التطبيع في قطر...!!!
لا أدري لماذا لم أبتهج، بل لماذا أصابني القلق الشديد حينما سمعت عن اختيار قطر لإستضافة كأس العالم! بل على العكس من ذلك تماماً. فالأمر ورائه ما ورائه خاصة بعدما ظهر ما ظهر. وحتى لا يكون هناك لبس ما فسرعان ما سمعنا حاكم قطر وهو يوضح وسط ضجيج الخبر وبشكل أسرع من السيف حينما قال: "بإمكان المنتخب (الإسـرائيلي) المشـاركـة في مونديال الدوحـة"...!!!
وهنا توضح الموقف؛ فالقوى المسـيطرة على قرارات (المونديال) هي قوى غربيـة وهي جينياً معاديـة. وميزة قطر أن أكبر قاعدة عسـكريـة أمريكيـة موجودة بداخلها. وهي شـأنها شـأن بقيـة الطوائف والمشـيخات تملك الغاز والنفط والمال. وهذا أمر لا يؤهلها للعب دور أكبر من حجمها كمثيلاتها الأكبر حجماً ومالاً. ولكن قرارها موجود في واشـنطن وبالتالي في تل أبيب...!!!
إذاً الموضوع ليـس أن قطر قد انتزعت هذا الحدث بفضل عبقريـة حُكامها أو بفضل مالها، ولو أنها سـتدفع بهذا السـياق فيما قبل أو بعد، ولكن وراء ذلك وبعد هذا التصريح الواضح عمليـة مقايضـة كبرى تهدف إلى إدخال الكيان الصهيوني الغاصب رسـمياً وشـعبياً إلى الشـارع والوجدان العربي بشـكل حاسـم. فاسـتضافـة الفريق (الإسـرائيلي) المؤكدة هو ومشـجعوه الذين قد يبلغون الآلاف جنباً إلى جنب مع الفرق العربيـة والمشـجعين العرب وأمام العالم. نعم تبدو هذه هي الأسـاس وراء هذا القرار باختيار قطر وليـس غيرها. ولعلي لا أكون مبالغاً إذا قلت أنـه قد يكون هذا هو الشـرط الأسـاسـي لهذا الإختيار والذي سـيغدو انتصاراً صهيونياً باهراً بإمتياز... وليـس عُرسـاً عربياً كما يُروج له الآن...
وما يدعونا لهذا الإستنتاج أن هناك عدة دول لها باع وتاريخ طويل بالرياضة العالمية والنجاحات والشهرة. وهي تملك أصلاً البنى التحتية والحضارية لمثل هذه المناسبة. أقول أنه قد تم إستثنائها جميعاً وقدم هذا الحدث لإمارة قطر التي أصلاً لم يسمع أحد بالعالم عن فريق رياضي لها حاز على أي شيء. وليس لها تاريخ بهذا المضمار.
إذاً هناك تغاضي من المجتمع الدولي الرياضي إكراماً للدور المناط لقطر لكي تقوم به. وهو في نظر الدول المستثناة والمعادية أصلاً أهم بكثير من أي حدث. وهناك قدر كبير من الجهد والضغوط التي مورست. والتفهم الكبير للنتائج السياسية والنفسية التي سيحصدها الكيان الصهيوني عندما يلعب فريقه على ملاعب قطر العربية. وكأنه يقول لكل العرب: لقد اخترقنا جسـدكم الثقافي والنفسـي والسـياسـي ونحن نُحرز نجاحات كبيرة. وقد اخترقنا جدار ممانعتكم ورفضكم أيها العرب وكسـرنا جدار العُزلـة التي فرضتموه علينا على مدى سـبعين عاماً. وأن ورقـة المقاطعـة واعتبارنا كائناً دخيلاً وغير شـرعي قد سـقطت بأيديكم أيها العرب. فنحن جزء أسـاسـي من هذه المنطقـة. وها نحن في قلب أوطانكم. وها هم مواطنوكم يهتفون لنا ـ "خاصـة عندما يُشـاهد عرب النفط المشـجعات الجميلات القادمات من تل أبيب.." ـ نعم نحن في دوحـة التطبيع والسـلام..!!
ومن يدري فهذه البداية، ولا أقول بداية التطبيع فنحن يفصلنا إحدى عشرة سنة عن هذا الحدث، وخلالها وكما نُشر بالمواقع هناك إستماتة كبرى من العديد من الحكام العرب لكي يصحوا من نومهم ويُشاهدوا الكيان الغاصب صديقاً وحليفاً وحارساً لهم من غضبة شعوبهم. نعم هذه البدايـة لطوفان التطبيع للعرب المطبعين الذين أداروا ظهورهم لقضيـة الأمـة وحذفوا فلسـطين من خرائطهم. والذين هم أصلا ينتظرون من يبدأ بالعلن ويفتح الأبواب العريضـة أمام الغزو الثقافي والسـياسـي الصهيوني... وهم كُثر... فاليوم الدوحـة وغداً العديد من العواصم التي أخذت تسـتمريء طعم التطبيع ولذتـه التي فاقت كل لذات الإرتماء...!!!
وفي نهاية المطاف يتحقق الهدف الذي لطالما أنهك الكيان الصهيوني لسنوات عديدة على يد هؤلاء الحكام الذين تخلوا عن قضية الأمة، طالما أن هذا الكيان قد أصبح بوابة العبور لطموحاتهم واستمراريتهم وسكوت العالم عن مباذلهم. وطالما أن مرضاة هذا الكيان ومعانقته هي شهادة حُسن السلوك التي يقدمها "العالم الحر"!!!
لقد سمعنا عبارات الثناء والمديح التي انهالت على هذا الكيان من أفواهكم فيما نُشر مؤخراً وما سوف يُنشر. وفهمناه ولم نتفاجأ. فكفاكم إجهازاً على أشرف قضية. فقد بقيت ورقـة الحصار والتطبيع في يد الشـعب العربي وهو متشـبث بها لأنـه يعرف بوعيـه الصادق أن هذه الورقـة هي أحد تجليات دفاعـه عن نفسـه ضد التهويد والتهديد الصهيوني. وهي الغضب الشـعبي الكاسـح لمحاولات تشـويـه وعيـه وذاكرتـه وحرف بوصلتـه وهي الحفاظ على هويتـه التي يرى في ما تفعلونـه مكافأة الغاصب واعترافكم بـه بصفتـه "صاحب الحق الأول". ونحن نقول لكم إن هذه الجريمـة لن تسـقط بالتقادم ولن تسـقط في عام 2022.