على الدرجة الأولى من سلم مرحلة جديدة
جاءت التطورات الأخيرة على صعيد العلاقات الأوروبية مع الولايات المتحدة الأميركية لتكشف المزيد من الملفات (المخفية وغير المخفية) بين واشنطن من جهة وبعض عواصم دول الاتحاد الأوروبي من جهة ثانية. كما جاءت التطورات الأخيرة لتبين بوضوح صارخ أن الولايات المتحدة تعمل على الاستئثار بالقرار الأوروبي عبر اشراك لندن وباريس فقط واستبعاد الآخرين من مسار الفعل والقرار بالنسبة لمجريات الأحداث ليس على الساحة الأوروبية ـ الأميركية فقط، بل على الساحة الدولية، الأمر الذي يذكرنا بغزو العراق في ابريل 2003، حين استفردت واشنطن بقرارها بغزو العراق خارج اطار مجلس الأمن والشرعية الدولية، وقامت بدعم وموافقة (لندن) ورئيس وزرائها طوني بلير بغزو العراق، حيث مالبثت أن جرت دول أوروبا معها لدفع جنودها نحو العراق بعيد انتهاء العمليات العسكرية في مرحلتها الأولى.
علامات في العلاقات الأميركية ـ الأوروبية
وكان أول تلك الملفات المخفية الأخيرة، ما ورد مؤخراً في كتاب أخير (موثق) صدر في باريس، وفيه خفايا العلاقة التي تمت بعيداً عن باقي دول المجموعة الأوروبية، والتي ربطت بين الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك والرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن، ودورهما الكبير في التخطيط لاستصدار القرار الدولي (1559) والمتعلق بالوجود العسكري السوري في لبنان، وصولاً الى التآمر على استقرار سوريا عبر تهديدها من خاصرتها اللبنانية، بل وعبر وضع تصورات لهز استقرارها والانقلاب على النظام القائم في دمشق.
أما ثاني تلك الملفات، فقد بان قبل أيام حين استطاعت واشنطن بمساعدة حثيثة من قبل باريس ولندن من دفع دول الاتحاد الأوروبي (الثمانية والعشرين) للتوافق مع واشنطن بشأن نظام (الدرع الصاروخي) الذي تعارضه موسكو، بل وتعتبره مهدداً للسلم والأمن العالمي. فقد اتفق الرئيس الأميركي باراك أوباما وحلفاؤه بحلف شمال الأطلسي (الناتو) في لشبونة على اقامة نظام دفاعي جديد مضاد للصواريخ عبر أوروبا ودعوة روسيا للمشاركة فيه، كما في اقرار مفهوم استراتيجي جديد سيوجه عمل الحلف خلال العشرية المقبلة، كما زكى المجتمعون الموقف الأميركي بتصديق اتفاقية ستارت الروسية ـ الأميركية لنزع الأسلحة المعروفة باتفاقية (ستارت 2)، حيث لم تأت المصادقة والتوافق الأوروبي الأميركي على اقامة (الدرع الصاروخية) لولا تلك الجهود الدبلوماسية الحثيثة التي دأبت على القيام بها كل من باريس ولندن مع باقي أطراف دول الاتحاد الأوروبي التي كانت في موقع التحفظ أو المعارضة للمشروع، خصوصاً بولندا وألمانيا.. أما ثالث تلك الملفات، فهو مايجري في أفغانستان، فالرئيس باراك أوباما يريد هنا مساعدة من أوروبا بـ (مالها وجنودها) بعد التعثر اليومي الذي بات صفة قائمة للوضع الملتهب في أفغانستان، في الوقت الذي يرى فيه الرئيس أوباما أن أولويات الولايات المتحدة منشغلة الآن بالصين والهند والشرق الأوسط وروسيا، وانه يريد أن ينتقل بالولايات المتحدة الى عالم ما بعد العالم الغربي، وهذا الأمر يدفع الأوروبيين للتساؤل عما أصابهم، وعما ينتظرهم.
أما رابع تلك الملفات، فقد برز قبل عدة أشهر، حين جاءت الصفعة الأميركية القوية لدول الاتحاد الأوروبي، عندما عملت واشنطن على تجاهل دعوة دول الاتحاد أو أي مندوب عنها لحفل افتتاح الجولة الأولى من المفاوضات المباشرة في واشنطن في الثاني من سبتمبر 2010، وحتى في الجولة الثانية التي عقدت في شرم الشيخ بالرغم من الوساطة المصرية من أجل كرسي للاتحاد الأوروبي، أو حتى من أجل حضور شكلي ولقطة تصويرية الى جانب المتصافحين في شرم الشيخ، قبل دخولهما الى قاعة المفاوضات المباشرة، علماً أن الرئيس المصري حسني مبارك كان قد وعد الفرنسيين خلال مروره بباريس في طريقه الى واشنطن في اليوم الأول من سبتمبر 2010، بدعوة الأوروبيين الى شرم الشيخ لحضور حفل افتتاح الجولة الثانية من المفاوضات المباشرة، لكنه لم يستطع الايفاء بذلك نظراً للموقف الاستبعادي الأميركي ـ الاسرائيلي.
الصراخ الأوروبي خطوة لاتكفي
وفي هذا الصدد، ومن المفارقات التي توضح ما أوردناه أعلاه بشأن التهميش الأميركي لدول الاتحاد الأوروبي، لجوء بعض أطراف دول الاتحاد الأوروبي للصراخ أكثر من مرة بشأن استبعادها من مسار وتفاعلات عملية «التسوية» الجارية في منطقة الشرق الأوسط، كما في استبعادها عن التأثير في القرار الدولي بشأن مواقع النزاعات المختلفة، وابقاء دورها في حدود التمويل المالي (دول مانحة) كما في الشرق الأوسط، وفي المشاركات اللوجستية بالعتاد والمال والجنود كما الحال في أفغانستان .
