عملية التسوية لم تدخل غيبوبة كما قال أحد المسؤولين الفلسطينيين، لأنها لم تكن موجودة أصلا حتى تدخل في تلك الحالة . فالسلام الذي يتحدث عنه المسؤول الفلسطيني له تعريفه “الإسرائيلي” الخاص الذي لا يمكن أن ينطبق عليه أي تعريف أجمع الناس عليه في شتى الثقافات . كما أن التسوية السياسية نفسها والمتعلقة بالصراع العربي “الإسرائيلي” لها لونها الخاص الذي يفارق أي معنى للتسوية السياسية الذي تعارفت عليه الأمم .
حينما يتم التحدث عن غيبوبة السلام، فإما أن البعض قد وقع في مصيدة الخديعة، أو أنه يخادع النفس ويضللها . ولعل الشق الثاني أقرب إلى الواقع . فلم تكن هناك مؤشرات على الإطلاق على نية “إسرائيل” بالسلام، وكل المؤشرات كانت تدل على الخديعة، وقد تمثل ذلك، في ما جرى في مؤتمر مدريد، ومن ثم في أوسلو وفي واشنطن .
كان المنهج “الإسرائيلي” يقوم على تقديم التنازلات اللفظية المزدوجة المعاني مقابل التنازلات الفلسطينية الحقيقية . والأمثلة على ذلك كثيرة .
وبعد أن نجح الكيان الصهيوني في فرض “أجندة” المفاوضات على الحد الأدنى، أخذ يستخدم المفاوضات وسيلة إلى قضم الباقي من الحد الأدنى الذي أصبح موضع التفاوض . فليس السلام وإنما التسوية السياسية نفسها كانت في غيبوبة لو أحسن من يتحدث عنها النظر ليس في المفهوم “الإسرائيلي” للتسوية فقط، وإنما أيضاً في العمل الجاري حتى الآن لتحقيقه .
كما كان خداع الذات مؤسساً أيضاً على التعريف الخاص بالدور الأميركي في عملية التسوية . فقد تم تبني مفهوم الوسيط النزيه إمعاناً في النكاية بالذات وخداعها، وكان هذا المفهوم مكملاً لمفهوم التسوية من حيث كذبهما على الحقائق والوقائع .
وكان دور الثاني مزدوجاً، فمن ناحية هو سند للكيان الصهيوني في كل مراوغاته، ويغطي كل جرائمه، ومن ناحية أخرى أوقع الفلسطينيين والعرب في غيبوبة الوهم بأنه سيفعل شيئاً من أجل الوصول إلى تسوية .
عملية التسوية كانت منذ بدايتها عملية خداع كبرى نجح الكيان الصهيوني في تمريرها بمساعدة الإدارات الأميركية المتعاقبة، ومن خلال السبات الفلسطيني والعربي الذي فصل الجميع أو أغشى عيونهم وبصيرتهم عن حقيقة الخديعة الصهيونية الكبرى .
*صحيفة"الخليج"