هل نقل البشير البُندقِيّة من الكتف السعودي إلى الكتف التركي؟!

الثلاثاء ٠٢ يناير ٢٠١٨
٠٦:٤٦ بتوقيت غرينتش
هل نقل البشير البُندقِيّة من الكتف السعودي إلى الكتف التركي؟! يَتعرّض الرئيس السوداني عمر البشير هذهِ الأيّام إلى حَملةِ انتقاداتٍ شَرِسةٍ من بَعض الوسائِط الإعلاميّة السعوديّة، وَصل بعضها إلى درجةِ “مُعايرته” بنُكرانِ الجميل السعوديّ الذي تَمثّل في القِيام بجُهودٍ كَبيرةٍ لدى الأُمم المتحدة وواشنطن لرَفع العُقوبات المَفروضةِ على السودان.

العالم- أفريقيا

الحملة هذه تأتي بسبب التقارب الكبير المُتنامي حاليًّا بين الرئيس البشير والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وتَوقيع الجانبين، أثناء زِيارة الأخير للخَرطوم، عِدّة اتفاقيّاتِ تَعاونٍ اقتصاديّ، أبرزها مَنح تركيا جزيرة “سواكن” على شواطِئ البحر الأحمر، وقُبالة السّواحل السعوديّة، لاستثمارِها اقتصاديًّا، وتَحويلها إلى نُقطةِ تَجمّع وانطلاقٍ للحُجّاج العَرب والأفارقة لأداء المَناسِك على الأراضي السعوديّة مِثلما كان عليه الحال في الماضي.

السعوديون، وحسب ما يَرد من مقالاتٍ في إعلامِهم، وعلى وسائط التواصل الاجتماعي التي تُسيطر عليها الحُكومة، يرون أن الوجود التركي في جزيرة “سواكن” الذي تُشير أنباء غير مُؤكّدة أنّه قد يَتطوّر إلى وجودٍ عَسكريٍّ، على غِرار ما يَحدث حاليًّا في قطر، قد يَكون مُوجّهًا للمُشاغبة على بِلادهم وحَليفِهم الإماراتي، حيث تُوجد للبَلدين قواعد عَسكريّة في جُزرٍ يَمنيّة وأرتيريّة قَريبة.

لا نَعرف ما هِي الأسباب الحقيقيّة التي جَعلت الرئيس البشير يُدير ظَهره بالكامل للسعوديّة، ويَتّجه إلى المِحور التركي القَطري، أي أن ينقل البُندقيّة من كَتِف إلى آخر بسُرعةٍ قِياسيّة، ولكن ما يُمكن استخلاصه، من خِلال قراءة ما بَين السّطور، أن الرئيس السوداني أُصيب بخَيبة أمل لعَدم إيفاء حَليفه السعودي الجديد بالعَديد من الوعود بالدّعم الاقتصادي، لإخراج بِلاده من أزماتِها، ووَجد نفسه غَريبًا وغير مَوثوق فيها في المُعسكر الأمريكي، ولهذا قَرّر الانتقال إلى المُعسكر التركي الروسي، تمامًا مِثلما فَعل الملك عبد الله الثاني، عندما لم يتجاوب مع نصائح، ولا نَقول أوامر، سُعوديّة بعدم الذهاب إلى قِمّة التعاون الإسلامي في إسطنبول، ونَسجَ علاقةً قَويّةً مع الرئيس أردوغان ترتكز على مُعارضة القرار الأمريكي بتَهويد مدينة القُدس المُحتلّة، ونَقل السّفارة الأمريكيّة إليها، وهذا مَوضوعٌ آخر.

الرئيس البشير، بات في الفترةِ الأخيرة أكثر تأثّرًا بالمدرسةِ “البرغماتيّة” الأردوغانيّة، حسب وَصفه لها، أي نَسج التّحالفات حسب مَصالح بلاده، وليس وِفق قَناعاتٍ أُخرى، مِثلما كان عليه الحال في الماضي، أي مع بِدء تَولّي ثورة الإنقاذ الحُكم، ويُمكن القَول أيضًا أنّه شَعر بالكثير من “الغُربة” عندما انتقل من المُعسكر الروسي التركي الإيراني إلى المُعسكر الأمريكي السعودي، وقَرّر تصحيح هذا “الخَطأ” في الأيّام والأشهر القليلة الماضية، بالعَودة إلى حاضِنته الطبيعيّة الأدفأ، مِثلما قال مَسؤولٌ سودانيٌّ قَريب من البَشير لـ”رأي اليوم”.

