عاجل:

في الطريق نحو توازن قوى عالمي جديد

الثلاثاء ٢١ ديسمبر ٢٠١٠
٠٤:٠٥ بتوقيت غرينتش
نحن نعيش الآن في واحد من منعطفات التاريخ. كانت هناك تنبؤات منذ فترة طويلة بعالم متعدد الأقطاب، لكن هذا العالم كان يبدو دائماً أنه قابع بأمان عند الأفق. الآن نجد أن هذا العالم اندفع بصورة مفاجئة تماماً نحو الحاضر. فترة من الهيمنة الغربية استمرت مدة قرنين، تشارف الآن على نهايتها على نحو أسرع مما كان يتخيل كثيرون.

نحن نعيش الآن في واحد من منعطفات التاريخ. كانت هناك تنبؤات منذ فترة طويلة بعالم متعدد الأقطاب، لكن هذا العالم كان يبدو دائماً أنه قابع بأمان عند الأفق. الآن نجد أن هذا العالم اندفع بصورة مفاجئة تماماً نحو الحاضر. فترة من الهيمنة الغربية استمرت مدة قرنين، تشارف الآن على نهايتها على نحو أسرع مما كان يتخيل كثيرون.

 

هذه الحكاية تتفتح فصولها في جو من الإحصائيات الاقتصادية الجافة. فمن المرجح في السنة المقبلة، كما هو الحال في السنة الحالية، أن تنمو اقتصادات البلدان الصاعدة ـ الصين والهند والبرازيل وتركيا وإندونيسيا وغيرها ـ بنسبة 8 في المائة أو أكثر. أما البلدان المتقدمة والمثقلة بالديون، ففي أغلبها ستعاني في سبيل النمو بنسبة لا تتجاوز 2 في المائة. هذا النمط أصبح الآن مستقراً بصورة تامة. فالانقسام العالمي إلى معسكرين، بين البلدان ذات النمو البطيء والبلدان ذات النمو السريع، يعادل إلى حد كبير الانقسام بين معسكري البلدان الغنية والبلدان الصاعدة.

 

ويتم تعديل الميزان الجيوبوليتيكي وفقاً لذلك. فالصين تفرض وجودها في شرقي آسيا. والهند تبني قوة بحرية قادرة على العمل في أعالي البحار. وتسعى تركيا والبرازيل إلى ترجمة القوة الإقليمية إلى امتيازات شرف دولية. وإندونيسيا تعمل على التحوط بين بكين وواشنطن. وأوروبا تحارب ضد التهميش، وتحارب أميركا ضد عجز متضخم في الميزانية وضد المأزق السياسي.

 

لكن من السابق لأوانه أن نتوقع غروب التفوق الأميركي، لأن أميركا رغم جميع متاعبها، تظل القوة العظمى الوحيدة، والبلد الوحيد القادر على نشر قوته في كل بقعة من بقاع الأرض. ومن الحكايات التي لم تلق انتشاراً كبيراً عام 2010 عودة الولايات المتحدة إلى آسيا. ذلك أن جيران الصين الذين توترت أعصابهم من بكين ومن الخلطة المميتة في عدم القدرة على التنبؤ بتصرفات كوريا الشمالية، أخذوا يتدافعون للحصول على الحماية من الولايات المتحدة.

 

والواقع أن صورة القوة الأميركية التي ترسمها البرقيات الدبلوماسية السرية هي في أساسها صورة تُظهر أميركا في شكل طيب جميل. فسعي أميركا وراء مصلحتها القومية يتطابق في معظم الأوقات مع تخصيص المنافع العامة لبقية العالم. وتشعر واشنطن بالقلق في محافلها الخاصة، بمثل ما تشعر في المحافل العامة، من الأثر الذي يترتب على الأمن العالمي من انتشار الأسلحة النووية، والدول الفاشلة، والإرهاب، والنزاعات الإقليمية.

 

الجانب الآخر لعملة ويكيليكس هو أن الولايات المتحدة هي قوة عظمى ليست قوية بما فيه الكفاية. وتُظهر البرقيات الدبلوماسية كيف أن القوة الأميركية التي لا مثيل لها تجعل الولايات المتحدة غير قادرة على فرض حلولها في مناطق النزاع العالمية. هذا الشهر فقط رأينا رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، يدمر جهود باراك أوباما لتعزيز السلام في الشرق الأوسط.

 

أما البلدان الصاعدة في العالم فقد وصلت مرحلة تريد عندها أن تتمتع بالقوة دون أن تتولى المسؤولية. إذا أردنا أن نعطي تفسيراً لطيفاً لآخر حركة في استعراض العضلات الصينية، نقول إن الصين هي المراهق الذي اكتشف لتوه القوة الجسدية لإنسان بالغ. إن الصين في تجاهلها للتحذير الذي أصدره دينج كزياوبينج وطالبها فيه بأن تسير على مهلها، إنما تُبَذِّر القوة الناعمة التي اكتسبتها على مدى عقد من الزمن.

