على قدر أهل العزم تأتي كل الخيارات
( و تكبر في عيني الصغير الصغائر و تصغر في عين العظيم العظائم ) مقولة عربية أصيلة تثير في المرء الكثير من الشجون و الهموم على الحالة المتردية التي تمر بها الأمة , حالة عنوانها ذل و هوان و انتكاس و خذلان وتراجع إلى آخر كلمات القاموس المعبرة عن حالتنا , الرؤية غائبة و التوافق بين الأشقاء ضائع و الأهداف متباينة و الوسائل مختلفة وكل شئ يشير إلى تراجع آخر و آخر و كأن التراجع أصبح عنوان المرحلة بلا أي أمل في أفق قد يشير إلى تغيير قادر على إدارة المعركة مع الكيان الصهيوني و توجيه بوصلتها صوب الاتجاه الذي يضمن تحقيق المكاسب .
بالأمس أمريكا - بشكل سافر و فاجر و وقح - أعلنت مباشرة عن أهدافها في دعم الكيان الصهيوني بقرار صادر عن مجلس الشيوخ ( الكونجرس ) برفض أي قرار بإقامة دولة فلسطينية ضمن الحد الأدنى من الأراضي المغتصبة و على جزء يسير من أرض فلسطين التاريخية و لم يتوقف القرار عند ذلك بل جعله قرار ملزما لما يقال عنها زيفا أنها مؤسسات دولية قائمة للحفاظ على الحقوق و تكريس القوانين الدولية من خلال إلزام الحكومة الأمريكية باستخدام حق النقض ( الفيتو ) في حال عرض قرار إقامة دولة فلسطينية - منزوعة السلاح و ضمن مساحة جغرافية محدودة و بلا أي سيادة حقيقية – على مجلس الأمن و بقية المؤسسات الدولية .
ليأتي هذا القرار الأمريكي متوازيا و متكاملا مع قرار أوروبي آخر بمنح الكيان الصهيوني العضوية الكاملة في المركز الأوروبي للأبحاث الذرية "CERB " بعد عامين إلى ثلاثة أعوام من الآن، وذلك استنادا لقرار اتخذته يوم الخميس 16/12/2010م الدول الـ20 الأعضاء بالمركز بناء على طلب صهيوني رسمي في إشارة واضحة على مدى الدعم المهول و على كافة المستويات السياسية و الاقتصادية و التكنولوجية للكيان الصهيوني .
إن الحديث الأمريكي و الأوروبي عن القضية الفلسطينية يأخذ منحى اعتبارها قضية إنسانية بحتة لا قضية شعب سرقت أرضه وحقوقه و تمارس بحقه أبشع الجرائم بكافة أشكالها و لأن ( على قدر أهل العزم تأتي العزائم ) جاء قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بعنوان "تقديم المساعدة إلى الشعب الفلسطيني" يحث الدول الأعضاء والمؤسسات الدولية التابعة لمنظومة الأمم المتحدة والمنظمات الحكومية الدولية والمنظمات غير الحكومية والمنظمات الإقليمية على أن تقدم، بأقصى ما يمكن من السرعة والسخاء، مساعدات اقتصادية واجتماعية إلى الشعب الفلسطيني سعيا إلى تخفيف الحالة الإنسانية العصيبة التي يواجهها النساء والأطفال الفلسطينيون وأسرهم والمساعدة , قرار يدلل على مدى العجز و الاستهانة و الاستخفاف بالموقف العربي في مقابل دعم كامل و تكريس للكيان الصهيوني و منحه الشرعية المطلقة في أرض فلسطين التاريخية .
إن الموقف الأمريكي واضح و جلي و على جميع المراهنين على خيار الذهاب إلى المؤسسات الدولية ترك ذلك الخيار فالنتيجة معروفة مسبقا و محددة و لا جدوى من ذلك سوى إضاعة المزيد من الوقت و بناء أوهام و قصور من وعود خادعة سرعان ما تسقط أمام الرغبة الصهيونية التي لا تقاوم أمريكيا و لا أوروبيا و لا حتى عربيا على مستوى الموقف الرسمي , يجب إعادة صياغة المرحلة و ليس عيبا أن نقول نعم أخطأنا و خياراتنا فاشلة , العيب أن نصر على تقزيم أنفسنا و التقوقع في مسار ثبت بما لا يدع مجالا للشك أنه يشكل وبالا على الشعب الفلسطيني و يستنزف حقوقه بشكل منهجي .
لزاما على الجميع العودة لفكر ولنهج المقاومة فهو في جميع الأحوال خيارنا الوحيد و سيجبر الجميع على احترامنا و لن نكون مجرد قضية إنسانية نتسول المعونة و تخفيف الإجراءات القمعية الصهيونية , إن مجرد الدعوة إلى المقاومة ليس كافيا و لكن يجب توحد الجميع و صهر كافة الجهود لتشكل رافعة قوية لضمان استمرارية هذا النهج استنادا إلى فكر ينبثق عنه يكفل استمرار يته و تطويره بما يكفل القدرة على المواجهة في كل وقت .
لا معنى أن نطالب بحقوق مغتصبة بدون أن نملك ما يجبر الآخرين على التعاطي مع مطالبنا والانصياع لها , ففي عالم السياسة من المتعارف عليه أنه لا شئ يعطى بدون مقابل , يجب أن نشكل تهديدا حقيقيا للوجود الصهيوني و لا ننتظر أن يمنحنا أحد الحق , و يجب أن تفهم أمريكا و العالم الغربي أن دعمهم للكيان الصهيوني يشكل خطرا حقيقيا وواقعا على مصالحهم و كلما ازداد هذا الدعم زاد ذلك الخطر , و يظل السؤال المهم و الجوهري : كيف يمكن أن نصل إلى تلك المرحلة المنشودة ؟؟؟ إن القوة تأتي من الإيمان الذي يمنح اليقين و القدرة على البذل و العطاء و الصمود و الثبات و البذل و العطاء , عندما يكون الإيمان تكبر الأنفس و تعظم و تتقدم و تصبح الأهداف أعمق و أكبر لتهون التضحيات في مقابلها و تصغر كافة المعوقات و تكون العزائم أقوى و أمضى و حينها سنملك كل الخيارات التي تضمن لنا انتزاع كامل الحق .