يعد عمرو موسى من بقايا نظام مبارك، الذي كان يمارس ضغوطاً هائلة على حماس، لتقبل بشروط محمود عباس للمصالحة بينهما على أساس شروط المجموعة الرباعية الدولية، ويبدو أن عمرو موسى تولى مهمة الضغط على حماس بعد خلع مبارك، ويبدو أن الولايات المتحدة والكيان الصهيوني وشركاءه الفلسطينيين في التسوية يعولون على عمرو موسى للقيام بدور مبارك.
من الواضح أن عمرو موسى يتبنى مبادرة عباس لحل الانقسام الفلسطيني، بدليل إعلانه أنه مستعد لمصاحبة عباس أثناء زيارته المقترحة لغزة، والتي يشترط قبل القيام بها موافقة حماس على حل حكومتها وتشكيل حكومة تكنوقراط، تمهيداً لإجراء انتخابات عامة، علماً بأنه رفض من الناحية العملية نتائج الانتخابات العامة السابقة التي أدت إلى وصول حماس للحكم والسلطة، ورفض المشاركة في حكومتها، وسلط على رقبتها سيف الشروط الثلاثة للمجموعة الرباعية الدولية، التي أخطرها الاعتراف بما يسمى (إسرائيل)، والتخلي عن السلاح والمقاومة، والالتزام باتفاقيات أوسلو وتوابعها. وتبني موسى لمبادرة عباس هو انحياز لطرفه، علماً بأن عباس يطمع في أن يسير الشعب الفلسطيني خلفه، طابوراً واحداً، في نفق التسوية الاستسلامية والمفاوضات العبثية، وبذلك ينتهي الانقسام ويعم في فلسطين "السلام"، وفقاً لوجهة نظر عباس البائسة، ما يؤكد تساوق موسى مع الولايات المتحدة وحلفائها العرب والغربيين في سعيهم الدؤوب لتعزيز سلطة أوسلو وإخضاع حماس إليها وإلى التزاماتها السياسية والأمنية تجاه الكيان الصهيوني.
يعلن عمرو موسى اليوم استعداده لزيارة غزة بصحبة عباس، وهو متحمس لذلك كثيراً، ولم يكن قد زارها بعيد حرب "الرصاص المصبوب"، أو معركة الفرقان، كما فعلت وفود عربية وأجنبية عديدة، شعبية ورسمية، للوقوف من كثب على حجم المعاناة والدمار والخراب الذي ألحقه العدو الصهيوني بغزة، وليواسي غزة المنكوبة، ويتخذ قرارات هامة من أجل تخفيف معاناتها ودعم صمودها، ولدعم المقاومة، بصفته الأمين العام لجامعة الدول العربية. إن موقف موسى من مبادرة عباس ليس غريباً، وهو في الحقيقة يمثل ما يسميه الأمريكيون والصهاينة "محور الاعتدال العربي"، أي الأنظمة الرسمية العربية الموالية للولايات المتحدة والمتواطئة معها ضد العرب والفلسطينيين، ولذا فهو لا يتحرك إلا في الاتجاه الذي يحقق مصلحة الولايات المتحدة، كما فعل عندما زار لبنان والعراق لمرات عديدة في السنوات الأخيرة، لإسناد الحكومات التي تحظى بقبول أمريكي ومنحها شرعية عربية رسمية.
لم يتخذ موسى موقفاً واحداً قط مناصراً للمقاومة الفلسطينية وداعماً لها في صراعها مع العدو الصهيوني، ولم يستنكر قط على عباس وفريقه التعاون الأمني والقمع الذي تمارسه أجهزته الأمنية في الضفة المحتلة ضد المقاومة والداعمين لها، ولذا يرى موسى أن الانقسام الفلسطيني لا مبرر له إطلاقاً، كما صرح أول من أمس عبر وسائل الإعلام العربية، رغم ممارسات عباس وفريقه ضد قضية فلسطين والشعب الفلسطيني، ورغم نهجه الاستسلامي والعبثي الفاشل، وذلك لأن موسى من أنصار التسوية الاستسلامية، ومن المتساوقين مع المخططات الأمريكية والصهيونية لتصفية القضية الفلسطينية لصالح العدو الصهيوني.
كان الأجدر بعمرو موسى أن يحشد الدعم العربي للمقاومة الفلسطينية، وأن يدعمها بالمال والسلاح، وأن يعمل جاهداً على توفير حماية عربية لغزة، ولا سيما في الوقت الذين يهدد فيه العدو الصهيوني بشن حرب أخرى عليها، ويتوعد قادة حماس السياسيين بالاغتيال والتصفية، ويغتال المقاومين وقياداتهم الميدانية، ويقصف قطاع غزة ليلياً، ويجتاح الضفة المحتلة من أجل القتل والتدمير والتخريب. وكان الأجدر بعمرو موسى أن يتخذ قراراً عربياً بفتح معبر رفح وفك الحصار عن غزة فوراً، وإدخال الأموال لإعادة إعمارها، ومدها بالكهرباء والغاز والوقود ومواد البناء. لكن موسى يتمترس خلف الانقسام في تخاذله عن نصرة غزة والشعب الفلسطيني كافة، مثله في ذلك مثل الأنظمة الرسمية العربية المتواطئة مع الأمريكيين والصهاينة، وسائراً على خطى مبارك المخلوع في توظيف الانقسام للضغط على حماس وإجبارها على التورط في التسوية الاستسلامية على نهج عباس وفريقه المتصهين.
أنا لا أتوقع خيراً لغزة من عمرو موسى، ولا لفلسطين، ولا للأمة العربية، ولا أطلب منه أن يقف إلى جانب المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الصهيوني وأذنابه، ولكنني أطلب منه بصفتي فلسطيني من غزة أن يدع غزة وأهلها وشأنها، فغزة لا ترحب به ولا بمن سيصحبه إليها.