من يُتابع خِطاب الرئيس البشير الذي ألقاه أمس الأحد بمُناسبة الذّكرى الـ62 لاستقال بِلاده يَلمس تجسيدًا لهذهِ الحقيقة، حيث أشاد بالاتفاق الشّامل على تعاونٍ استراتيجيٍّ مع كُل من روسيا وتركيا ونَدّد بالحِصار الأمريكي المَفروض على بِلاده مُنذ عشرين عامًا “الأمر الذي يُهيء فُرصةً واسِعةً لاستغلال مَوارد السودان في أحداثِ تنمية من خلال مَشروعاتٍ مُحدّدة، تَقود الاقتصاد نَحو مدارِج النّمو المُتسارِع″.

عندما نقول أن الرئيس البشير بات يسير على خُطى المَدرسة “الأردوغانيّة”، وأصبح تِلميذًا نَجيبًا فيها، وهو لا يُنكر انتماءاته العقائديّة “الإخوانيّة” على أيِّ حال، نُشير إلى تَأكيده على أن القوّات السودانيّة مُستمرّة في اليمن، وهو ما فَعله الرئيس أردوغان عندما أوفد رئيس وزرائه بن علي يلدريم إلى السعوديّة حامِلاً رسالة طمأنة ورغبة في التّعاون والتنسيق، بينما كان يَزور في الوَقت نفسه السودان لتوقيع اتفاقاتٍ استراتيجيّة في جزيرة “سواكن” فَسّرها السّعوديون على أنّها مُوجّهة ضِدهم، والتّنسيق السعودي التركي الذي سَعى إليه يلدريم تَبخّر بعد تَوقيع اتفاق “سواكن”، والوجود السوداني في اليمن سيُصبح غير مَرغوب فيه سُعوديًّا وإماراتيًّا على غِرار الوجود العَسكري القَطري، وقد تُطالب الدولتان البشير بسَحب قوّاته لأنّها لم تَعد مُرحّبًا فيها.

السعوديون يجب أن يُدركوا أن للدّول مَصالح يَعملون على تطويرها، وتقاربهم معها، لا يَعني أنّهم أصبحوا تابعين لها، ويَخضعون لإملاءاتِها.

الأهم من ذلك أن الرئيس السوداني أرسل أكثر من عشرة آلاف جُندي للقِتال تحت قِيادة السعوديّة في اليمن، وتتردّد أنباء بأن ما يَقرُب من الألف سوداني قُتلوا في جَبهات القِتال، ومن بَينهم عناصر من القوّات الخاصّة السودانيّة، وإذا كان هُناك “خلل ما” دفع الرئيس البشير للانتقال إلى المُعسكر القَطري التركي، فإنّ هُناك احتمالات كبيرة بأنّ بَعض المَواقِف السعوديّة مَسؤولةٌ عنه أيضًا، الأمر الذي يَتطلّب مُصارحةً ومُراجعة، ونَقد ذاتي.

المُشكلة الأكبر التي سَتُواجه الرئيس البشير في العام الجديد، ليست مع السعوديّة وَحدها، وإنّما أيضًا مع مِصر التي سَترى في هذا التغلغل الاقتصاديّ والعسكريّ التركيّ في ساحتِها الجنوبيّة تهديدًا استراتيجيًّا لها، ومُحاولةً لتَقويض مصالِحها، وفَتح جَبهات استنزاف ضِدها، تَحكم العلاقة القَويّة التي تَربِط بين الرئيس أردوغان وحركة الإخوان المُسلمين، وتَجسّد ذلك بِرَفعه إشارة رابعة في الخرطوم، وفي قصر قرطاج في تونس، تَحدّيًا وتَأكيدًا، والأهم من ذلك أن تصاعد العَداء المِصري السّوداني على أرضيّة جزيرة “سواكن”، بعد مثلث حلايب، قد يُؤدّي إلى تَقاربٍ سودانيٍّ أكبر مع أثيوبيا التي تبني “سَد النّهضة” الذي سيُحوّل مِياه النيل الأزرق، ممّا سيَؤثّر سَلبًا على حِصص مِصر من مِياه النّيل التي تَصل إلى 56 مليار مِتر مُكعّب سَنويًّا، وربّما جَفاف ملايين الهكتارات الزراعيّة.

