لا شك بأن المتاعب السياسية والعسكرية والاقتصادية التي تعاني منها أميركا هي من صنع الرئيس السابق الطائش جورج دبليو بوش. وكان من بين الذين هالتهم جسامة تلك المتاعب باراك أوباما الذي كان يشغل مقعد ولاية ميشيغان في مجلس الشيوخ? فانبري ليندد بإرث بوش ويعد بأنه إذا انتُخب سيُصلح كل شيء. فانتخبته أغلبية الشعب أو بالأحري أغلبية الحزب الديمقراطي الذي انحاز جانب منهم إلي هيلاري كلنتون التي واجهته بمنافسة شديدة في البداية، ثم انضمت إليه بعد أن منحها وزارة الخارجية.
وقد انقضي الآن عامان علي تولي أوباما منصبي الرئيس والقائد الأعلي للقوات المسلحة؛ لذا يحاسبه الذين صوتوا له في الانتخابات علي أي تقصير أو عجز بدا منه. فهو في الحقيقة لم يفلح في حل أية مشكلة معقدة? حلاً جذرياً، ولن يبدأ تطبيق مخططه للضمان الصحي والاجتماعي حتي سنة 2014، أي بعد ظهور نتائج الانتخابات الرئاسية القادمة التي ستجري في سنة 2012، والتي لا يستغرب أن تفوز بها "البومة" سارة بيلين طالما أنه فاز بها من قبل الرئيس الأحمق بوش.
بطبيعة الحال يلعلع أوباما بأن كل المشاكل التي تعانيها أميركا قد نجمت عن الأخطاء الفاحشة التي ارتكبها سلفه المتهور. ولكن هذا السلف تخلي عن عجلة القيادة فتسلمها أوباما. فإذا نجح في تسويتها فشكراً جزيلاً، وإذا لم ينجح فلا لوم علي أحد إلا عليه هو وحده.
الانتخابات التي جرت مؤخراً- وهي ما يسمي انتخابات نصف الطريق- أي بعد مرور سنتين من سنوات الرئاسة الأربع? لم تمس منصب رئيس الجمهورية بل كانت إعادة تنظيم لحكام الولايات وأعضاء البرلمان. وهذه الإعادة قد زادت عدد أنصار الحكومة في الكونغرس قليلا وأنقصت عدد حكام الولايات الذين يؤيدون الحكومة. وما يخسره أحد الجانبين عادة يكسبه الجانب الآخر? وفي المعركة الأخيرة كانت مكاسب الحزب الجمهوري المعارض أكثر من مكاسب الحزب الديمقراطي الحاكم? وهذا دليل علي عدم رضا الشعب "حتي الذين صوتوا للحزب الديمقراطي في الانتخابات العامة" علي ما أنجزته وما لم تنجزه الحكومة الحالية.
إحصاءات المراقبين تدل علي أن 9 أعشار المواطنين غير راضين عن الأوضاع الحالية. فالبطالة واسعة النطاق ومعدلها 25% من الأيدي العاملة? والاقتصاد بأكمله يعتمد علي دورة الأعمال. فبدونها لن يكسب الناس معاشات ليصرفوها علي المشتريات. لذا تفلس المتاجر، ومتي أفلست ستغلق المصانع التي كانت تملأ بمنتوجاتها تلك المتاجر.
وحيث إن نسبة ضئيلة من سكان أميركا تملك مساكنها فإنها مرهونة للبنوك ومؤسسات التمويل العقاري؛ وعندما يعجز الساكن عن دفع أقساط الدين يُطرد من مسكنه ويخسر كل ما دفعه حتي لحظة الطرد. إنها حقا مأساة اجتماعية كبري? خاصة وأن الحكومة فرضت شد الأحزمة علي البطون وخفضت خدماتها الاجتماعية وغير ذلك من مصاريف الدولة باستثناء احتياجات القوات المسلحة التي تكلف خزينة الدولة أكثر من مئة بليون دولار سنويا.
لقد حذر الرئيس الأميركي الأسبق دوايت ايزنهاور من تحول أميركا إلي كتلة عسكرية قوامها مصانع حربية تزود القوات المسلحة بسيل لا ينضب من الأسلحة الجديدة الأكثر فتكاً. ولكن أميركا خضعت رغم أنفها لهذا التحول الذي يستنزف أكثر من نصف أموال أميركا.
هذه المؤسسة المسؤولة عن الصناعات العسكرية أكبر وأعمق نفوذا بكثير من أوباما ومن أي رئيس آخر جاء قبله أو سيأتي بعده. فهي متآمرة مع البنوك التي تمولها ومع موظفي الدولة وأجهزة الإعلام الذين ينفذون أوامرها.
والبنوك كما هو معروف أغلبها بأيدي اليهود؛ "لذا لن يستطيع أوباما أو أي رئيس آخر" أن يغيّر سياسة أميركا الخارجية مهما كانت مشاعره ومهما جاء في أقواله. والحيَّة لا تموت إلا بقطع الرأس. وهؤلاء الذين يفجرون أنفسهم أو غيرهم لن يغيروا مجري التاريخ الذي رسمته العصابة السرية المسماة حكماء صهيون.
