائرهم .
كأنّ كُلّ مكانٍ كربلاء لدى عيني، و كُلّ زمانٍ يوم عاشورا
و في البلاد الأُوربية و الدول الاسكندنافية و الولايات المتحدة واستراليا و الهند و باكستان و أفغانستان و إيران و تركيا و غيرها من الدول كانتْ المجالس الحسينية تغصُّ بالجماهير العاشقة لأبي الأحرار الإمام الحسين(ع).
تجاوبت الدُّنيا عليك مآتماً نواعيك فيها للقيامة تهتفُ
إنّ مصرع الإمام الحسين(ع) لا يزال بعد أربعة عشر قرناً يهزُّ العالم هزّاً عنيفاً..!!
و لستُ أعرفُ في تاريخ الأُمم قاطبةً حادثةً مفردةً كان لها هذا الأثر العميق على الزمن في مصائر دول عظيمة و شعوب شتّى ما عدا (فاجعة كربلاء)..!!
و في كربلاء الشهادة، كان عدد الزوّار هذا العام في يوم العاشر أكثر من أربعة ملايين عاشق لأبي الضيم(ع).
إنّهُ ميدان كربلاء، الّذي وُصِفَ بأنّهُ مهرجان الحقّ..! و هيهات أنْ يكون له نظيرٌ، حيث وقف الإمامُ الحسين(ع) مُدافعاً عن دين جَدّه رسول الله(ص) مُعطياً لشعلة الإسلام وقوداً ثميناً من دماء و أرواح أهل بيته و أصحابه البررة ( رضوان الله عليهم).
يكتب الصحفي"جاسم بودي" في صحيفة (الراي)[1]، تحت عنوان : (( يا ليتكَ كنت معنا)).!!
و هو يخاطب الإمام الحسين(ع)، بقوله:
(.. في مثل هذا اليوم قبل مئات السنين، غَرَسْتَ في كربلاء ملايين الأشجار على جانبي طريق الحقّ، رَوّيتَها بدماء الشّهادة الطاهرة و غَذَّيتَها بالقِيَم الإنسانية العظيمة و سَقَيتَها مبادئ الإيمان و الوحدة و الإخاء و المحبّة و التّضحية و الفداء.
و في هذه الأيّام كم نحن بحاجةٍ إلى ثورة القِيم التي جَسّدتَها في عاشوراء، و كم نحن بحاجةٍ إلى التوقف فوراً عن جعل المناسبة مُدعاة الانقسام بدل أنْ تكون مدعاة للتوحد و التصبر.
كُنْ معنا حتّى تُذكِّرنا بأنَّ ((العقل هو ما عُبِدَ به الرّحمن و أُكتسِبَ به الجنان))[2] ، و هذه أولى الأوليات لنستذكر عقلاً أضعناهُ في مسارات التبعية..!
كُنْ معنا لِتُعيد القولَ بأنّ عِبادة الأحرار[3] هي أفضل العبادات، لا عبادة الرغبة أو عبادة الرّهبة.!!
كُنْ معنا لتُؤكّد : (( أنّ الكسل و الضجر مفتاح كُلّ شرّ، فمَنْ كسل لم يُؤدّ حقّاً. و مَنْ ضجر لم يصبر على حقّ))[4].
كُنْ معنا لِنحاول عِصمة أنفسنا ما أمكن عن نوازع التطرف الّذي هو شر، و عن مكامن الانجراف و الافتتان بالكلمة السيئة و الموعظة الدينية ((فمَنْ لم يجعل اللهُ له من نفسه واعظاً فإنّ مواعظ النّاس لنْ تُغني عنه شيئاً)).
كُنْ معنا، حتّى لا يكون هناك كربٌ و بلاء. حتّى تصفو النّفُوس و نحاول استيعاب معاني الوحدة و الجسد الواحد و البنيان المرصوص.!!
كُنْ معنا حتّى تُذكّرنا بأن (( البشرُ الحسنُ و طلاقةُ الوجه مكسبةٌ للمحبّة و قربة من الله . و عبوس الوجه و سوء البشر مكسبة للمَقْت و بعد من الله)) ، فنحنُ نغتال الابتسامةَ إنْ ارتسمتْ حتّى على وجوهِ الأطفال فيما تجتاح الوجوه العابسة الكشرة دوائر المحبّة..بهدف الدّعوة.
و يا سيّدي الإمام، كُنْ معنا حتّى تُعلّمنا أنّهُ (( ما ضُرِبَ عبدٌ أعظم من قسوة القلب))[5].
كم تحتاجُك قلوبنا و عقولنا..؟!
و كم تحتاج أُمتّنا إلى الرّحمة و التّعقُّل..!؟
سلامٌ عليك يا أبا عبد الله الحسين..
سلامٌ عليك يا سيّد شباب أهل الجَنّة... ).