يشعر المرء بالفخر حينما يتحدث الآخر من خارج إطاره العقيدي عن شخصية منه يتمثلها في حياته ويتخذها أسوة لمعاشه ومعاده، ونكاد في كل شهر محرم من كل عام نسمع أو نقرأ عن عالم غربي أو مصلح شرقي يتناول الإمام الحسين (ع) ونهضته المباركة بعظيم القول وجزيل المقال، مثمنا فيه الروحية العالية التي أبداها في كربلاء بما جعله يقلب الموازين رأسا على عقب، فصار السيف الذي ذُبح به الحسين (ع) وبالاً على من سلّه.
وإذا تابعنا نصوص أعلام الأمم الأخرى، نجد أن كل علم تناول النهضة الحسينية من الزاوية التي ينطلق منها في حياته اليومية، فكل رأى في الإمام الحسين صورته، مما ينبئ عن عظيم النهضة الحسينية التي اجتمعت فيها كل قيم الخير ومثله، مما خلق منها محطة تزود كل يأخذ منها زاده ووقوده، ولا يزيدها الأخذ إلا زيادة في العبرة والإعتبار.
ومع أن النصوص تزداد كل عام بفعل زيادة قائليها، فان بعض النصوص احتفظت بحيويتها لأنها أتت من شخصيات لازالت إلى الآن مدار حديث الناس ومحط دراسة المؤسسات البحثية والدراساتية من قبيل المهاتما غاندي، أو لأنَّ النص حيوي بحد ذاته بما جعله يحتفظ بطراوته وحرارته، أو أنَّ بعض الأمم لازالت مبتلية بساسة أو تيارات تجد في هذه النصوص شعارها لا سيما وأنها تستند إلى أسس النهضة الحسينية أو أنها تعبير عن شخصية الإمام الحسين (ع) الذي أبان في حركته التصحيحية عن رغبة لدى الآخرين في تصحيح أوضاعهم بغض النظر عن الدين أو المعتقد، باعتبار أن الإصلاح مسألة إنسانية عابرة للحدود، كما أن الإنسان بطبعه ميال إلى التأسي بشخصيات الخير لأن الأصل في الإنسان الفطرة السليمة.
ومعظم النصوص جاءت من قراءات الآخر للإمام الحسين (ع) ونهضته قراءة وجدانية كتعبير لا إرادي عن مكامن النفس الإنسانية المجردة عن التعصب الديني أو القومي، ولذلك تأتي القراءة طاهرة وبريئة غير مؤدلجة، يتقبلها المسلم وغير المسلم، وفي بعض الأحيان تشعرك النصوص أن صاحبها يحاول التقرب أو التعرف على الإسلام من باب الإمام الحسين (ع)، وإن لم تقد القراءة إلى تحول عما يعتقد القارئ إلى الإسلام، بيد أن واقعة كربلاء فرضت عليه أن يتناغم معها وجدانيا وإن تقاطع عقيديا مع الإسلام، من هنا كان الإمام الحسين (ع) قتيل العَبرة والعِبرة وهما قيمتان لا تخلو أمة من نشدانهما فعلا أو قولا.
والجديد في هذا المضمار أننا بدأنا نسمع ونقرأ نصوصا في النهضة الحسينية متأتية من قراءة للنهضة الحسينية من خلال قراءة جانبٍ من جوانبها عبر ما يفيض به يراع البحاثة الدكتور الشيخ محمد صادق بن محمد الكرباسي في موسوعته العالية المضامين وهي دائرة المعارف الحسينية، حيث يلجأ الكرباسي إلى إشراك علم من أعلام الإنسانية للكتابة عن جزء من أجزاء دائرة المعارف الحسينية التي نافت على الستمائة، وتتطلب هذه المقدمة تعرف العَلَم أكثر فأكثر على النهضة الحسينية، ولذلك تأتي القراءة وجدانية وعلمية معاً، وبالتالي يقدم الشيخ الكرباسي خدمة علمية كبرى بتقريب النهضة الحسينية إلى أعلام الإنسانية لقراءتها قراءة واعية، من هنا فقد اجتمعت قراءات متعددة ومختلفة النواحي، بادرت في كتابي الذي صدر حديثا (2010 م) بعنوان: "نزهة القلم: قراءة نقدية في الموسوعة الحسينية" إلى ضم 20 قراءة حديثة للإمام الحسين ونهضته، وهذه القراءات ذات قيمة كبرى، من حيث أن أكثرها تعود لأكاديميين من ديانات وأجناس وأوطان مختلفة، ومن الواضح أن الأكاديمي أقرب إلى العلمية منه إلى الوجدانيات، وإذا تناول الحدث فيقدم عقله قبل قلبه، وإذا والَفَ بينهما لأنه يجد في النهضة الحسينية ما يجمع بينهما، وهذه واحدة من عوامل قوة واقعة كربلاء وتأثيرها على الصعد الإنسانية.
د. نضير الخزرجي
المصدر: موقع البلاغ