قد يدرك أوباما أو لا يدرك هذه الحقيقة، ولكنه في الحالين يشبه دون كيشوت في مناطحته لطواحين الرياح.
في ألمانيا كانوا يطلقون لقب "فوهرر" علي قائد الدولة، و"فوهرر" هذه معناها الأصلي هو قائد العربة أو السيارة أو أية وسيلة أخري متحركة؛ فهو يمسك عجلة القيادة ويقود، فإن كان سائقا ماهرا أوصل ركاب عربته إلي خاتمة المطاف بسلام? وإن كان بليدا مثل جورج دبليو بوش دهور السيارة وترك ركابها بين جرحي وقتلي.
فهل أوباما سائق ماهر؟
إن المسكين لا يعطي فرصة لاثبات براعته في القيادة? فهو منذ أن وطأت قدماه البيت الأبيض يناشد أعضاء الكونغرس الديمقراطيين والجمهوريين أن يتفقوا علي ما فيه الخير للبلاد كي يتعاونوا علي البر والنجاح. لكن الجمهوريين الذين تحركهم العصابة الصهيونية كلعبة القراقوز لا يريدون أن يلعبوا هذه اللعبة، لأن نجاحها سيضمن دوام حكم أوباما والديمقراطيين. وهذا الحال سيستمر حتي يفشل الديمقراطيون ويعود الجمهوريون إلي الحكم ليستأنفوا الجرائم التي ارتكبوها في عهد بوش "أو بالأحري في عهد ديك تشيني".
في المعركة الانتخابية الأخيرة خسر الديمقراطيون ستين مقعدا في الكونغرس? لذا ستتنازل نانسي بيلوزي عندما يلتئم شمل البرلمان الجديد في شهر يناير عن مطرقة رئيسة البرلمان إلي جون بوهنر الذي سيتسلم منها الرئاسة? وهذا يعني أن أوباما سيواجه بالرفض كلما طلب موافقة المجلس علي أي مشروع يقدمه إليه؛ فيصبح كما يقولون بطةً عرجاء Lame Duck ، وحيث إن الجو في واشنطن أصبح مكفهراً إلي هذا الحد سيبحث أوباما عن الأوكسجين في مناطق أخري. لذا بدأ مؤخراً جولة في ربوع آسيا استغرقت 10 أيام وسيتجنب التعمق في مشاكل الشرق الأوسط وأفغانستان لأن أغلبية الكونغرس لن تسمح له بتحقيق إنجاز كبير فيهما.
فما العمل بعد أن أصبح الجمهوري ميتش كونيل رئيسا لمجلس الشيوخ وجون بوهنر رئيسا لمجلس النواب؟ لم يتنازل قط أي رئيس أميركي عن منصبه بمحض اختياره? لذا سيظل أوباما يعد الأيام حتي تأتي نهاية ولايته في ديسمبر 2012.
إن هذا أمر مؤسف حقا? فأوباما كاد يكون بمثاليته نبياً نقياً ومصلحاً يشبه إلي حد كبير الرئيس الأسبق أبراهام لنكولن محرر العبيد. ماذا جري لجميع الأنبياء؟ ألم يضطهدوا ويعذبوا؟ هذا هو مصير أوباما الذي يكرهه كثيرون لظنهم بأنه مسلم لأن أباه حسين كان مسلماً. ففي قاموس أميركا تجد كلمة مسلم تحت تصنيف عدو? مجرم? سفاح وما شابه ذلك من أسوأ الأوصاف.
كُرْه المسلمين والإسلام غريزة متوارثة في الغرب؛ فالكاتب الفرنسي الساخر فولتير الذي عاصر الحملة الصليبية السابعة ضد المسلمين ألّف مسرحية اسمها ماهومت "أي محمد" وفي هذه المسرحية التي عرضت في مدينة ليل سنة 1741 يقتل الابن المسمي "السيد" أباه بدافع من تعصبه الأعمي لـ"ما هومت" الذي اعتبره فولتير دجالا شريراً مثله هو نفسه المنافق الكبير الذي ظل يلحس أحذية قيصر ألمانيا فردريك وقيصرة روسيا كاثرين.
وفي أيام حرب القرم التي تحالفت فيها بريطانيا وفرنسا مع تركيا المسلمة ضد روسيا المسيحية? أبدت الملكة فيكتوريا عن أملها بأن يتخلي الأتراك عن دينهم ويعتنقوا المسيحية. وعندما أُرسل الجنرال غوردون إلي السودان ليحكمها باسم خديوي مصر كانت فكتوريا تأمل أن يقضي غوردون علي الإمام المهدي ويطفئ شعلة الإسلام.
هذه بعض الأمثلة? فكيف يمكن لأوباما أن يتغلب علي التعصب الأعمي في أميركا ضد الإسلام والمسلمين؟ ومن يضمن له السلامة من يد الغدر التي اغتالت الرئيس الأسبق جون كندي؟!.
*محمد قبرطاي