باستثناء المؤسسة العسكرية، والأجهزة الأمنية، فإن معظم الشباب يفتشون عن تيارات متحررة ومنفتحة، يكافحون ويناضلون بوساطتها، في سبيل كسب مزيد من الحرية. وأعتقد أن اقرب بيئة قريبة من الشباب العربي المقموع، هي التيار الديني غير المتشدد، البعيد عن الجمود والتزمت، ويلجأ إلى التيار المتشدد، جيل من الشباب المنهزم، الذي قرر أن يموت تحت أي مسمى من المسميات، ولا توجد قوة تستطيع أن تثنيه عن عزمه. وهناك جيل آخر يتجه إلى الأحزاب المثقفة، التي تتجه وجهة عصرية في العلم والسياسة، بينما لا يثير الآخرون أي اهتمام أو اكتراث بالأحزاب السياسية، ويشككون بوعودها، ويتهمونها بتواضع المعرفة والجهل بالعمل السياسي، والانتهازية في ظل النظام الحاكم. أما المتنورون منهم، فإنهم ينجذبون إلى التيارات غير العنيفة، ويفضلون الطريقة الهادئة التي تهدف إلى الإيضاح والتنوير، وانتهاز الفرص المناسبة، أكثر ما تهدف إلى توجيه صدمة فكرية وروحية إلى الجماهير المتعطشة للحرية.
الآن وبكل بساطة، فإن جيل الشباب العربي مل عصر الهزائم، والانكسارات الداخلية، وتغييب الحريات، والتضييق على الفكر، ويأملون في الإصلاح فرصة للتجديد الفكري والاجتماعي والسياسي. إننا لم نر في مؤسسات الحكم وقياداته، من له في جيل الشباب تأثيره الفكري الواسع، النابع من البيئة الوطنية، العارف بمشاكلها، وليس هناك من يستوعب جيل الشباب ويقبل آراءهم المتحررة ورغبتهم في التغيير والتطوير. بينما نجد في الدول الغربية الديمقراطية، مؤسسات لا تكتفي بقبول آراء الشباب وإفساح المجال لها، بل تشجعهم على هذه الآراء تشجيعاً واسعاً، وتقرر لهم المال اللازم للبحث والدراسة والتنفيذ، إلى أن يثبت صحة قولهم أو رأيهم من عدمه. ولا بد أن نقف هنا لحظة لنلاحظ نوعاً من التناقض الغريب في داخل الدولة. فالحزب الحاكم مثلاً في بعض البلاد العربية حزباً وحيداً ورجعياً، بل شديد الرجعية. والأحزاب الأخرى إن وجدت غالباً ما تكون مغلقة، لا مبادئ واضحة لها، ولا يكون لها منهج ذو قيمة أو أهمية، ومع ذلك، وهنا التناقض، نطلب من الشباب الانضمام إلى هذه الأحزاب، سعياً لتثبيت التعددية السياسية الخادعة.
وهكذا يظهر لنا الانفصال بين السياسيين الذين يكونون الجسم الأساسي للدولة، وبين الشباب المفكر النشيط، الذي يكون وحده تياراً خاصاً به، ويجمع حوله عدداً من المثقفين الذين يرون في الإصلاح السياسي والاجتماعي، أفضل وسيلة للتغيير والتطوير. هذا الوضع يبين لنا أن هناك أحزاب سياسية لا أثر لها ولا شعبية، مدعومة من أجهزة الدولة، لأنها ترى رأيها وتمشي في مظلتها، هؤلاء لا يعنيهم إلا أن يحافظوا على مصالحهم، بينما هناك تيار آخر منتسب إلى الإصلاح الحقيقي وحرية الاحتجاج والرفض، ولكن لا تحس به الدولة.
هؤلاء الشباب ارتبطوا ببعضهم من خلال التيار الاجتماعي الثقافي، وليس من خلال التيار السياسي، لقد ارتبطوا بالفكر الحر الذي وفرته لهم وسائل الاتصال الحديثة والإنترنت وبعض المحطات الفضائية، التي فضحت مظاهر التخلف والرجعية في الأنظمة العربية، فأحس بعد أن تمكن من تعليم نفسه وتدعيم ثقافته، إنه يحمل في عقله أراء جديدة، تخالف التقاليد التي ما زالت تعشش في العقول بصورة قاسية، ومن هنا انتظروا الفرصة المناسبة، وخرجوا يبحثون عن صدى لأفكارهم المتحررة الثائرة، فكان الدافع الأساسي لهذه الثورة دافعاً فكرياً، ولم يكن دافعاً سياسياً بحال من الأحوال، وكانوا يأملون بوجود حكومات تفهمهم وتقدر مطالبهم في الإصلاح، وذهب ظنهم بأنها ستقدم لهم الحماية، وتدافع عنهم، فالإصلاح ليس للشباب وحدهم، بل هو للوطن ولمستقبل الأجيال القادمة. ولكن هذه الأنظمة، وقفت بعنف وقسوة في وجه الإصلاح. ولا شك أن هذا الموقف في التقييم السياسي كان خاطئاً، فالشبان الآن أكثر الأحزاب ثورية، وأكثرها قرباً من الشعب، بينما كل العاملين في أجهزة الحكم بعيدين عن الشعب ولا تقبل لهم شهادة.