اذا كان ما زال يوجد لشخص ما شك في انه يجدر ويجب اعفاء الحريديين من الخدمة في الجيش الاسرائيلي، فقد جاء أمس المعطى الذي يقول ان 45 في المائة من الحاصلين على الاعفاء النفسي من الجيش الاسرائيلي هم حريديون ليُبين هذا الامر نهائيا. كانت الردود العلمانية على هذا المعطى هي الردود المزعزعة المنقضة على الحريديين العادية. لكن المنقضين لو تمهلوا شيئا ما لأدركوا الحقيقة الآسرة التي يُبينها هذا المعطى.
يتبين أن مادة عدم الأهلية النفسية تُمكّن الشبان الحريديين من عدم الخدمة في الجيش الاسرائيلي، لكنها لا تؤهلهم ايضا للدراسة في معهد ديني. وهذا ما جعل رجالا حريديين شبانا يُجهدون انفسهم في التوجه الى مراكز التجنيد للحصول على اعفاء من الخدمة في الجيش ولم يكتفوا بالاعفاء الذي يملكونه بسبب كون "توراتهم عملهم": فهم لا يريدون توراتهم عملهم؛ انهم يريدون العمل. كم هو ساخر ان شبانا حريديين يستعملون الجيش الاسرائيلي للتحرر من فرض الدراسة في معهد ديني يشارك فيه حاخاماتهم والدولة.
يجب أن نفهم انه بخلاف نظرة العلمانيين المستخفة الى دراسة "الغمراه"، فانها دراسة صعبة كثيرة التطلب؛ فالحديث عن نصوص معقدة، ومقادير عظيمة من المواد مكتوبة بلغات من عصور مختلفة وعالم معلومات عظيم في ذاته. إن قلّة مستعدون لهذه الدراسات، ولنهج حياة لا يشتمل سوى على هذه الدراسات، بالتأكيد.
فلماذا لا يذهبون الى الجيش؟ ذلك قبل كل شيء لان حاخاماتهم غير معنيين بذلك. فالحاخامات الحريديون يخشون اندماج الشبان في المجتمع الاسرائيلي. ولهذا اهتموا بأن تتم تربيتهم على أن يرى كثير منهم العمل في الخدمة الدينية أو في الحفاظ على السبت عملا يُسهم في الدولة اسهاما لا يقل عن الخدمة العسكرية. والقليلون المعنيون بالخدمة يصعب عليهم ذلك لان أطر الحريديين في الجيش – ولا سيما الشباب الطلائعيون الحريديون – تُرى حلا لازمة الحريديين، فهي ليست خيارا فخما أو قيميا في الحقيقة.
هكذا ينشأ وضع يُسجل فيه كثيرون للمعاهد الدينية لكنهم في واقع الامر يعملون على نحو غير قانوني، في العمل الاسود. إن الاقتصاد الاسود كبير في الوسط الحريدي الى حد انه يوجد من يُقدّرون انه يُتداول في بني براك مال لا يقل عما يُتداول في تل ابيب (مع كل أبراجها)، كما قال صديق حريدي هذا الاسبوع.
ليس من المساواة في الحقيقة، في الظاهر اعفاء الحريديين من الخدمة في الجيش اعفاءا تاما. لكنهم في واقع الامر لا يخدمون، وقد قررت ثلاث لجان فحصت عن الخدمة الالزامية في العقد الاخير (شيفر وبن باست وبروديت) أن الجيش الاسرائيلي يعاني فائضا من القوة البشرية. وأهم من ذلك وألح في الأساس اليوم دعوة الحريديين الى الانضمام الى المجتمع العام وتمكينهم من الاندماج فيه وأن يصبحوا جزءا منه، وان يعملوا على نحو قانوني وان يكسبوا أجرا مناسبا ويدفعوا الضرائب.
إن سنين من حروب الأنا والتصورات العامة بين المؤسسات الحاخامية والمؤسسات العلمانية لا تُمكّن سوى من خيارين: فإما أن نموت من اجل بلدنا أو أن نُميتها في خيمة التوراة. وهم يتعاونون على هذا الشأن: فالحديث في الحالتين عن موت لا عن حياة. ما تزال الدولة والهيمنة في اسرائيل علمانيتين والمسؤولية عليها وهي أن تعفي الحريديين من واجب الخدمة في الجيش وأن تُنشيء لهم مؤسسات اخرى للثقافة الاكمالية والعالية وتمكينهم من ان يكونوا جزءا منها.
يجب على المجتمع الاسرائيلي الى ذلك أن يتحمل المسؤولية عن صورته: بأن يعترف بوجود مكاسب في الخدمة العسكرية، والتمكين من زيادة وتعظيم تمجيدها في الثقافة وفي الاكاديميا، وانشاء مجتمع يكون بديلا جذابا ذا شأن يحسن الاندماج فيه.
ميراف ميخائيلي
هآرتس 21/12/2010