معبر رفح , رمزية الحصار وعنوان لكسره , مطالبات كثيرة لفتح ذاك المعبر , وفتاوى عديدة من كبار المشايخ في العالم الإسلامي , حول حرمة إستمرار إغلاق المعبر ,لان إغلاقه بمثابة عملية القتل البطئ , لأكثر من مليون ونصف المليون من البشر, كما يشكل معبر رفح الممر الوحيد بين قطاع غزة والعالم الخارجي ,بوابة غزة للأشقاء وشريان الحياة لأهلها الباحثين عن العمل والعلم والعلاج .
معبر رفح , وليبقى مفتوحاً بإستمرارية , يجب أن يعمل على قاعدة أن السيادة على المعبر هي فلسطينية مصرية خالصة , ليس لأي احد وصاية على المعبر , ولا يملك القرار بفتحه وإغلاقه إلا الطرفين أصحاب العلاقة , الفلسطيني والمصري ,وبعد أن انتصرت الثورة المصرية وسقط النظام الموالي للكيان الصهيوني ,لم يعد مكان للجلادين الذي مارسوا الحصار على قطاع غزة , نيابة عن العدو الصهيوني ,وتذرعوا بإغلاقه في وجه المواطنين ,بذرائع ليس لها سند قانوني ولا أخلاقي , وشاركوا في ذبح الشعب الفلسطيني , عبر إغلاق نافذة الحياة والتواصل الوحيدة مع المحيط العربي والعالم الخارجي , فكان إغلاق معبر رفح جريمة بحق الإنسانية , تضاف إلى سجل النظام المصري في الجرائم ضد الشعب المصري ,والشعوب العربية وفي مقدمتها شعب غزة .
قرار فتح معبر رفح وعودة العمل الاعتيادي فيه إبتداء من يوم السبت الموافق 28/5/2011م بمثابة القرار السيادي والوطني الأول, للحكومة المصرية بعد الثورة المجيدة , ولهذا القرار دلالات عزة ومفخرة , يؤكد على أن مصر خرجت بالثورة من حفرة التبعية , والتي دٌفنت فيها مصر كرها, وأن مصر العربية تدخل بثورة الشباب في عالم الكبار , خطوة فتح معبر رفح جاءت من قيادة مصرية حكيمة , تنظر إلى أن مصالح مصر تكون بقوة ارتباطها بمحيطها العربي والإسلامي , الذي لا يمكن لها الانفكاك منه أو الابتعاد عنه , وان قوة مصر بالانصهار التام مع الأمة والتمازج مع التفاعلات الايجابية فيها , بما يخدم القضايا العربية المصيرية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية , فلا يعقل أن تكون مصر مقراً للمؤامرة على العالم الإسلامي , كما كانت في زمن الرئيس المخلوع , فلا نغفل الدور الكبير لمبارك في حرب الخليج (الفارسي), ومؤامرة توريط العراق في إحتلال الكويت , والحديث التحريضي من قبل مبارك لصدام هو ضرورة تأديب الكويت , كما جاء في حديت المترو قبل أزمة الخليج (الفارسي) بأشهر , كما لا يمكن أن ترى مصر الجوعى والقتلى في قطاع غزة !! وهل يتقبل المصريين أن تعلن الإرهابية ليفني الحرب على قطاع غزة من قلب القاهرة !! وهل كان الشعب المصري يرضى على أفعال النظام في قمع قوافل كسر الحصار وضربها بالغاز والهروات , كما حدث مع قافلة غلاوي في العريش !! كنا على يقين أن الشعب المصري لا يقبل ولا يرضى , بتصرفات النظام الاستبدادي وكنا نرى الحزن في عيونهم , وأسفهم على جرائم النظام بالتأمر على غزة , وان أفعال النظام تقدح في كرامة ومروة مصر , وهذا ما لا يرضاه كل حر شريف لمصر الكنانة , ولعل من الأسباب لاندلاع الثورة , شعور المصريين بالنكسة على المستوى الوطني , جراء مشاركة نظامهم بالحرب القذرة على غزة , لذا فمن الطبيعي جداً أن يكون القرار بفتح معبر رفح أحد إنتصارات الثورة المصرية , على إعتبار أنه قرار سيادي له علاقة غير مباشرة بالتعامل مع الكيان الصهيوني , وانقضاء الفترة المظلمة من العمالة , والعمل كأجير لحصار الشعب الفلسطيني من أجل مصالح الاحتلال الصهيوني .