 

وتريد الهند أن تحظى بالاحترام الناتج عن مكانة القوة العظمى، لكنها عازفة عن التخلي عن صدقيتها التي حصلت عليها من خلال دورها القديم زعيمة لبلدان عدم الانحياز. كذلك تبدو دلهي بصورة غريبة غير قادرة على مواجهة العداوات في منطقتها الخاصة. وتريد تركيا أن تنظر إلى الشرق وفي الوقت نفسه إلى الغرب، لكنها لم تقم حتى الآن بالموازنة بين طموحاتها لزعامة العالم الإسلامي وارتباطها القديم بالتكامل الأوروبي الأطلسي.

 

وتمر أوروبا بأوضاع سيئة. الاضطراب الذي بدأ على شكل أزمة مصرفية في القطاع الخاص أصبح أزمة ديون في القطاع العام. ومنطقة اليورو تحت الحصار الآن من قبل الأسواق. أما التهديد الحقيقي فهو ذو طابع سياسي. فالصدمة الاقتصادية الناشئة عن التراجع النسبي لأوروبا أمام آسيا الصاعدة اندمجت مع الصدمات السياسية اللاحقة، الناتجة عن سقوط جدار برلين قبل عقدين من الزمن.

 

وألمانيا الموحدة ذات الطابع القومي الجريء، أحدثت اضطرابا في التوازن السياسي للاتحاد الأوروبي. كان الاتحاد ناجحاً حين كانت الزعامة مشتركة بين فرنسا وألمانيا، لكن برلين تريد الآن أن تمارس السلطة وتتخذ القرارات المهمة. ربما يتم إنقاذ اليورو، لكنني لست متأكداً من أن هناك حماسة عظيمة لأن تكون أوروبا ألمانية. أما بالنسبة لبريطانيا، فإن رئيس وزرائها ذا الوجه الشاب لا يظهر أي اهتمام، أو رغبة في صياغة أي شيء يشبه ولو من بعيد، السياسة الخارجية.

 

وبالنسبة لليابان التي أمضيت فيها هذا الأسبوع في سلسلة من المناقشات الأمنية برعاية صندوق جيرمان مارشال (من الولايات المتحدة) ومؤسسة طوكيو، فإنها تبدو عالقة في حالة إنكار شبه دائمة. ورغم أنها تشعر بالانزعاج والتوتر من الصدامات مع الصين في منطقة بحر الصين الشرقي المتنازع عليها، إلا أنها شهدت خمسة رؤساء للوزارات خلال ثلاث سنوات. وهذه اللعبة المؤلفة من حركات إعادة الترتيب السياسي تبدو إلى حد ما أسهل من التفكير في الاستجابة الاستراتيجية لجوانب التوتر الأمني في شرقي آسيا.

 

وتَعُد روسيا نفسها من بين القوى الصاعدة، لكنها دولة متراجعة عالقة في ماضيها. الزعماء الروس، لأسباب تتعلق بالسياسة المحلية ولفت أنظار الأطراف الخارجية، مستمرون في التظاهر بأن العدو يكمن في الغرب. ويرون أن استعادة الكبرياء القومي لا يمكن أن تتم إلا بالوقوف في وجه الولايات المتحدة وأوروبا.

 

أما المخاطر الحقيقية فهي أقرب إلى الوطن، وهي الفساد المنتشر كالوباء في كل مكان، والتفكك الجغرافي، والاقتصاد الهش القائم على البتروكربون. وفي مناطق أخرى تأتي التحديات الاستراتيجية من التطرف الإسلامي وإمكانية أن تدفع الصين والهند بحدودهما باتجاه المناطق الشرقية الروسية شبه الخالية من السكان. وتكمن المصالح الروسية طويلة الأجل في تحقيق تكامل أوثق مع الغرب. ربما يكون الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف مستوعباً لهذه الحقيقة، لكن فلاديمير بوتين، سلفه وخلفه المحتمل، لا يزال متمسكاً بالحكاية القديمة.

 

إن الطريقة الكسولة لوصف المشهد الجيولوليتيكي الجديد هي على أنه مشهد يتسم بالتنافس بين الغرب وبقية العالم، أي بين الديمقراطيات الليبرالية الغربية والأقليات المتسلطة على اقتصاد السوق في بلدان الشرق. وربما تبدو هذه التقسيمات مرتبة، إلا أنها لا تحيط بالتعقيدات. مثلا، ليست هناك بلدان أكثر تصميماً من روسيا والصين على إبقاء الهند بعيدة عن تأمين مقعد دائم في مجلس الأمن. وليس هناك مثل الهند عدد كبير من البلدان المنزعجة من الحشد العسكري الصيني.

