ويكيليكس...ولعبة خلط الأوراق
بعيداً عن الخوض كثيراً في تفاصيل ما سربه موقع ويكيليكس "
Wikileaks"الالكتروني من وثائق ومعلومات,كانت قد تناولتها الصحافة
العالمية بمجملها,هذه التسريبات التي كانت قد طالت العديد من الرؤساء
والشخصيات والدول والأحزاب....,وقالت فيها الولايات المتحدة الأمريكية
أنها قد تضر بمصالح الولايات المتحدة القومية ,وبعيداً عن البحث وإجهاد
النفس في مدى مصداقية هذه الملفات من عدمه, سواء كلها أم جزء منها ,ولكن
هناك أمور غريبة كثيرة وراء هذه الوثائق, فهي لم تترك دولة إلا وكشفت شيء
من أسرارها,عربية-إسلامية-أوروبية,ولم تترك رئيس أو سياسي أو دبلوماسي
إلا ونشرت له تصريح ,أو محادثة قالت بأنه سري ومحرج ,وحتى أن هذه الوثائق
كانت قد دخلت على الخط المذهبي,والطائفي, والقومي العربي والإسلامي .
لقد خلقت هذه الوثائق حالة من البلبلة على العديد من المستويات الرسمية
والشعبية, التي لن نقف عن حد منها لأنه بات من الواضح بأنها متجددة
ومستمرة على الرغم من الإعلان عن اعتقال مسؤول الموقع المسرب,إلا أنه لا
بد من وقفة لطرح جملة تساؤلات :.
1- من هي الجهة الحقيقية التي تقف وراء نشر هذه الملفات التي باتت تؤرق
نفوس من طالتهم .
2- هل هو شخص ,أم مؤسسة,أم جهة,أم دوله؟؟؟.
3- هل يملك شخص بعينة ,أم جماعة صغيرة إمكانية الحصول على وثائق بهذه
السرية والخطورة,كما تتحدث بعض الأوساط الأمريكية الرسمية,وكيف؟,
4-إذا كان كذلك- لماذا لم تطال شخصيات أمريكية وأوروبية بعينها؟.
5- إذا كانت الخارجية الأمريكية متخوفة من إحداث شرخ في علاقاتها مع
الدول,بسبب هذه التسريبات,فلماذا لم تعمل الاستخبارات الأمريكية على حجب
الموقع المسمى(Wikileaks ) منذ اللحظات التي بث فيها شريطاً مصوراً يظهر
فيه مقتل 12 مدنيا عراقيا ,وصحفيان يعملان لصالح وكالة رويترز للأنباء
قبل أكثر من عامين .
6- لماذا نُشرت الوثائق في هذا التوقيت بالذات ؟.
7- لما لم تتطرق هذه التسريبات إلى الكيان الصهيوني وقياداته بشكل واضح
وفضح جرائمهم ليس في غزة فقط,بل في العديد من الدول؟.
8- لماذا كل هذا الارتياح والاطمئنان الذي يبديه كل من الرئيس الإسرائيلي
"شمعون بيرس", ورئيس وزرائه "نتنياهو" ,ووزير حربة "أهود باراك",من أن
هذه التسريبات لن تطال إسرائيل بضرر؟.
9- لماذا ركزت هذه التسريبات على دول وجهات وشخصيات عربية وإسلامية دون
التركيز على أمريكا وإسرائيل؟.
كثيرة هي الأسئلة التي تستحق البحث لها عن إجابات .
بحكم العرف السائد دولياً بان جميع الوثائق السرية التي تتبع
للدولة,والتي فيها معلومات خطيرة تمس مصالح هذه الدولة لا تنشر إلا بعد
ما لا يقل عن 25الى30 عام ,وبما أن في بعض هذه الوثائق ما زال لم يمضي
عليها هذه الفترة الزمنية,ما يمس مصالح الولايات المتحدة الأمريكية,بحسب
ما جاء على لسان وزيرة الخارجية"هيلاري كانتون",وبمنطق القول بان
الولايات المتحدة الأمريكية تمتلك من الخبرة والإمكانات والتكنولوجيا ما
يمكنها من وقف هذا النزيف ,المسمى تسريبات"ويكيليكس" إذا ما أرادت ,يمكن
وضع الاحتمالات التالية,للاقتراب قدر الإمكان من الجهة الفعلية التي تقف
وراءها,التي تستمر تباعا,على الرغم من اعتقال مؤسس الموقع"ويكيليكي" :.
الاحتمال الأول:يتكون من ثلاثة تصورات لمشهد أمريكي واحد .
1- أن تكون الإدارة الأمريكية الحالية المصنفة"ديمقراطياً"إدارة
"اوباما"في ظل هزيمتها أمام الجمهوريين في الكونغرس الأمريكي,ومع الحديث
عن تراجع شعبية "اوباما" ,ومحاولة الجمهوريين استغلال هذا التراجع
ليسجلوا نقاط لصالحهم,أن تكون هذه الإدارة "الحالية"هي التي تقف وراء
هذه التسريبات, لتحقق هدفين في آن واحد,الأول:كشف عيوب الإدارة السابقة
لها,أي"إدارة جورج w بوش", والمصنفة جمهوريا,لتخاطب إدارة" اوباما" بعد
ذلك المجتمع الأمريكي ,بمنطق المُصلح لما أفسدته إدارة "بوش" الجمهورية,
ما قد يكسب هذه الإدارة,أي ادارة"أوباما" شيء مما خسرته, والثاني:أضعاف
مكانة الجمهوريين في الأوساط الأمريكية,وما يدعم هذا التوجه هو أن أغلب
هذه الوثائق تتطرق إلى مراسلات في فترة ولاية "جورج wبوش" .