وبالتأكيد فإن الصراخ اياه جاء متأخراً جداً، بعد سنوات طويلة من الاقصاء الذي مارسته الولايات المتحدة بحق العديد من المنظومات والكتل الدولية الكبرى، التي تم تحييدها عن مسار الأحداث في المنطقة، مقابل ابقائها كمجموعات مانحة وممولة لعملية التسوية.
ومع ذلك، فإن الصراخ الأوروبي من تهميش الدور السياسي لأوروبا، يشكل خطوة على طريق مغادرة المرحلة الأقرب الى الانعزالية والتركيز على القضايا الاستراتيجية الدولية، وفرض منظومة دول الاتحاد كلاعب عالمي حقيقي في ميدان السياسات الكبرى في العالم، والقيام بخطوات يعتبرها البعض من الأوروبيين تمثل أهمية استراتيجية مثل عملية انضمام تركيا الى الاتحاد الأوروبي التي تواجه معارضة قوية معروفة في بعض الدوائر (ليس هناك من ينكر أن الاتحاد الأوروبي الذي يشمل تركيا سيكون لاعبا عالميا أكثر قدرة ومصداقية).
وفي هذا المجال، فإن أوروبا بحاجة لأن تعرف كيف تتعامل مع الولايات المتحدة كي تعيد استعادة دورها المطلوب كقوة سياسية واقتصادية في اطار المنظومات الدولية، الأمر الذي يستدعي منها تجاوز سقف الاملاءات الأميركية عبر تطوير استراتيجيات متناغمة للتعامل مع الصين وروسيا والشرق الأوسط، وأفغانستان، وهذا غيض من فيض المواقف التي يبدو أنها لا تتخذ فيها موقفا موحدا نتيجة التأثير الأميركي على بعض دولها.
ويبقى القول بأن الصراخ الأوروبي والاحتجاج على منطق الاستبعاد، يعبر عن روح جديدة وايجابية وان جاء متاخراً جداً، لكن محاذيره تبقى في جوهر الموقف الأوروبي ذاته، الذي كان ومازال موقفاً متذيلاً وبحدود واسعة للموقف الأميركي، ليس بشأن الشرق الأوسط وقضية فلسطين فقط، انما بشأن معظم القضايا الكونية التي باتت في العقد الأخير تقلق المجتمع الدولي بأسره، من أفغانستان الى العراق الى الأزمات الاقتصادية العالمية... الخ.
ضرورة مغادرة موقع التذيل لواشنطن
ان ولادة الدور الأوروبي الجديد والنوعي والمؤثر وحتى الحاسم في مسار تقرير الأحداث والوقائع في المنطقة، يتطلب من الأوروبيين مغادرة موقع التذيل للسياسات الأميركية، واشتقاق رؤية سياسية جديدة تقارب قرارات الشرعية الدولية قولاً وعملاً، وتأخذ بعين الاعتبار حالة الظلم والمعاناة الكبرى التي مازال يعيش ويرزح تحتها الشعب العربي الفلسطيني منذ ولادة مأساته ابان حكم الانتداب البريطاني لفلسطين. في هذا السياق، ومن أجل توضيح الأمور كما هي دون قفزات هوائية، نقول ان دول الاتحاد الأوروبي منقسمة تجاه مايجري في الشرق الأوسط، وهو أمر أضعف ويضعف من دورها في مسار الأحداث، وفي تشكيل رؤية أوروبية موحدة تجاه عملية التسوية ومايدور بشأنها. فالموقف البريطاني على سبيل المثال، كالموقف الهولندي أضعف من دور أوروبا، وشكل تابعاً أعمى لسياسات الولايات المتحدة خلال العقدين الماضيين، وهو ما اتضح بشكل جلي تجاه الموضوع العراقي على سبيل الذكر لا الحصر، حين افترقت بريطانيا وهولندا عن مواقف الدول الأوروبية، التي مالبثت أن بادرت والتحقت جميعها بالدور الأميركي.
وعليه، فإن أسباب قصور دور دول الاتحاد الأوروبي في الشرق الاوسط، وحالة التهميش والعزل، تعود لأن الدول الأعضاء في الاتحاد منقسمة للغاية عندما يتعلق الأمر باتخاذ قرارات ملموسة وحاسمة، بشأن مايجري في المنطقة وفي العالم ككل، وتكتفي فقط باصدار بيانات مليئة بالنوايا الحسنة وتقتصر على أدنى قاسم مشترك بينها، وهو أمر يضعف من امكانية قيامها بدور مؤثر، كما يضعف من امكانياتها في التأثير على مختلف الأطراف.
أخيراً، ان الولايات المتحدة واسرائيل، لاتريدان أي شريك أو مراقب في مسار العملية التفاوضية، وذلك لاضعاف الطرف الفلسطيني والعربي عموماً. ومن هنا فالدور الأوروبي المتوازن المرتقب، والمنتظر من قبل العرب، يفترض بالأوروبيين التفتيش عن مصالحهم التي ابتلعتها واشنطن، كما ابتلعت مصالح غيرهم من الدول والمنظمات السياسية الكبرى في العالم. فأوروبا والعرب جيران في حوض المتوسط، تربطهم علاقات التاريخ والجغرافيا والمصالح، وعلى الأوروبيين أن يعوا حقائق التاريخ ودروسه، فهم من أوجد «اسرائيل» وهم من يدفعون الآن تبعات سياسات قديمة مارسوها خلال عقود ماضية، وأدت بهم في نهاية المطاف الى دور هزيل لايرتقي الى قوة أوروبا وحضورها الحضاري والاقتصادي على صعيد المعمورة بأسرها.