 

ووجهة النظر الأكثر تعقلاً لعالم أعيد ترتيبه، هي صورة بلدان مجموعة العشرين باعتبارها أداة للتوصل إلى إجماع أرحب حول التعاون بين الشرق والغرب، وبين الجنوب والشمال. هناك أسباب تدعو إلى التفاؤل بخصوص الإدارة الاقتصادية العالمية الرشيدة، لكن ليس هناك تفاؤل يذكر حين يتعلق الأمر بالسياسة الأمنية والسياسة الخارجية.

 

إن البلدان الصاعدة تسعى وراء الحصول على قوة الدولة وتفضلها على القواعد الدولية. ومن المرجح أن يشهد التحول إلى نظام جديد مزيدا من السعي إلى التفوق ومزيدا من التنافس، أكثر مما يشهد من السعي نحو التعاون. لا يمكن أن نتمنى غياب حقائق الاعتماد المتبادل، لكنها ستتعرض للاختبار بالتأكيد. سيكون هذه المشوار مليئاً بالمطبات والهزات. بالتالي، ما يدعو إلى الأسف أن معظم بلدان الغرب تبدو عازمة على الاختباء تحت أغطية السرير.

* فاينانشال تايمز-فيليب ستيفنز

كلمات دليلية
0% ...

آخرالاخبار

مصادر إعلامية سورية: انفجارات جديدة في مستودع أسلحة للجيش السوري قرب منطقة العيس في ريف حلب الجنوبي


استشهاد فلسطيني متأثرا بإصابته بنيران قوات الاحتلال في جباليا شمالي قطاع غزة


استشهاد مواطنة اثر اصابتها بطلق ناري في الرأس على طريق صلاح الدين وسط قطاع غزة


اللواء حاتمي: تقف القوات المسلحة على أهبة اليقظة والاستعداد الكامل ولن تتردد لحظة في الدفاع عن استقلال إيران العزيزة وأمنها ووحدة أراضيها


القائد العام للجيش الإيراني اللواء حاتمي: وقف الشعب الإيراني مرة أخرى صفًا واحدًا بوجه اعتداء العدو وأطماعه فيما دافعت القوات المسلحة المقتدرة للجمهورية الإسلامية الإيرانية عن كيان البلاد ووحدة أراضيها


قصف إسرائيلي شرق مدينة خانيونس جنوبي قطاع غزة وفي محيط دوار بني سهيلا


مكتب الرئيس الإيراني: بزشكيان سيتوجه غدا إلى نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة


وزير الداخلية الباكستاني «محسن نقوي» يتوجه اليوم الاثنين إلى إيران


هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية ومقر خاتم الأنبياء: لن تتراجع القوات المسلحة أمام العدو وستذيق المعتدين والناقمين على الشعب الإيراني مرارة المزيد من الهزائم


هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية ومقر خاتم الأنبياء: غيّرت القوات المسلحة الإيرانية المعادلات الأمنية لصالح الأمة الإسلامية والشعب الإيراني الشريف


الأكثر مشاهدة

اللواء رضائي: لا خيار أمام أمريكا سوى قبول شروط إيران


قوات الاحتلال تجري عمليات نسف في المناطق الشرقية لمدينة غزة


آليات الاحتلال تطلق النار شمال مدينة بيت لاهيا شمال غربي قطاع غزة


مصادر محلية: مستوطنون يقتحمون قرية "عورتا" جنوب نابلس، ويؤدون طقوساً تلمودية في مقام "العزير".


‏السفارة الأميركية في القدس المحتلة تحذّر مواطنيها في الكيان من احتمال إغلاق المجال الجوي، وفرض قيود، على خلفية تصاعد التوترات في المنطقة


مع اقتراب عيد "الغفران" اليهودي.. دعواتٌ فلسطينية للحشد والرباط في المسجد الأقصى المبارك، للتصدي لاقتحامات المستوطنين وإفشال مخططات الاحتلال


مصادر فلسطينية: قوات الاحتلال تقتحم بلدة قباطية جنوب جنين


الشيخ قاسم: الصمود في مواجهة الاحتلال ومنع تحقيق أهدافه هو انتصار


السفارة الأمريكية في العراق: نظرا للتوترات في المنطقة هناك احتمال لحدوث تصعيد غير متوقع


سفارة واشنطن في العراق: على المواطنين الأمريكيين أن يكونوا على دراية باحتمال إغلاق المجال الجوي وإلغاء الرحلات


قصف مدفعي إسرائيلي يستهدف بلدة كفر تبنيت جنوبي لبنان