2- إذا ما عكسنا الصورة لنتحدث عن إحتمالية دور الحزب "الجمهوري" في هذه
اللعبة,ففي إطار الصراع القائم بين الديمقراطيين والجمهوريين على كثير من
القضايا سواء الخارجية أم الداخلية ,نستطيع القول ,بأنه في الوقت الذي
تسلم فيه الجمهوريون بقيادة"جورجwبوش" سدة الإدارة الأمريكية,بشقيها
التشريعي والتنفيذي,واستغلوا هذا المكسب في شن الحروب والغزوات في
المنطقة, استغل الديمقراطيون الأخطاء والتداعيات لهذه الحروب وهذه
السياسات ,التي عكست سلبا على إدارة بوش,ليصعدوا لسدة الحكم ,وهذا ما حدث
فعلياً,وأوصل "اوباما لسدة الحكم, واليوم وعلى ما يبدو ,وبعد فوز
الجمهوريين بأغلبية مقاعد مجلس النواب,من غير المستبعد أن يكون
الجمهوريون قد أرادوا أن يناكفوا ويبتزوا "اوباما"داخلياً,ويقضوا مضاجع
إدارته, ويخلخلوا أركان عرشه من خلال لعبة تسريبات "ويكيليكس", ليضعوه
في حيرة ما بين الالتفات للقضايا الأمريكية الداخلية,وما بين التركيز على
القضايا الخارجية,لا سيما قضية الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني ,هذا إذا ما
قلنا بأن مشهد وطادة العلاقة بين الجمهوريين وحكومة الكيان الصهيوني, قد
يجعلنا نتصور بأنهم قد اجتمعوا على أن يمارسوا ضغطاً على "اوباما"ليمارس
بدورة مزيد من الضغوط على القيادة الفلسطينية في مسألة المفاوضات
والاستيطان,ومقايضة المساعدات بالاعتراف بيهودية الدولة,حتى لو وصلت
الأمور لحد التهديد والابتزاز للفلسطينيين,وتصريحات بعض مسئولي
الجمهوريين سابقاً , تؤكد على ذلك, حيث أعرب النائب الجمهوري "إيريك
كانتور" عن ذلك صراحة,عندما ربط في حديث سابق له المساعدات للسلطة
الفلسطينيَّة باعتراف السلطة بيهودية الدوله الصهيونية .
الاحتمال الثاني : إذا ما دققنا في كمية وعدد التسريبات المنشورة ,نجد
بأن أغلبها يطال الجانب العربي والمسلم وقياداته ونخبة’على هذا يمكن
القول بأن هذه التسريبات قد هدفت إلى خلق نوع من دق الأسافين بين
الدول,وبين الأنظمة وجماهيرها ,وبين الطوائف والمذاهب, لخلق حالة من
الفوضى والبلبلة,وهذا ما يدعو للقول بأنها خطة أمريكية-إسرائيلية
مشتركة,وهي سياسة(الفوضى الخلاقة) التي تم تبنيها سابقا,ويتم تفعيلها
حالياً .
الاحتمال الثالث :أن تكون الإدارة الأمريكية قد فقدت فعلياً السيطرة على
سرية وحفظ هذه الملفات, وان منظومة الأمن المعلوماتية قد اخترقت فعلياً
على أيدي أناس أو جهات سأمت السياسة الأمريكية,مع اعتقادي بأن هذا
الاحتمال ضعيف,بل قد يكون مستحيل .
الاحتمال الرابع : أن تكون إسرائيل وراء هذه التسريبات .
من غير المستبعد أن تكون حكومة الكيان الصهيوني الحالية – حكومة
"نتنياهو" على أثر الجرائم التي مارستها,وانعكاساتها السلبية عليها, وفي
ظل أزمتها السياسية التي تعصف بها دوليا على أثر جمود عمليه التسوية مع
الفلسطينيين, وصلابته الموقف الفلسطيني ,وثباته على شرط وقف الاستيطان,
وعدم قدرة الإدارة الأمريكية حتى اللحظة على ثني الجانب القيادة
الفلسطينية المتمثلة بالسيد الرئيس محمود عباس عن هذا الموقف ,ليس مستغرب
أن تكون أصابع إسرائيلية خلف تسرب هذه الملفات,بحيث تكون قد دفعتها لنشر
هذه المعلومات ,لتضرب أدارة "اوباما"بمقتل,على أثر موقفها من موضوع
الاستيطان, وإذا ما صح التقدير يمكن القول بأن تكون حكومة "نتنياهو"
أرادت من هذه التسريبات تحقيق أمرين:.
1-إحراج إدارة اوباما ,لإجبارها على الضغط على السلطة الفلسطينية للقبول
بما تريده إسرائيل .
2-أن تغطي هذه حكومة "نتنياهو" على مأزقها السياسي الذي يضعها في الأيام
والأشهر القادمة أمام أحد خيارين-إما انهيارها ائتلافياً,وإما ذهابها
إلى عمليه عسكرية في المنطقة لتنقذ نفسها في ظل لعبة جديدة لخلط
الأوراق .
ملاحظة :هذا تصور في جانب واحد لتداعيات تسريبات"ويكيليكس" .