قدمت الحكومة البريطانية إلى البرلمان، وبناء على طلب من إسرائيل، مشروع "تعديل" لقانون يتيح ملاحقة أجانب بتهم التورط في جرائم حرب خلال زياراتهم لبريطانيا. وقال المتحدث باسم الخارجية الإسرائيلية إيغال بالمور «نحن مرتاحون لرؤية الحكومة البريطانية وهي تقدم مشروع القانون كما وعدت، وننتظر إقرار هذا التعديل بأسرع وقت».
وللتذكير فإن الصيغة الحالية للقانون تعطي القاضي حق إصدار مذكرة توقيف أي مسؤول أجنبي يزور بريطانيا في حال اعتباره قد شارك في جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، حتى ولو حصلت هذه الجرائم خارج الأراضي البريطانية. ولا يشترط القانون موافقة النائب العام على مذكرة التوقيف. ودفع وجود هذا القانون العديد من المسؤولين الإسرائيليين إلى تجنب زيارة بريطانيا.
وقد يستغرب الكثيرون لماذا تخضع "بريطانيا العظمى" لابتزاز كيان صغير وتضطر لتغيير قوانينها من أجل الدفاع أو التغطية على عدد من مجرمي الحرب. وقد يستغرب المرء أيضا كيف أن الشعب البريطاني الذي يمارس الديمقراطية منذ عشرات السنين، يمكن ان يسكت على هذا الاختراق الإسرائيلي لقيمه وعراقته وتقاليده.
ولكن إذا عدنا إلى التاريخ قليلاً، تنجلي الأمور وتتضح. فبريطانيا كان لها الدور الأول والأساسي في إنشاء الكيان الصهيوني على أرض فلسطين العربية منذ وعد وزير خارجيتها آرثر بلفور في الثاني من تشرين الثاني سنة 1917:
إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جلياً أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى". وسأكون ممتناً إذا ما أحطتم الاتحاد الصهيوني علماً بهذا التصريح.
وعد بلفور معروفٌ أيضاً بـأنه وعد من لا يملك لمن لا يستحق، وذلك بناء على الادعاء: أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، الذي تبين زيفه وبطلانه. إذن، فقد تبنت بريطانيا منذ عشرينات القرن الماضي سياسة إيجاد كيان يهودي في فلسطين وقدّمت له الحماية والرعاية ليكون في المستقبل محرك فتنة في المنطقة وشغلا شاغلا للعرب ينهك قواهم ويعرقل كل محاولة للوحدة فيما بينهم، إضافة إلى أسباب عديدة أخرى، جاء من كشف عنها بوضوح بعد قرابة مائة عام..
فقد حذر رئيس الوزراء الإسباني السابق خوسيه ماريا أزنار من انهيار إسرائيل، معتبرا أن ذلك سيقود إلى انهيار الغرب. وفي مقال له بصحيفة التايمز البريطانية حمل عنوان "ادعموا إسرائيل لأنها إذا انهارت انهار الغرب"، قال أزنار إن "إسرائيل هي خط دفاعنا الأول في منطقة مضطربة تواجه باستمرار خطر الانزلاق إلى الفوضى، ومنطقة حيوية لأمن الطاقة لدينا بسبب الاعتماد المفرط على النفط الموجود في الشرق الأوسط، والمنطقة التي تشكل خط الجبهة في الحرب ضد التطرف، فإن سقطت فسنسقط معها". وأضاف أزنار "إنّ تراجع الغرب عن دعم إسرائيل وترْكها تواجه مصيرها وحدها في هذه الظروف دليل صارخ على مدى تراجع الغرب وضعفه".
بل وصل الأمر بأزنار أن اعتبر أن الالتزام بأمن إسرائيل "يتطلب درجة من الوضوح الأخلاقي والإستراتيجي، كثيراً ما تبدو وكأنها اختفت من أوروبا، كما أن الولايات المتحدة تظهر علامات مثيرة للقلق حول السير في الاتجاه نفسه".
ورأى أزنار أنه يجب الدفاع عن إسرائيل بغض النظر عن الحكومة الموجودة فيها والسياسة التي تتبعها هذه الحكومة "لأننا في النتيجة ديمقراطيون ونؤمن بالتنوع".
وما خلص أزنار إليه هو اعتبار "إسرائيل جزء أساسي من الغرب" لذلك فإن فقدان إسرائيل سيعني فقدان الغرب لأن مصير الطرفين "متشابك وبشكل لا ينفصم سواء أحببنا ذلك أم لا".
هل يحتاج المرء أسباباً إضافية ووضوحاً أكثر وصراحة أشفّ ليعرف لماذا يدعم الغرب إسرائيل!؟ قبل مقال أزنار كان الحديث عن الدعم الغربي مداورة وكان الحديث عن الأسباب ملتبساً. أما وقد تم التصريح بالأهداف والغايات والنوايا، فلم يعد للعرب حجة في عدم فهم الأمور على طبيعتها وحقيقتها، إلا إذا كانوا لا....
سيظل العرب يخطئون إذا غاب عن وعيهم لحظة واحدة أن إسرائيل بنظر الغرب كلّ الغرب، جزء من هذا الغرب ويجب معاملتها على هذا الأساس، وكلّ الباقي تفاصيل لا تقدم ولا تؤخر.
ولذلك فقط، عندما يجعل العرب، هذا الغرب يشعر أن إسرائيل أصبحت عبئاً عليه ووجودها خطراً عليه ويضرّه ويؤذي مصالحه ويهددها، أكثر مما يخدمه، وقتها فقط يمكن ان يغيّر هذا الغرب نظرته إلى إسرائيل وإلى دعم إسرائيل ويتراجع عن حمايتها واحتضانها.
وقبل ذلك، سيظل الغرب يدعم إسرائيل ويحميها ويغيّر قوانينه لخدمتها وخدمة قادتها حتى ولو كانوا قتلة وسفاحين ومجرمي حرب وارتكبوا جرائم ضد الإنسانية؛ فالعدالة استنسابية والديمقراطية استنسابية والمعايير المزدوجة والمنطق المزدوج يفسّر كل شيء.
*بديع عفيف