الرئيس أردوغان ضَرب ضَربته العَربيّة الأفريقيّة، وجَذب السودان إلى مُعسكَره، مِثلما فَعل مع دُول أُخرى في الجِوار المِصري مثل تشاد والصّومال، وربّما تونس أيضًا، ولا نَستبعد أن يكون تَحرّكه القادم في اليمن، فالبَحر الأحمر يُوشِك أن يَتحوّل إلى بُحيرة تُركيّة، فلا أحد يَستطيع أن يَتنبّأ بخَطوات أردوغان المُقبلة، بينما ليس من الصّعب التنبؤ بسياسات ومَواقِف خُصومه الجامدة، الخامِلة، والمَعروفة مُسبقًا، فالرئيس التركي يَجتهد ويَتحرّك بَينما أبواب الاجتهاد السياسيّ مُغلقة لدى الآخرين، وهُنا يَكمُن الفارِق.

بقاء القوّات السودانيّة في اليمن أو سَحبِها، سيكون أحد المُؤشّرات في هذا الصّدد، وهُناك كَثيرون يُرجّحون الاحتمال الأخير، ونَحن لسنا بَعيدين عَنهم.

المصدر: رأي اليوم

0% ...

آخرالاخبار

مصادر فلسطينية: قوات العدو تعتقل شابًا عقب مداهمة منزله في بلدة يعبد جنوب غربي جنين


فورين بوليسي: إرسال قوات سورية إلى اليمن سيكون خطوة خاطئة جدا


مصادر سورية: 18 انتهاكا للعدو الإسرائيلي على الأقل في الجنوب السوري خلال الـ24 ساعة الماضية


مصادر يمنية: الطيران السعودي يشن غارتين على مبنى مؤسسة المياه في منطقة آل همام بمديرية الحزم في الجوف


انصار الله في اليمن يطلقون المسيرات والصواريخ باتجاه موقع سعودية


النمسا... عشرات آلاف الطلاب يتظاهرون احتجاجًا على ميزانية الجامعات


مصادر سعودية: سماع دوي انفجارات في الرياض


إيران و 6 دول في اجتماع اتفاقية باليرمو: يجب محاسبة مرتكبي العقوبات الأحادية


مصادر سورية: 18 انتهاكا للعدو الإسرائيلي على الأقل في الجنوب السوري خلال الـ24 ساعة الماضية


وسائل إعلام سعودية: سماع دوي انفجارات في المنطقة الجنوبية في السعودية


الأكثر مشاهدة

آليات الاحتلال تطلق النار في المناطق الشمالية الغربية لقطاع غزة


مصادر فلسطينية: قوات الاحتلال تداهم بناية سكنية خلال اقتحام بلدة السيلة الحارثية غرب جنين شمالي الضفة الغربية المحتلة


ترامب: نتفاوض مع روسيا حالياً بشأن أوكرانيا ونحن أقرب إلى التوصل لاتفاق من أي وقت مضى


بيان قطري فرنسي: نؤكد التزامنا بدعم استقرار لبنان وسيادته وانتهاء ولاية «اليونيفيل» يجب ألا يؤدي لفراغ أمني


شهيدان ومصابون جراء غارة من طائرة مسيّرة إسرائيلية استهدفت دراجة كهربائية قرب مفترق الصناعة جنوب غربي مدينة غزة


مسؤول أمني رفيع: تفترض إيران وقوع عدوان أمريكي وإسرائيلي وتعتبر الإيماءات الدبلوماسية الأمريكية فاقدة للمصداقية


مسؤول أمني رفيع: ترى إيران نفسها حالياً في حالة حرب مع الولايات المتحدة وتعتبر الحصار الاقتصادي والبحري والقيود الجوية الأمريكية استمراراً للعدوان العسكري


المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي: الولايات المتحدة تسعى إلى إملاء شروطها بدلاً من التفاوض


بقائي: لا يمكن إملاء المطالب وتجاهل المصالح المشروعة للطرف الآخر ثم توقّع التوصل إلى اتفاق مستدام


مصادر لبنانية: تفجير عنيف نفذه جيش الاحتلال الإسرائيلي في بلدة زوطر الشرقية جنوب لبنان


حماس: مجلس السلام وميلادنوف يبرران استمرار الحرب على غزة