الملاحظ بعد إعلان مصر فتح معبر رفح كالمعتاد ثار الغضب الصهيوني وحذرت حكومة الاحتلال من هذه الخطوة ومدى خطورتها على الأمن الصهيوني ,وهل السماح للمرضى بالسفر عبر معبر رفح يعرض الأمن الصهيوني للخطر ؟! وهل السماح للطلاب بالذهاب إلى جامعاتهم عبر المعبر يشكل تهديد لأمن الكيان الصهيوني ؟! , العدو الصهيوني من يعلم أن لا تهديد أمني عليه من فتح المعبر لان المقاومة وبكل وضوح لا تستخدم المعابر الرسمية لأي نشاط لها ولديها الأساليب والطرق بجلب حاجياته , ولقد وقف الاحتلال الصهيوني عاجزاً أمام إبداع المقاومة وإبتكاراتها في ظل تواجد قواته المحتلة بشكل مباشر على معبر رفح .
ولكن العدو الصهيوني يحاول من منعه لفتح معبر رفح ومعارضته للقرار المصري أن يستفيد من هذا الإغلاق في معركة كسر الإرادات التي تفوقت فيها المقاومة والشعب الفلسطيني والمناصرين له من عرب ومسلمين وأجانب والذي أصروا على الحياة مقابل أدوات الموت الصهيونية , فسقط الحصار أمام غضب الفلسطيني وصموده وإبداعه , الذي حفر الأرض بأظافره من أجل الحصول على مقومات الحياة , وسقط الحصار مع الدماء النازفة في البحر من شهدائنا الأتراك في أسطول الحرية , وتمرغ أنف الحصار والمحاصرين مع إصرار قوافل شريان الحياة البرية بالدخول من معبر رفح , وكُسر الحصار بإنتصار الثورة المصرية وعودة مصر إلى دورها العروبي والإسلامي الرائد , وكُسر الحصار بإنجاز المصالحة الفلسطينية وعودة الأشقاء للعمل جنبا إلى جنب , وكُسر الحصار بمسيرات العودة إلى فلسطين في الجولان مارون الرأس وبيت حانون , فلم يعد أمام العدو الصهيوني إلا الاعتراف بالهزيمة أمام إرادة الشعب الفلسطيني الذي تحدى حصاره وقاومه بكل الوسائل وانتصر عليه .
الاتحاد الأوربي يحاول الالتفاف حول القرار المصري , بإعلانه بعد قليل من صدور القرار المصري بفتح معبر رفح , أنه يمدد للأوربيين العاملين سابقاً في معبر رفح , في رسالة منه لإحياء اتفاقية 2005 والتي وضعت موطئ قدم للصهيوني في المعبر , بعد أن انسحب هاربا من معبر رفح , فهذه الاتفاقية المرفوضة فلسطينيا قيدت حرية الحركة للمواطنين , وجعلتهم تحت الرقابة الصهيونية المباشرة , بوجود الأوربيين وكاميرات النقل المباشر , فلا يمكن القبول بعودة الوصاية مرة أخرى على معبر رفح الفلسطيني المصري .
عملياً وحسب التجربة فإن عودة الأوربيين لإشراف على معبر رفح , تعني عودة السيطرة الصهيونية على المعبر , فالأوربيين يبيتون لذا الجانب الصهيوني , بعد انتهاء دوام المعبر ويأتوا إلى المعبر صباحا بمرافقة صهيونية , وكم مرة تذرع الصهيوني بالوضع الأمني حتى لا يسمح بوصول الأوربيين للمعبر , وبالتالي يتم إغلاقه حيث أن المعبر لا يعمل إلا بوجود الأوربيين حسب اتفاقية 2005 المشئومة .
وهنا نطلق تحذير لكل الأطراف الفلسطينية التي أصبحت الآن موحدة أو يجمعها توافق معين , هذا التحذير ينطلق من خطورة عودة الطاقم الأوربي للإشراف على المعبر , فلا يمكن القبول بعودتهم فيما قد يقول عنه البعض ببوادر حسن النية , أو من باب تفويت الفرصة على الصهيوني الغاضب من قرار فتح المعبر , لأن عودة الطاقم الأوربي للإشراف , هو بمثابة ضربة لكل الجهود المخلصة لإنهاء الحصار من أحرار العالم , وإذا كان بد من بوادر حسن النية للعالم الخارجي , فليكن عنوان ذلك العمل الإداري والمهني بمواصفات دولية وشفافية عالية , ومن الممكن إعلان الشراكة المصرية الفلسطينية لتسيير وتشغيل معبر رفح ضمن إتفاق أو تفاهم مشترك , ومن الأهمية بمكان التأكيد على السيادة الفلسطينية المصرية على المعبر, والرفض التام لعودة الصهاينة عبر مندوبيهم الأوربيين من اجل أن تنهي مرحلة الوصاية والتبعية للمحتل الصهيوني .
كاتب وباحث فلسطيني