|
"الكتاب أولاً والسنّة معهُ ثانياً، وعندها تتكاملُ ثقافتُنا وينفتحُ إسلامُنا الذي يرتكزُ على قاعدتين: كتاب الله وسنّة نبيّهِ!".
للقرآن في حياتنا دور القاعدة التي تركّز لنا عقولنا على أساس من وحي الله الذي يريد لنا أن ننطلق بالحق وأن ننفتح على الخير كلّه، وأن نجعل من حياتنا حركة فكر ينفتح على الحياة، وينطلق من خلال الله ليعطي الإنسان خصوبة العقل والروح والإحساس والحياة.
وهو بعد ذلك يؤسس قلبه، وكما أنّ العقل يحتاج إلى أن نؤسسه فالقلب يحتاج إلى أن نؤسسه، لأن القلب الذي يختزن العاطفة بحاجة إلى عاطفة تتعقل ولا تذوب أمام الحالات الطارئة، عاطفة يوازن فيها الإنسان بين الذين يعطون للحياة قيمتها وبين الذين يفقدون الحياة بكل القيمة. ونحن لسنا أحراراً كمسلمين في أن نحب كيفما كان أو نبغض كيفما كان، لأن معنى أن تكون مسلماً هو أن يكون حبك منطلقاً من الأساس الذي يرتكز عليه عقلك، ومن القاعدة التي ينطلق منها فكرك.
- مقياس العاطفة:
ومن هنا كان مقياس العاطفة التي تمثل وجدان الإنسان المسلم في إسلامه أن تحب في الله وأن تبغض في الله. وقد ورد في بعض الكلمات عن بعض الأئمة من أهل البيت (ع) "إذا أردت أن تعرف نفسك فانظر قلبك فإن كان قلبك يوالي أولياء الله ويعادي أعداء الله ففيك خير والله يحبك، وإن كان قلبك يوالي أعداء الله ويعادي أولياء الله فليس فيك خير والله يبغضك، والمرء مع من أحب" فنحن لا نفهم أن تكون هناك ازدواجية في شخصية الإنسان، بأن يكون عقله في خط الإسلام وأن يكون قلبه في خط الكفر، وأن ينطلق عقله على أساس الإلتزام بالله فيما ينطلق قلبه على أساس القرب من الشيطان، فللإنسان شخصية واحدة في عقله وقلبه وإحساسه وشعوره وحركته، وبذلك يمكن أن يكون الإنسان إسلاماً يتجسد، وإسلاماً يتحرّك، وإسلاماً يحب وينفتح على الحياة، ولهذا لابدّ لنا، أيّها الأحبة، من أن ننطلق إلى القرآن نسمعه ونتأمله ونتدبر كل آفاقه ونعيش كل قضاياه، لتكون قيمنا قيم القرآن، ولتكون حركتنا في الإسلام حركة القرآن. حتى عندما ننطلق في التاريخ الذي نقله القرآن لنا، فلا ينبغي أن يكون التاريخ مجرد قصة، بل حركة تمنحنا تجربة الماضي التي لا تنحصر في الماضي فحسب بل تمتد في المستقبل. ومن هنا فإنّ الله عندما يريد لنا أن نرتل القرآن ترتيلاً، وأن نقرأه بالصوت الحسن فليس ذلك لأجل أن نلهو بالصوت وبالترتيل، لكن لنجعل الصوت وسيلة لتأصيل المعنى في أعماقنا وفي أسماعنا لأنّ الإنسان يحب للفكرة أن تأتي إلى عقله من خلال قلبه، لأنّ القلب عندما يحتضن فكرة ويعطيها إحساسه ونبضاته، فإنّ الطريق إلى العقل يكون مفتوحاً من دون أية عوائق.
* السيد محمد حسين فضل الله
المصدر : موقع البلاغ |